أخبار

جائزة نوبل في الفيزياء تكرِّم النمذجة المناخية ونظرية المنظومات المعقدة

تشارَك شوكورو مانابيه وكلاوس هاسِلمان نصف الجائزة، فيما حصل جورجيو باريزي على نصفها الآخر، تكريمًا لأبحاث أجراها العلماء الثلاثة حول المنظومات المعقدة، بما في ذلك أبحاث نمذجة المنظومة المناخية للأرض وظاهرة الاحترار العالمي.

نيشا جايند

  • Published online:
الفائزون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2021:. شوكورو مانابيه، وجورجيو باريزي، وكلاوس هاسلمان (من اليمين إلى اليسار).

الفائزون بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2021:. شوكورو مانابيه، وجورجيو باريزي، وكلاوس هاسلمان (من اليمين إلى اليسار).

Credit: J J Guillen/EPA/Shutterstock; Tania/Contrasto/Eyevine; Markus Marcetic, the Royal Swedish Academy of Sciences

حاز ثلاثة باحثين جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2021 عن مجهوداتهم لتوصيف منظومات فيزيائية معقدة، بما في ذلك أبحاثهم التأسيسية التي أثمرت عن وضع نموذج رياضياتي رائد لمنظومة المناخ على كوكب الأرض، فضلًا عن تنبؤها بأن زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في غلاف الأرض الجوي تسفر عن ارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم.

ووفقًا لما صرحت به لجنة نوبل في إعلانها عن الجائزة في الخامس من أكتوبر الجاري، من المزمع أن يتقاسم شوكورو مانابيه وكلاوس هاِسلمان نصف الجائزة البالغة قيمتها 10 ملايين كرونة سويدية (1.15 مليون دولار أمريكي) عن جهود النمذجة تلك. أما جورجيو باريزي، عالم الفيزياء النظرية من جامعة سابينزا في روما، فقد حصل على النصف الآخر من الجائزة تقديرًا لإسهاماته في نظرية المنظومات المعقدة. وقد كان لأبحاثه أصداء في العديد من المجالات، بدءًا من علوم الأعصاب إلى دراسات آليات تكدُس المواد الحبيبية.

وتعقيبًا على هذا الحدث، قال ثورز هانز هانسون، رئيس لجنة جائزة نوبل في الفيزياء: "تكرِّم هاتان الجائزتان إسهامين مختلفين، لكنهما تشتركان في رسالتهما المتعلقة بالمنظومات وتقلباتها التي قد تكشف عن أنماط يمكننا فهمها والتنبؤ بها"، وأضاف قائلًا: "يمكننا التنبؤ بما سيطرأ على المناخ من تغيرات مستقبلًا إذا استطعنا فك شفرة تقلباته الفوضوية".

نماذج مناخية

في ستينات القرن الماضي، أثبت مانابيه الذي يعمل حاليًا في جامعة برينستون بولاية نيو جيرسي الأمريكية أن ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض ينجم عنه ارتفاع في درجات حرارة المناخ على سطح الكوكب. كما طوَّر نموذجًا رياضياتيًا لمنظومة كوكب الأرض المناخية. وبعد قرابة عقد، نجح هاسِلمان من معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية في مدينة هامبورج الألمانية في البناء على أبحاث مانابيه، ليتمخض ذلك عن وضع نموذج يوضح العلاقة بين الظروف الجوية والمناخ.

وعن كلا الإنجازين، يقول عالم المناخ بيورن ستيفنز، الذي يعمل بدوره في معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية: "كشف مانابيه النقاب عن الآليات والأسباب التي تجعل زيادة ثاني أكسيد الكربون تُترجم إلى احترار عالمي". وأضاف أن المعهد تغمره أجواء من "الفرحة العارمة" لأن كلا العالمين حصلا على "أولى جوائز نوبل التي تُمنح تقديرًا للجهود العلمية وراء فهمنا للتغيُّر المناخي".

أما يورجِن كيرث من معهد بوتسدام لبحوث تأثير المناخ في ألمانيا، فقال تعقيبًا على هذا الحدث: "من إسهامات هاسِلمان التي تنم عن عبقرية قيامه في سبعينات القرن الماضي بوضع أول "نموذج تصوُّري"  لمنظومة الأرض المناخية، هو مجموعة بسيطة من المعادلات التي تجسد عددًا من الظواهر العالمية من خلال قليل من المتغيرات. وقد أسفرت هذه المنهجية عن رؤى متعمقة تُعد مكملة لتلك المستقاة من نماذج الدوران العام للغلاف الجوي، وتنعكس في حسابات جغرافية مفصلة تستند إلى تجربة كل الاحتمالات". ويضيف كيرث قائلًا: "تتطلب هذه المحاكاة [للنماذج التصوُّرية] حاسوبًا عادة، لكنها طريقة أسهل وأسرع".

وتابع كيرث كلامه قائلًا إن هاسِلمان، الذي يبلغ من العمر حاليًا 89 عامًا، لا يزال يتابع بحرص التطورات في المجال، وهو يحض الباحثين على تجربة مقاربات غير تقليدية.

أما جابرييل هيجيرل، وهي عالمة متخصصة في النمذجة المناخية من جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة، جمعها تعاوُن سابق مع هاسِلمان كباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة، فتذكر أن هاسِلمان أبلى بلاءً "رائعًا" خلال عمله كمشرف قائم على التوجيه الأكاديمي، وأنه كان "مفعمًا بالحماس والأفكار المبتكرة".

وتضيف قائلة: "أشعر بسعادة بالغة لأنه وقع الاختيار على كل من شوكورو وكلاوس للفوز بالجائزة، فكلاهما قدم إسهامات هائلة من نواح عدة، وهما من قامات علم المناخ. وما زلت حتى اليوم أستخدم إحصاءات شوكورو القديمة التي قدمها في أولى أوراقه البحثية حول الامتصاص وفيزياء الغلاف الجوي في الصفوف التي أدرِس لها، فأبحاثه تُعد أساسية في فهمنا للمناخ وتغيُّره".

وفي وصف رد فعل مانابيه عندما استقبل نبأ فوزه بالجائزة، يقول جون ويتلوفر، وهو متخصص في علوم الأرض والكواكب من جامعة ييل في مدينة نيو هايفن بولاية كونيتيكيت الأمريكية، وعضو بلجنة جائزة نوبل للفيزياء، إن مانابيه "صُعق من الدهشة" عندما تنامى إلى علمه فوزه بالجائزة، وقال متعجبًا: "لكنني لست إلا عالم أرصاد!".

 نسق خفي

بدأ باريزي مشواره الأكاديمي من مجال فيزياء الجسيمات. مع ذلك، فقد أثَّرت أبحاثه في العديد المجالات الفرعية المنبثقة عن هذا الحقل، الذي انصرف اهتمام باريزي عنه في أواخر سبعينات القرن الماضي لينصب على نظرية المنظومات المعقدة. ومن هنا، اكتشف نسقًا خفيًا ومنافيًا للحدس والبداهة في تفاعلات العديد من الأجسام. على سبيل المثال، في بعض المنظومات مثل المواد المغناطيسية، تنزع الذرات إلى التراص على خط مواز لتلك المجاورة لها. أما المنظومات المعقدة، فيستعصي بدرجة أكبر التنبؤ بسلوكها. رغم ذلك، فقد اكتشف باريزي أنها تستوفي نمطًا معينًا من التناسق، لا يُلحظ إلا بمقارنته مع الكيفية التي تنتظم بها الذرات على نطاقات حجمية مختلفة، كما أوضح عالم الفيزياء فيديريكو ريتشي-تيرسينجي من جامعة سابينزا.

وعن باريزي، يقول ريتشي-تيرسينجي، الذي كان من طلابه وجمعه تعاوُن طويله: "لقد فتح باريزي الباب أمام رصد ظواهر المنظومات المعقدة وتفسيرها". وقد اتضح أن لنظريته فوائد حتى فيما يتعلق بالمنظومات التي قد تبدو للوهلة الأولى عشوائية تمامًا، مثل بِنى الزجاج.

في هذا السياق، يقول ويتلوفر إن أبحاث باريزي تتناول الفوضى والتقلبات الكامنة للتنبؤ بما ينشأ عنهما من سلوكيات. من هنا، فإن العلاقة بين أبحاثه وتلك الخاصة بمانابيه وهاسلمان تتمثل في منظوره للتقلبات على أنها مفتاح لوضع التنبؤات. ويوضح ويتلوفر هذا قائلًا: "بدأنا ندرك أن الظواهر الناشئة تتطلب منا في بعض الأحيان أن نتأمل جميع الآليات الفيزيائية المعقدة كل على حدة، وندمج بينها للتنبؤ بسلوك المنظومة".

في هذا الإطار، أعرب كيرث عن سعادته بأن باريزي – والدراسات حول المنظومات المعقدة، التي تُعد شديدة الأهمية لفهمنا لمنظومة المناخ – قد نالا تقدير لجنة نوبل.

ويقول ريتشي-تيرسينجي أن باريزي يذكي "أجواء من البهجة" في مجموعته البحثية، وأنه لطالما شجع من يتولى إرشادهم وتوجيههم على إشباع فضولهم البحثي واهتماماتهم الفكرية.

وقد استقبل باريزي نبأ فوزه بجائزة نوبل بأن قال للمراسلين الصحفيين الذين عملوا على تغطية الحدث: "شعرت بسعادة غامرة، ولم أكن حقيقة أتوقع هذا، وإن كنت قد اعتقدت بأنني أملك فرصة ما للفوز ، لذا أبقيت الهاتف إلى جواري".

وتأتي الجائزة قُبيل انعقاد اجتماع حاسم للمناخ في جلاسجو بالمملكة المتحدة، خلال نوفمبر المقبل، هو اجتماع الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُر المناخ. وحول مفاوضات المؤتمر، قال باريزي: "إن اتخاذ قرارات وخطى شديدة الحسم ضرورة ملحة. وعلينا التحرك الآن بخطى شديدة السرعة من أجل الأجيال القادمة".

وردًا على استفسار حول ما إذا كانت لجنة نوبل قد قصدت أن تبعث رسالة لقادة العالم من خلال هذه الجائزة، أم لا، قال جوران هانسون، السكرتير العام للهيئة المانحة للجائزة، الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم: "ما نرمي إليه هو أن النمذجة المناخية لها أساس راسخ في نظريات الفيزياء المحكمة...إن التغيُر المناخي العالمي يستند إلى أدلة علمية راسخة. هذا مفاد رسالتنا".