افتتاحيات

طفرة هائلة في علم الأعصاب

تُعد النتائج الأولية لمبادرة «أبحاث الدماغ من خلال النهوض بالتقنيات العصبية المبتكرة» (المعروفة اختصارًا باسم «براين» BRAIN) مثيرة للاهتمام، لكن لا يزال على الباحثين أن يقطعوا شوطًا آخر في سعيهم لنمذجة الدماغ البشري بأكمله.

  • Published online:

في عام 2013، دشَّن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مشروعًا بقيمة 5 مليارات دولار أمريكي، لتحسين فهمنا للدماغ البشري. ويُزمع أن يستفيد المشروع من التقنيات الجديدة لاستكشاف جينات الدماغ، وخواصه الفسيولوجية. وقد أوردت دوريةNature  في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الجاري، بعض النتائج التي أنتجتها هذه المبادرة المعروفة باسم «أبحاث الدماغ من خلال النهوض بالتقنيات العصبية المبتكرة»، (أو اختصارًا «براين» BRAIN).

فعلى الرغم من استمرار تقدم العلوم الطبية، تظل الأسباب الكامنة وراء العديد من اضطرابات الدماغ غير مفهومة بشكل جيد على المستوى الخلوي. ويرى المشاركون بالمبادرة، أنه بحلول الوقت الذي تصل فيه إلى ختامها في عام 2026، ستكون قد أنتجت "ثروة" من البيانات للباحثين الإكلينيكيين في مجال الاضطرابات النفسية، والاضطرابات التنكسية العصبية، وكذلك اضطرابات النمو العصبي.

جاءت الأدلة الموضحة في الأبحاث التي نتناولها هنا من «شبكة التعداد الخلوي التابعة لمبادرة براين»، BRAIN Initiative Cell Census Network، والتي يُرمز إليها بالاختصار (BICCN). ويُتوقع أن يساعد هذا المشروع البحثي العلماء على اكتشاف نماذج حيوانية لدراسة أمراض الدماغ البشري، مثل مرض «باركنسون»، ومرض الخلايا العصبية الحركية، ومرض ألزهايمر، وهي أمراض تشترك في بعض خصائصها الخلوية.

كذلك تساعد نتائج مشروع »شبكة التعداد الخلوي التابعة لمبادرة براين» في شرح دور الخلايا العصبية ودوائر الدماغ في المشاعر، والسلوك، والتعلم. وتُعد هذه النتائج خطواتٍ مبكرةً نحو فهم أكثر اكتمالًا للأسس العصبية وراء القدرات المعرفية البشرية، مثل التحليل المنطقي، وتعلم اللغات، وسينخرط العلماء في دراستها لعقود قادمة.

وقد انبثقت مبادرة «براين» عن تعاون بين مئات الباحثين حول العالم. وتتضمن البيانات التأسيسية التي قام عليها مشروع الشبكة سالفة الذكر مقارنةً بين خلايا القشرة الحركية الأولية في ثلاثة أنواع؛ هي الفئران وقرود القِشّة والبشر1. إذ تُعد القشرة الحركية الأولية الجزء المسؤول بالدماغ عن التناسق الحركي البارع، ومن شأن نتائج المبادرة أن تساعد في اكتشاف الآليات الخلوية التي جرى الاحتفاظ بها على مدى التاريخ التطوري عبر الأنواع. وسيساعد ذلك الباحثين في تحديد النماذج الأحيائية الأنسب لدراسة حالات التنكس العصبي.

"إنشاء مخطط بدائي لوصلات الدماغ البشري النموذجي سيستغرق 50 عامًا على الأقل".

كما وضع العلماء أطلسًا يكشف مواقع حوالي 25 فئةً فرعيةً من الخلايا في القشرة الحركية الأولية في الأنواع الثلاثة نفسها1. وأوردوا ما يسمى في اصطلاح علماء الأعصاب بمخطط وصلات المدخلات والمخرجات لهذه المنطقة داخل أدمغة الفئران. ويشرح الأطلس تفصيلًا كل الوصلات العصبية الطويلة - والمعروفة باسم المحاور العصبية – وكيف تصل إلى داخل هذه المنطقة وإلى خارجها. وسيساعد هذا علماء الأعصاب في دراساتهم لآلية تحكُم الدماغ في التناسق الحركي3.

كوَّن الباحثون أيضًا نظرة متعمقة حول كيفية اكتساب خلايا القشرة المخية الحديثة للإنسان هويتها في أثناء التطور الجنيني4؛ وهي تلك الطبقات الخارجية الرقيقة بنصفي الكرة الدماغية. ويمد المشروع العلماء بأدوات تُمكّنهم من تمثيل مجموعات البيانات الجديدة الضخمة تمثيلًا مرئيًا واستخراجها. بالإضافة إلى ذلك، بدأ الباحثون في إنشاء "صندوق أدوات" جينية، يستغل الفروق المميزة في التعبير الجيني بأنواع معينة من الخلايا من أجل وسم هذه الخلايا ومعالجتها5. ويتوقع العلماء أن يتوفر لهم في غضون سنوات قليلة أطلس عبر الإنترنت يوضح نوع كل خلية في أدمغة الفئران وموقعها؛ حيث ستكون جميع البيانات متاحةً مجانًا.

إلا أن قفزةً كبيرةً تفصل بين وضع ما يُعرف في أوساط الباحثين بالتعداد الخلوي، وفهم المعلومات الدقيقة التي تعالجها شبكة معينة من الخلايا العصبية. ولا يعرف العلماء بعدُ كيف يعالِج الدماغ سيل المعلومات الحسية التي تخبرنا بأننا جوعى أو بأننا نشعر بالبرد، أو تخلق حياةً مليئةً بالذكريات.

ويعتقد بعض علماء الأعصاب أنه سيصبح بمقدورهم فك شفرة الأسس التي تقوم عليها الحسابات المحركة لهذه العمليات، عن طريق تحليلها وتجزئتها إلى عوامل فسيولوجية وسلوكية منفصلة، في حين يعلق باحثون آخرون آمالًا على النظريات العالمية حول وظائف الدماغ. ومن بين تلك النظريات، واحدة تُعرف بـ«الاستنتاج النشط»، تضع تصورًا للدماغ باستخدام نماذج توقعية لتنظيم وظائف الأعضاء والسلوك6. وتقوم على تسلسل هرمي لمعالجة البيانات، وتدفُق التوقعات في اتجاه واحد، والإبلاغ عن أخطاء التوقع في الاتجاه المعاكس.

ويقدم باحثو مشروع «شبكة التعداد الخلوي التابعة لمبادرة براين» بعض الأدوات اللازمة لاختبار صحة هذه النظرية، ومن بينها أدوات مطلوبة لتحديد ومعالجة الخلايا التي قد تسهم في حلقة التوقعات تلك. بيد أن أحد التحديات التجريبية في هذا السياق يكمن في التوفيق بين استخدام هذه الأدوات الخلوية، والنماذج الدراسية حول جانب معين من الإدراك، أو الإدراك المعرفي، أو السلوك في الحيوانات الحية، ويتمثل تحد آخر في تحديد إلى أي مدى يمكن أن تكشف النماذج الحيوانية عن معلومات مفيدة حول الدماغ البشري.

وقد كشفت مبادرة «براين» بالفعل عن احتفاظ المكونات الخلوية الأساسية للدماغ في الثدييات المختلفة بسماتها إلى حد بعيد على مدى تطورها. وهذا ليس بالمفاجئ، بالنظر إلى التداخل الجيني الواسع والتشابه بين الأنواع في السلوكيات، مثل الأكل والتكاثر. كما أن هذا اكتشاف مطمئن، بالنظر إلى التحديات التي نعيها بالفعل فيما يتعلق بمدى قدرة النماذج الحيوانية على تقديم بيانات مفيدة حول الدماغ البشري. ففي حين أن دماغ الفأر يحوي حوالي 70 مليون خلية عصبية، فإن الدماغ البشري يحوي حوالي 86 مليارًا من هذه الخلايا، كل منها مليء بالمشابك العصبية التي تسمح له بالاتصال بخلايا أخرى. والعديد من الخلايا العصبية يضم آلاف المشابك العصبية.

وهذا الفارق كان من بين الأسباب التي دفعت هونجكوي تسان، واضع عدد من الدراسات في مجموعة الأبحاث تلك ومدير معهد ألين لعلوم الدماغ في مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية، إلى الاعتقاد بأن إنشاء مخطط بدائي لوصلات الدماغ البشري النموذجي سيستغرق 50 عامًا على الأقل، لكن كما تظهر الدراسات المنشورة مؤخرًا، فقد شرع العلماء في أخذ خطوات مهمة تجاه فك شفرة الدماغ، وابتكار أدوات ستكشف يومًا ما عن أسرار سماتنا المعرفية البشرية الفريدة.

References

  1. Bakken, T. E. et al. Nature 598, 111–119 (2021). | article
  2. BRAIN Initiative Cell Census Network (BICCN). Nature 598, 86–102 (2021). | article
  3. Muñoz-Castañeda, R. et al. Nature 598, 159–166 (2021). | article
  4. Bhaduri, A. et al. Nature 598, 200–204 (2021). | article
  5. Matho, K. S. et al. Nature 598, 182–187 (2021). | article
  6. Pezzulo, G., Rigoli, F. & Friston, K. Prog. Neurobiol. 134, 17–35 (2015). | article