افتتاحيات

الحدّ من انبعاثات الميثان خيارٌ أسرع لإبطاء الاحترار العالمي

يلعب ثاني أكسيد الكربون دورًا مهمًا في الاحترار العالمي، غير أن التقرير الصادر مؤخرًا عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC) يسلّط الضوء على أهمية الحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة الأخرى أيضًا.

  • Published online:

ليس هناك بديلٌ عن الحدّ من استخدام الوقود الأحفوري ووقف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إذا أردنا تفادي العواقب الوخيمة والمدمّرة للاحترار العالمي، وهو ما يؤكّده التقرير الأخير الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC). لكن ثاني أكسيد الكربون ليس الغاز الوحيد من غازات الدفيئة. وتشير الهيئة إلى التحدّيات – والفرص – المرتبطة بخفض غاز الميثان الذي أسهم بنسبة تصل إلى 0.5 درجة مئوية في الاحترار العالمي منذ أزمنة ما قبل الثورة الصناعية، ليحلّ بذلك في المرتبة الثانية على قائمة الغازات المسببة لهذا الاحترار بعد ثاني أكسيد الكربون.

والميثان هو المكوّن الرئيسي للغاز الطبيعي، الذي زاد الإقبال عليه بنسبة تزيد على 50% على مدار العقدين الماضيين كمصدر نظيف نسبيًّا للطاقة الأحفورية. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ساعدت إمدادات الغاز الطبيعي الوفيرة ومنخفضة التكلفة - التي يتم الحصول عليها باستخدام تقنية التكسير الهيدروليكي المثيرة للجدل - في أن يحلّ محلّ الفحم. بيد أن ذلك أثّر سلبًا على المناخ. إذ تَسببَ الوقود الأحفوري في زيادة معدلات تركيز الميثان في الغلاف الجوي بنسبة تزيد على ضعف ما كانت عليه منذ أزمنة ما قبل الثورة الصناعية؛ فزادت من حوالي 700 جزء في المليار إلى حوالي 1900 جزء في المليار عام 2020.

ويُعد غاز الميثان مثار قلق؛ نظرًا إلى تأثيره الهائل على المناخ، فهو يشكِّل جزءًا ضئيلًا جدًّا من الغلاف الجوي، مقارنةً بمستويات ثاني أكسيد الكربون التي تزيد عنه 200 مرة. غير أنه في العشرين عامًا الأولى لانبعاث الميثان، يكون تأثيره في احتجاز الحرارة داخل الغلاف الجوي للأرض أقوى بحوالي 80 مرةً من ثاني أكسيد الكربون. كما أنه يتحلّل بسرعة تفوق سرعة تحلل ثاني أكسيد الكربون، ويبلغ متوسط بقائه في الغلاف الجوي عقدًا من الزمان تقريبًا، مقارنةً بثاني أكسيد الكربون الذي يبقى في الغلاف الجوي قرونًا. ومعنى ذلك أن الحدّ من انبعاثات الميثان قد يكون حلًّا قصير المدى في الوقت الذي تتباحث فيه الحكومات والشركات بشأن التحوّل الصعب من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة.

وفي محاولةٍ للحدّ من انبعاثات الميثان، يسعى العلماء للإجابة عن سؤالين مرتبطين أحدهما بالآخر. أولًا، ما المصادر الرئيسية للميثان؟ ثانيًا، أيٌّ من هذه المصادر هو الأشد ضررًا؟ تُعد الماشية أكبر مصادر غاز الميثان، فهي مسؤولة عن 31% من إجمالي انبعاثاته عالميًّا، حسبما أشارت إليسا أوكو - من صندوق الدفاع عن البيئة (EDF) غير الربحي في نيويورك – وفريقها البحثي1. وتأتي عمليات إنتاج النفط والغاز في المرتبة الثانية بفارق ضئيل، إذ تسهم في انبعاث 26% من الميثان. وتشمل المصادر الأخرى مدافن النفايات، ومناجم الفحم، وحقول الأرز، ومحطات تنقية المياه.

ويُعد تقليل الميثان المنبعث من الماشية التحدّي الأصعب. فبإمكان الأفراد تقليل استهلاكهم من اللحوم، لكن إقناعهم بتغيير نظامهم الغذائي ليس بالهين. فضلًا عن ذلك، يزداد استهلاك اللحوم في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط مع ارتفاع دخل الأفراد بها. ولذا، فمن الأسهل تقليل انبعاثات الميثان من المصادر الأخرى. وفي الكثير من الحالات، لن يكلّفنا ذلك أي شيء، بل ربما يكون مُربحًا.

تشير أوكو وفريقها البحثي إلى أنه يمكن خفض انبعاثات الميثان عالميًّا بنسبة 57% بحلول عام 2030 باستخدام التقنيات الحالية، وأنه يمكن التخلص من ربع نسبة الميثان في العالم دون أي تكلفة. وقد يكون لقطاعي النفط والغاز أكبر الأثر هنا، نظرًا إلى تمتعهما بالبنية التحتية والحافز لتقليل الفاقد من الميثان. فكلّما زادت نسبة الميثان في خطوط أنابيب النفط والغاز، زادت الأرباح. أما في القطاعات الأخرى، فيمكن لمشغّلي مدافن النفايات ومناجم الفحم ومحطات تنقية مياه الصرف الصحي احتجاز هذا الغاز واستخدامه في توليد الكهرباء، ويمكن لمنتجي الأرز تقليل الانبعاثات من خلال تبنّي ممارسات أفضل في الري وإدارة التربة. وتشير الدراسة إلى أنه عند تطبيق تلك التدابير على مستوى العالم، يمكن تقليل الزيادة المتوقعة في الاحترار العالمي بمقدار 0.25 درجة مئوية بحلول عام 2050، و0.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، وهي أرقام لا يستهان بها بالنظر إلى أن حرارة العالم قد ارتفعت بالفعل بمقدار 1.1 درجة مئوية وأن قادة العالم قد تعهدوا بتقليل النسبة الإجمالية إلى 1.5-2 درجة مئوية.

تكمن المشكلة الأساسية في تحديد مصدر انبعاثات الميثان بدقة. فمنذ أكثر من عشر سنوات، رصد الباحثون غاز الميثان المنبعث من الطائرات باستخدام أجهزة استشعار للأشعة تحت الحمراء يمكنها رصد الغازات في ضوء الشمس المنعكس من الأرض2. واليوم، تُستخدم الأقمار الصناعية في هذه المهمة. وتُظهر الأبحاث أن عددًا قليلًا نسبيًّا من "المصادر الفائقة للانبعاثات" يتسبب في قدر هائل من انبعاثات الميثان، لا سيما في قطاعي النفط والغاز3.

ومن المتوقع أن تتطور القدرة على تحديد المصادر الرئيسية لانبعاثات الميثان في العامين القادمين. ففي عام 2022، من المزمع أن يطلق صندوق الدفاع عن البيئة (EDF) قمرًا صناعيًّا مصممًا لكشف الانبعاثات عبر مساحات شاسعة من الأرض. وفي عام 2023، تعتزم مؤسسة «كربون مابر» Carbon Mapper – وهي شراكة غير ربحية تضم مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا لعلوم الفضاء، وشركة «بلانيت» Planet في مدينة سان فرانسيسكو – إطلاق اثنين من النماذج الأولية لأقمار صناعية مصمَّمة لرصد الميثان وثاني أكسيد الكربون على نطاق عدد من المنشآت، كلّ على حدة.

وفي مارس الماضي، أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمفوضية الأوروبية «المرصد الدولي لانبعاثات الميثان»؛ للمساعدة في تنسيق تلك الجهود، ومساعدة صنّاع السياسات والشركات في اتخاذ التدابير اللازمة. وسوف يُتاح للمرصد بيانات من الحكومات والصناعات حول تقديرات الانبعاثات. وقد تعهّدت نحو 70 شركة من شركات إنتاج النفط والغاز، من بينها شركات كبرى مثل «شيل» Shell و«بي بي» BP، بوضع أهداف واضحة للحدّ من الانبعاثات، وتقديم تقارير عن انبعاثاتها، في إطار مبادرة يقودها «الائتلاف المعني بالمناخ والهواء النظيف» Climate & Clean Air Coalition. وهي مبادرة عالمية تضم حكوماتٍ ومؤسساتٍ غير ربحية وشركات وكيانات أخرى. وسيوفر هذا الجهد معلومات تساعد في وضع التزامات جديدة للحد من انبعاثات الميثان خلال «مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي» المقرر انعقاده في نوفمبر القادم في مدينة جلاسكو بالمملكة المتحدة.

وسوف يستمر ارتفاع درجة حرارة العالم إذا استمر إطلاق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، لكن الحدّ من انبعاثات الميثان وغيره من غازات الدفيئة المؤثرة قد يخفّف من حدة الوضع. لذا، يجدر بالحكومات والشركات أن تغتنم الفرصة لتمنح البشرية فسحة من الوقت لتحقيق ما يلزم تحقيقه.