أنباء وآراء

مواد فائقة الصلابة تصبح ثنائية الأبعاد

المواد فائقة الصلابة هي مواد غريبة، يُمكن لجسيماتها أن تجمع في آنٍ واحد بين القدرة على تشكيل البلورات، والقدرة على التدفق بانسيابية. وهنا، أنتج الباحثون أول مادة فائقة الصلابة ثنائية الأبعاد، باستخدام غازاتٍ شديدة البرودة من ذراتٍ عالية المغناطيسية.

برونو لابارث-تولرا

  • Published online:

بالرغم من اسمها، فالمواد فائقة الصلابة1 ليست فائقة الجمود، بل تجمع بين البنية المُنتظمة للمواد الصلبة وبين خصائص الموائع الفائقة، التي تتدفق بانسيابية. ولِتتصوَّر تلك المواد فائقة الصلابة، تخيَّل مكعب ثلج مغمورًا بالماء السائل، ويتدفق الماء عبره بانسيابية. وقد تمكَّن العلماء من إنشاء مواد فائقة الصلابة في عام 2019، باستخدام ذراتٍ شديدة البرودة لها خواص مغناطيسية2-4، لكنَّ البنية المنتظمة لتلك المواد لم تتحقق إلَّا في بُعدٍ واحد. أمَّا في هذا البحث الذي نُشِر مؤخرًا في دورية Nature، فأفاد الباحث ماثيو نورسيا وفريقه البحثي5 بأنَّهم قد رصدوا مادة فائقة الصلابة ثنائية الأبعاد، تكوَّنت من ذرات الديسبروسيوم شديدة البرودة.

تجدر الإشارة إلى أنه عندما يتحول سائل إلى مادةٍ صلبة، تتغيَّر كثافته تغيُرًا شديدًا مع نشوء المصفوفة المنتظمة للجسيمات التي تُكوِّن بلوراته. وهذا الترتيب المنتظم، الذي يميز المواد الصلبة المختلفة، من الثلج وحتى الفلزات، لا يُرى بالعين المجردة، ويكسر نوعًا من التناظر يُعرف باسم التناظر الانتقالي. ولكي تصبح أي مادة فائقة الصلابة، يجب أن تكسر هذا التناظر الانتقالي كذلك. فضلًا عن ذلك، تحتاج المادة إلى أن تصبح فائقة الميوعة، ما يتطلب منها أن تتصرف كموجةٍ تتذبذب بطريقةٍ مُحدَّدة عبر المادة كلها.

وكان أول نهجٍ اتبعه العلماء في البحث عن الصلابة الفائقة هو تعريض ذرات الهيليوم لدرجات حرارة شديدة الانخفاض6. فعندما يتغير الضغط، تستطيع هذه الذرات أن تنتقل بين طور صلبٍ وآخر فائق الميوعة، وهو ما يوحي بإمكانية تصرُّف المواد مثل المواد الصلبة والمواد فائقة الميوعة في الوقت نفسه. والسبب الذي يجعل ذرات الهيليوم مناسبةً بشدة لرصد ظاهرة الصلابة الفائقة فيها هو أنَّ هذه الذرات شديدة الخفة تستطيع أن تسلك سلوك الموجات بسهولة، وفقًا لميكانيكا الكم. لكن، مع الأسف، ظلَّ الهيليوم فائق الصلابة6 عصيًا على التحضير.

كذلك تُعَد الغازات الذرية فائقة البرودة - التي تُنتَج عند درجات حرارة تبلغ 100 نانو كلفن فقط - من المواد المناسبة الواعدة كذلك لرصد ظاهرة الصلابة الفائقة فيها، لأنَّها تستطيع أن تصبح فائقة الميوعة عبر تكاثف "بوز-أينشتاين"، وهو ظاهرة في ميكانيكا الكم تنتظم فيها كل الذرات تلقائيًّا، مكوِّنةً موجةً مُشتركة تُرى بالعين المجردة. وحين وَضَع الباحثون مُتكثِّفات "بوز-أينشتاين" هذه وسط أنماطٍ محددة من ضوء الليزر، لاحظوا مصفوفاتٍ ذاتية الانتظام مكوَّنة من ذراتٍ تتسم بالميوعة الفائقة8،7. غير أنَّ الانتظام الدوري لهذه البلورات يحسمه الطول الموجي لأشعة الليزر، ما يعني أنَّ البنية الشبكية لهذه المواد لا يُمكن أن تهتز كالبنية الشبكية للمواد الصلبة التقليدية. لذا تفتقر هذه الأنظمة إلى بعضٍ من درجات الحرية التي تتمتع بها المواد فائقة الصلابة.

ولهذه الأسباب، تحمَّس العلماء في عام 2019 حين أعلنت ثلاث فرق بحثية عن إنتاج مواد فائقة الصلابة قائمة على مُتكثِّفات "بوز-أينشتاين" مغناطيسية2-4. هذه المُتكثِّفات، التي تنشأ باستخدام ذرات ديسبروسيوم أو إربيوم عالية المغناطيسية، يحركها التنافس بين نوعين من تأثيرات التجاذب والتنافر المتبادلة. وتُجرَى هذه التجارب قُرب الحد الذي يكون عنده التجاذب بين الذرات قويًّا بما يكفي لانهيار المنظومة. ففي ظل هذه الظروف، تُشكِّل الذرات مصفوفةً من القطيرات. ويتحدَّد شكل كل قطيرة بنتيجة هذا التنافس بين تأثيرات التجاذب والتنافر، وبضغطٍ فعلي ناجم عن التقلبات الكمية. وعلاوةً على ذلك، فالترتيب المكاني للقطيرات يحكمه التنافر المغناطيسي طويل المدى فيما بينها.

وبالإضافة إلى مصفوفة القطيرات هذه التي ترتب نفسها ذاتيًا، يوجد غازٌ محيط حجمه كبير نسبيًّا وكثافته شبه موحَّدة، يُساعد في تزويد الموجة الذرية بالتذبذب المُحدَّد اللازم للميوعة الفائقة. ولِتتصوَّر هذا النظام، تخيَّل شبكةً من القطيرات (تشبه في طبيعتها الطبيعة الصلبة للمادة فائقة الصلابة)، موجودة في آنٍ واحد مع غازٍ محيط ذي كثافة موحَّدة (يشبه في طبيعته الطبيعة فائقة الميوعة للمادة فائقة الصلابة)، على غرار التشبيه المذكور أعلاه لمكعب ثلج مغمور بالماء، يتدفق الماء عبره. لكن ضع في حسبانك أنَّ البلورة والغاز المحيط مكوَّنان من الذرات نفسها، ويشكلان طورًا واحدًا من أطوار المادة، وهو الطور فائق الصلابة.وفي حين أنَّ هذه الدراسات الرائدة تمكَّنت من إنشاء مصفوفات قطيرات ومواد فائقة الصلابة ذات بعدٍ واحد، ففي هذا البحث عدَّل نورسيا وزملاؤه المصيدة الضوئية التي تحصر الذرات، وذلك لإنتاج مصفوفة قطيرات ومادة فائقة الصلابة ثنائيتي الأبعاد (الشكل 1). ويُعد هذا العمل خطوة شديدة الأهمية إلى الأمام؛ لأنَّ إحدى الطُرُق المباشرة لإثبات أنَّ منظومة ما تتسم بالميوعة الفائقة هي دراسة خصائصها عند الدوران، وهذه الدراسة التحليلية لا يُمكن إجراؤها إذا كان النظام ذا بُعدٍ واحدٍ فقط.

الشكل 1 | تكوُّن المواد فائقة الصلابة من غازٍ ذري شديد البرودة. المواد فائقة الصلابة هي مواد تجمع بين البنية المنتظمة للمواد الصلبة، وبين التدفق الانسيابي الذي تتسم به المواد المعروفة باسم الموائع الفائقة. وفي هذا البحث، أنشأ نورسيا وزملاؤه5 مواد فائقة الصلابة أحادية الأبعاد وثنائية الأبعاد، باستخدام غازٍ شديد البرودة من ذرات الديسبروسيوم. وتُمثِّل الألوان في الصورة كثافة الأنظمة، بدءًا من مستوياتها المنخفضة (باللون الأسود) وحتى مستوياتها المرتفعة (باللون الأصفر). ويعبر مقياس الرسم عن طول قدره 10 ميكرومترات في الواقع. (الصورة مأخوذة من الصورتين "b" و"d" في الشكل 2 الوارد في المرجع 5).

الشكل 1 | تكوُّن المواد فائقة الصلابة من غازٍ ذري شديد البرودة. المواد فائقة الصلابة هي مواد تجمع بين البنية المنتظمة للمواد الصلبة، وبين التدفق الانسيابي الذي تتسم به المواد المعروفة باسم الموائع الفائقة. وفي هذا البحث، أنشأ نورسيا وزملاؤه5 مواد فائقة الصلابة أحادية الأبعاد وثنائية الأبعاد، باستخدام غازٍ شديد البرودة من ذرات الديسبروسيوم. وتُمثِّل الألوان في الصورة كثافة الأنظمة، بدءًا من مستوياتها المنخفضة (باللون الأسود) وحتى مستوياتها المرتفعة (باللون الأصفر). ويعبر مقياس الرسم عن طول قدره 10 ميكرومترات في الواقع. (الصورة مأخوذة من الصورتين "b" و"d" في الشكل 2 الوارد في المرجع 5).

كبر الصورة

ولا يُمكن تدوير المواد فائقة الميوعة إلا عن طريق لَيِّ موجاتها بطريقةٍ تُنشئ دوامةً بداخلها كالدوامات المائية. ويتطلَّب إنشاء هذه الدوامة قدرًا معينًا من الطاقة، بحيث لا تدور المادة فائقة الميوعة عمليًّا إلا عند تعريض النظام لقوة تدوير كبيرة بالدرجة الكافية. وهذا السلوك الغريب يجعل المادة فائقة الميوعة تتمتع بقصورٍ ذاتي استثنائي (القصور الذاتي هو مقياس يعكس مدى مقاومة جسمٍ ما للتسارع الدوراني). وبالنسبة للمواد فائقة الصلابة، من المتوقَّع بناءً على خصائصها النوعية أن تدور البلورات المكوِّنة لها كجسمٍ جامد،  بينما لا يدور الغاز المحيط1. ومن ثَمَّ، يمكننا المقارنة بين القصور الذاتي للمادة فائقة الصلابة التي أنشأها الباحثون هنا وبين القصور الذاتي للمواد الصلبة العادية، وهذه المقارنة قد تكون إحدى الطرق لتحديد الجزء الذي يتسم بالميوعة الفائقة في المادة فائقة الصلابة.

ويوجد سؤالٌ آخر لم تُعرَف إجابته بعد، وهو إلى أي مدى يتحكم الحجم المحدود للمواد فائقة الصلابة في خصائصها. فخصائص الأنظمة التي توجد بها تأثيراتٌ متبادَلة طويلة المدى، مثل التأثيرات المغناطيسية المتبادلة هنا في هذه الدراسة، غالبًا ما تحددها بنية الحواف الخارجية لتلك الأنظمة. وفي تجربة نورسيا وزملائه، تتسم مصفوفة القطيرات ببنيةٍ شديدة التأثر بالمصيدة الضوئية، وهو ما يشير إلى أنَّها شديدة الحساسية لتلك التأثيرات الحدودية9. وما زلنا نجهل مدى إمكانية إنشاء منظومات أكبر من المادة فائقة الصلابة التي أنشأها مؤلفو الدراسة.

وفي هذه التجربة، يتسم الغاز المحيط الخاص بالمادة الفائقة الصلابة بأنَّ مسافة تعافيه أقصر على الأرجح بكثير من المادة فائقة الصلابة (مسافة التعافي هي كمية تُحدِّد حجم قلب الدوامة على سبيل المثال). وتشير هذه الملاحظة إلى أنَّ المنظومة كبيرة بالفعل بما يكفي لتتسع للمصفوفات الدوَّامية10، وغيرها من الاستثارات المرتبطة بتماثلات المادة فائقة الصلابة وبنيتها. وستكون دراسة الخصائص الديناميكية لهذا الطور من المادة على نحوٍ شامل مبحثًا مثيرًا للاهتمام في السنوات القليلة القادمة.

References

  1. Leggett, A. J. Phys. Rev. Lett. 25, 1543–1546 (1970). | article
  2. Tanzi, L. et al. Phys. Rev. Lett. 122, 130405 (2019). | article
  3. Böttcher, F. et al. Phys. Rev. X 9, 011051 (2019). | article
  4. Chomaz, L. et al. Phys. Rev. X 9, 021012 (2019). | article
  5. Norcia, M. A. et al. Nature 596, 357–361 (2021). | article
  6. Chan, M. H. W., Hallock, R. B. & Reatto, L. JLow Temp. Phys. 172, 317–363 (2013). | article
  7. Li, J.-R. et al. Nature 543, 91–94 (2017). | article
  8. Léonard, J., Morales, A., Zupancic, P., Esslinger, T. & Donner, T. Nature 543, 87–90 (2017). | article
  9. Roccuzzo, S. M., Stringari, S. & Recati, A. Preprint at https://arxiv.org/abs/2104.01068 (2021).
  10. Gallemí, A., Roccuzzo, S. M., Stringari, S. & Recati, A. Phys. Rev. A 102, 023322 (2020). | article

برونو لابارث-تولرا: يعمل في مختبر فيزياء الليزر، بجامعة شمال باريس، 93430 فيليتانوز، فرنسا.

البريد الإلكتروني: laburthe-tolra@univ-paris13.fr

صرَّح الكاتب بأنَّه لم يكن هناك أي تضاربٍ في المصالح عند إعداد هذا التقرير.