كتب وفنون

كاثرين جونسن ورحلتها الجامحة

في سيرتها الذاتية، تروي عالِمة الرياضيات التي عملت في «ناسا» كيف تجاوزت عراقيل التمييز على أساس الجنس والعرق.. لتلعب دورًا حاسمًا في السباق نحو الفضاء.

إينيسا راميريز
  • Published online:
كاثرين جونسون تُجري الحسابات لرحلات «ناسا» عام 1966.

كاثرين جونسون تُجري الحسابات لرحلات «ناسا» عام 1966.

Credit: NASA

«رحلتي الاستثنائية» My Remarkable Journey

كاثرين جونسون، وجويليت هيليك، وكاثرين مور

دار نشر «هاربر كولينز بابليشرز» Harper Collins Publishers

عندما بدأ بث حلقات مسلسل «ستار تريك»  Star Trek في ستينيات القرن الماضي، كانت «أوهورا»، وهي شخصية مسؤولة الاتصال التي لعبت دورها المُمثِّلة نيشيل نيكولاس، السيدة السمراء الوحيدة التي ارتبطت في الأذهان بفكرة السفر إلى الفضاء. ما لم يدركه المجتمع آنذاك هو أن سيدات سمراوات، مثل كاثرين جونسون، ومن خلال عملهن كمتخصصات في الرياضيات، قد فَتَحن الطريق أمام ذلك السفر. رحلت جونسون عن عالَمنا في عامها الأول بعد المئة السنة الماضية، أي بعد أربع سنوات من عرض الفيلم الناجح «شخصيات مطموسة» Hidden Figures الذي سلَّط الضوء على عملها. ولكن جونسون أبَت أن ترحل دون أن تترك هدية للقراء في كِتابها «رِحلتي الاستثنائية» My Remarkable Journey، وهو سيرة ذاتية بديعة، تحكى قصة حياة حافِلة بالتفاصيل. ساهم في تأليف الكتاب ابنتا جونسون، بمشاركة صَحَفية حائزة على جوائز، وهو يروى قصة جونسون على خلفية قرن من الأحداث المثيرة في تاريخ الولايات المتحدة.

يبدأ الكتاب بوصف فورة الاهتمام بشخص جونسون لدى عرض الفيلم، وما صاحب ذلك من احتفاء علني بدورِها، كان له الفضل في إثراء السنوات الأخيرة من حياتها. كان من أوجُه ذلك الاحتفاء أن حظيت جونسون بدعوة لحضور حفل توزيع جوائز الأوسكار في 2017، ونالت تكريمًا من الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، عندما منحها «ميدالية الحرية»، وقُبلة على الخد. بعد تلك المقدمة، تروي جونسون كيف تحولت شابةٌ نابغةٌ في الرياضيات من مدينة وايت سولفور سبرينجز بولاية ويست فرجينيا الأمريكية إلى "كمبيوتر آدمي"، أدار تجارب إطلاق الصواريخ الأشد إثارة على مر التاريخ. فضمن عملها في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، أُسندت إلى جونسون مسؤوليةُ حساب المسارات والنوافذ الزمنية لإطلاق الصواريخ، ضمن «مشروع ميركوري» Project Mercury، وهو البرنامج الذي سعى لإرسال البشر لاستكشاف الفضاء. في الوقت ذاته، كان عليها أن تشق طريقها في حقبة كان فيها الفصل العنصري والحرمان من الحقوق السياسية لا يزالان مقبولين قانونيًا في الولايات المتحدة.

عَنونَت جونسون فصول كتابها بعناوين تمثل دروسًا استقَتْها على مدار حياتها، مثل «التعليم مهم»، و«اسأل أسئلة شجاعة»، و«أطلق العنان لطموحك»؛ ذلك أنها تعي أن هناك مَن سيجد في قصة حياتها القدوة والمَثل، وأن النساء والأشخاص من غير العرق الأبيض قليلًا ما يجدون من يشبهونهم في حقل العلوم. وقد شعرْتُ أثناء قراءة الكتاب أنني في حضرةِ حَكّاءة مخضرمة، قاصة ومُؤرِّخة في آن، أنهل منها حصيلة سنواتٍ من البصيرة الثاقبة حول كيفية الاستفادة من أوقات الفراغ في إعداد نفسي للمستقبل، وكيف أواصل السير إلى الأمام، مهما كانت صعوبة المسيرة. وأما طريقتها البسيطة في شرح العلوم فممتعة. مثلًا، تُشَبّه التوقعات المدارية بالصيد، فتقول: "إنك تُوجّه سهمك إلى حيث تتوقع أن يكون الأرنب".

دعم أسري

استفادت جونسون من تضحيات والديها استفادة عظيمة؛ فقد كانا لها بمثابة الصاروخ الذي يحترق كي تنطلق كبسولة الفضاء لتشق عنان السماء. بفضلهما، انتقلتْ جونسون وإخوتها الثلاثة إلى مدينة إنستتيوت بولاية ويست فرجينيا، على بعد نحو 190 كيلومترًا من مدينة وايت سولفور سبرينجز، لتلتحق بمدرسة للطلبة السُّود، تُوفِّر التعليم لما بعد الصفوف الأولى. ولما كان والدها ماهرًا في الحساب والأرقام هو الآخر، فقد غرس في وعيها أنها تقف "رأسًا برأس مع أي شخص، بغض النظر عما تقوله القوانين أو التقاليد". وأضفى هذا الدرسُ على رحلة جونسون طمأنينة وثباتًا.

 

وفي الرابعة عشر من عمرها، التحقت جونسون بكلية ولاية ويست فرجينيا (التي أصبحت جامعة فيما بعد)، بمدينة إنستتيوت. وهناك، وضع أستاذها صوب عينيها هدفًا لا تحيد عنه؛ وهو أن تصير باحثة متخصصة في الرياضيات. كان ذلك الأستاذ، واسمه ويليام ولدرون شيفلين كليتور، نابهًا في علم الطوبولوجيا، وهو العلم الذي يبحث الخصائص المستقرة للأشكال الهندسية، ولو تعرضت للّيّ والمط والانبعاج، غير أن العنصرية في الوسط الأكاديمي عرقلت مسيرته المهنية. أعد كليتور تلميذته النابغة لاغتنام فرص المستقبل، عبر جلسات تعليمات مخصصة للفتاة في مجال الهندسة التحليلية للفضاء. ومن غير أن يدري، كان الأستاذ يُدرِّب تلميذته على المهارات التي ستحتاجها في سنوات لاحقة. كان كليتور تجسيدًا للحكمة الشائعة في أوساط المجتمع الأمريكي من أصول إفريقية: "نصعد وأيدينا ممدودة للآخرين".

الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما يمنح كاثرين جونسون «ميدالية الحرية الرئاسية» في عام 2015.

الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما يمنح كاثرين جونسون «ميدالية الحرية الرئاسية» في عام 2015.

Credit: Carlos Barria/Reuters/Alamy

وُلدت جونسون في عام 1918. وهكذا، فقد شهدت وعايشت الكساد العظيم، والحرب الباردة، وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة، فضلًا عن السباق نحو الفضاء. تتقاطع قصتها مع تلك الأحداث الثرية، فتُعمِّق فهمنا للقرن الماضي. التحقت جونسون في عام 1953 بالهيئة التي ستصير لاحقًا «ناسا»، وكانت حينئذٍ تُعرَف باسم اللجنة الاستشارية الوطنية لشؤون الطيران. ولكن بحلول تلك المرحلة، كانت جونسون قد دوَّنت اسمها في سجلات التاريخ. ففي عام 1939، اختارها رئيس كلية ولاية ويست فرجينيا، واثنين من أقرانها السود، لتنتقل من كليتهم، التي كانت مركزًا لتعليم السّود على مر تاريخها، وتلتحق بجامعة ويست فرجينيا في مدينة مورجانتاون، التي كانت مقصورة على الطلبة البيض، وهو ما يعني إلغاء الفصل العنصري في تلك الجامعة بشكل غير رسمي، قبل عقدين من إلغائه رسميًا في مدرسة ليتل روك ناين الثانوية في ولاية أركنساس في عام 1957. وهكذا، كانت رحلة جونسون إلى «ناسا» لا تقلُّ أهميةً عن العمل الذي أنجزته داخلها.

لحظة الذروة في الكتاب تتمحور حول قصة رَكّز عليها الفيلم أيضًا، ولكنها تبدو أكثر تشويقًا وهي تُروى على لسان صاحبتها. فقد كانت جونسون "الفتاة" – كما وُصِفَت، تهوينًا – التي لجأ إليها رائد الفضاء جون جلِن لتتوثق بحساباتها الذهنية وحدها من دقة خطة الكمبيوتر للسفر في مدار الأرض عام 1962، وكانت الرحلة الأولى من نوعها لرائد فضاء أمريكي. وصحيح أن النسخة الهوليودية من القصة تضيف إلى ذلك المشهد بعضًا من المبالغة، إلا أن جونسون في غنًى عن ذلك. لا يكاد المرء يذكر مشهدًا لشخص يُجري حسابات رياضية بيديه كما تجد في وصف جونسون للعملية نفسها، إذ تقول: "كنت المسؤولة عن تعقُب الأخطاء وتصحيحها؛ كنت آخر من يُصَدّق على الحسابات الرياضية". ورغم أننا نعرف النتيجة النهائية لتلك الحسابات، يغمرنا الارتياح حين نعرف أن أرقام المؤلِفة كانت صحيحة. لوهلة، يبدو أن رحلة فضائية – بل وأمة بأكملها – قد اعتمدت على دقة الحسابات التي أجرتها جونسون بقلمها الرصاص.

تحتفي جونسون أيضًا بعالَم نادرًا ما نراه في كتب تاريخ العلوم، وهو العالَم بعيون أسرة سمراء عاشت في جنوب الولايات المتحدة، وعاصَرَت أواسط القرن العشرين، فيما كان مستواها يتأرجح بين الطبقتين العاملة والوسطى. ولا عجب أن لَحِق جونسون الأذى بفِعل الواقع الذي كان سائدًا آنذاك، في إطار ما كان يُطلق عليه: «قوانين جيم كرو». تروي، مثلًا، حادثة منع ابنتها من دخول مستشفى كان مقصورًا على المرضى البيض. وتروي مواقف عدائية تنُم عن كراهية دفينة، لم يكن لها من دافع سوى أن "تلزَم مكانها"، ولا تطمح إلى تجاوزه. فعندما سألها المشرف عليها بجامعة ويست فرجينيا، وكان من ذوي البشرة البيضاء: "ماذا ستفعلين بشهادتك العالية هذه؟"، استشاط غضبًا من إجابتها، التي انطوت على ما اعتبره مقارنة متبجحة بينها وبينه، وذلك حين ردت بأنها ستفعل بشهادتها مثلما فعل هو بشهادته. متذكرةً ذلك الموقف، كتبَتْ المؤلفة: "لم أقصد بردِّي الإساءة إليه، ولكني في الوقت ذاته كنت راضية تمامًا عن ذلك الرد".

عاشت جونسون حياة حافلة بين الأهل والأصدقاء، ولجأت إلى دعم المُقَرّبين حين واجهت صعوبات: حين تعرض منزلها لحريق، مثلًا، وحين تُوفّي زوجها الأول. وحافظت على علاقات زمالة ودودة مع رفيقاتها السمراوات من نادي الطالبات بالجامعة، واسمه «ألفا كابا ألفا». والحق أن الكليات المخصَّصة للسود لعبت دورًا هامًّا في تنشئتها. فالفضل في كثير من الإنجازات التي حقَّقتها يعود للدور الذي اضطلعت به تلك المؤسسات الهامة، وهو دور يُبرزه صعود كمالا هاريس، النائبة الحالية لرئيس الجمهورية الأمريكي، والتي تخرجت في جامعة هاوارد في واشنطن العاصمة، وهي جامعة عريقة، اختُصَّت بتوفير التعليم للمواطنين السود. تسلِّط جونسون الضوء على ذلك العالَم المُلهِم، الذي طال تجاهله في السرديات السائدة. صحيح أنها تكتب عن سباق الفضاء، ولكنها تكتب أيضًا عن فضاءات تلقَّت فيها عون الآخرين، لتسبق قيود العنصرية وتتجاوزها.

يُلقي كتاب «رحلتي الاستثنائية» نظرة فاحصة على جهود المؤلفة لتجاوز التمييز على أساس الجنس والعِرق. قبل عقود، عندما انتهت المؤلِفة من حساباتها التي قدَّرت نقطة التقاء الوحدة القمرية بوحدة التحكم، التي تُعتبر أحد المقوِّمات الأساسية لمهمة «أبولو»، التي حطَّت على سطح القمر في نهاية المطاف، قالت: "هاهنا اكتمل عملي". وبهذا الكتاب العذْب الذي بين أيدينا، اكتمل عمل جونسون حقًا.

 

إينِيسا راميريِز عالِمة مواد، ومؤلِفة كتاب «سحرنا الخاص» The Alchemy of Us، ولديها كِتاب مصوَّر للأطفال على وشك الصدور، تتناول فيه المخترعين السود.

تويتر: @ainissaramirez  

الموقع الإلكتروني: www.ainissaramirez.com