أخبار

خيبة الأمل تحيط بعقار وقائي ضد فيروس نقص المناعة البشرية 

في حالات نادرة، يخفي عقار «كابوتِجرافير» العدوى بالفيروس، ويزيد من مقاومته للعلاج. 

أيمي ماكسمين
  • Published online:
مجموعة أفراد ينتظرون العرض على الأطباء في عيادة مختصة بفيروس نقص المناعة البشرية في جوهانسبرج، بجنوب إفريقيا.

مجموعة أفراد ينتظرون العرض على الأطباء في عيادة مختصة بفيروس نقص المناعة البشرية في جوهانسبرج، بجنوب إفريقيا.  

Credit: Foto24/Gallo Images/Getty

يبدو أن العقار الذي يُعطَى للمرضى عن طريق الحَقن، وكان قد لقِيَ إشادات واسعة العام الماضي، لقدرته على الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، هو في الحقيقة أقل مثالية مما رُوِّج له، حسبما كشفت دراسة تحليلية جديدة.

كانت مجموعة من الباحثين قد راجعت تجربة إكلينيكية لاختبار عقار «كابوتِجرافير» cabotegravir، ضمت أكثر من 4570 فردًا، كما فحصت عينات الدم التي جُمعت أثناء الدراسة. وجد الباحثون أن أربعةً ممن أصيبوا بعدوى فيروس نقص المناعة البشرية، رغم تلقيهم جرعات من العقار المذكور، المستخدم لعلاج فيروس نقص المناعة والوقاية منه، كانوا قد أصيبوا بالعدوى قبل أن تكشف فحوص فيروس نقص المناعة التقليدية إصابتهم بأكثر من شهر. وخلال تلك الفترة، طورت أجسادهم مقاومة لعقار «كابوتجرافير»، وعقاقير أخرى وثيقة الصلة، تستخدم لعلاج لفيروس نقص المناعة. وعلى الرغم من إمكانية استخدام بدائل لتلك العقاقير الشائعة في علاج عدوى فيروس نقص المناعة، فإن تلك البدائل باهظة الثمن، أو يتعذَّر الحصول عليها في بعض البلدان.

ويعتقد الفريق أن عقار «كابوتجرافير» قد تمكن من كبح الفيروس لفترة كافية، فحالَ دون كشف الإصابة في مراحلها الأولى عن طريق الفحوص.

تأتي هذه الأخبار في وقت تصل فيه إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية عدة عقاقير أخرى فعالة، تهدف إلى الوقاية من الإصابة بالفيروس؛ وهو نوع من العلاج يُعرف بالوقاية السابقة على التعرض للمرض (واختصارًا: PrEP). وفي المؤتمر الذي عُقد يوم التاسع من مارس الماضي على شبكة الإنترنت حول أنواع العدوي الانتهازية والعدوى بالفيروسات القهقرية، يشير رافاييل لاندوفيتس، الباحث المتخصص في الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية بجامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلوس، والذي طرح نتائج عقار «كابوتجرافير»، إلى أنه يجب على العلماء المسؤولين عن تلك الدراسات مراقبة المشاركين بها من خلال اختبارات أكثر دقة من المعتاد، لاكتشاف الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، سعيًا إلى تجنب المواقف المشابهة.

ومع ذلك، يقول لاندوفيتس، وغيره من العلماء، إن الوقاية السابقة على التعرض للمرض تبقى إحدى أفضل الأدوات الواعدة لكبح جماح فيروس يصيب قرابة 1.7 مليون شخص سنويًّا. وعلى الرغم من نتائج دراسة عقار «كابوتجرافير»، فلا تزال كوريشا أبدول كريم، المديرة العلمية المشاركة بالمركز الخاص ببرنامج أبحاث مرض الإيدز في جنوب إفريقيا، الواقع في مدينة دوربان، متفائلة حيال إمكانيات هذا العقار. لم تشارك كوريشا في التجربة، لكنها عضوة في نفس الشبكة التي تطور تلك العلاجات. وفي تعليق أدلت به، قالت: "عندما يشارك الأفراد في برامج الوقاية السابقة للتعرض، ربما يتعين علينا في تلك الحالة رفع كفاءة الاختبارات التي نستخدمها"، منوهةً في الوقت نفسه إلى أن هذا سيزيد من التكلفة.

تحسين الالتزام بجدول العلاج

في عام 2012، أعطت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الضوء الأخضر لاستخدام أقراص يومية من دواء لفيروس نقص المناعة البشرية، يدعى «تروفادا» Truvada («إمتريسيتابين» Emtricitabine/«تينوفوفير» Tenofovir)، من إنتاج شركة «جلعاد ساينسز» Gilead Sciences الواقعة في فوستر سيتي، بولاية كاليفورنيا، وهو دواء يستطيع منع الإصابة بالعدوى. وقد ثبت أن نسبة فاعليته تتجاوز 85% عند تناوله وفقًا لجدول العلاج. ولكن الدراسات كشفت أن الكثيرين من غير المصابين بالفيروس لا يلتزمون بتناول القرص الوقائي كل يوم. فعلى سبيل المثال، توقفت دراسة إكلينيكية، ضمت مجموعة من النساء في كينيا وتنزانيا وجنوب إفريقيا قبل موعد نهايتها بوقتٍ طويل، نظرًا لما لاحظه العلماء من أن العلاج الوقائي بالأقراص لم يكن فعالًا. ليس هذا فحسب، فقد أظهرت تحاليل مستوى العقار في الدم أن مشارِكات كثيرات لم يتناولن الأقراص من الأصل. (L. Van Damme et al. N. Engl. J. Med. 367, 411–422; 2012).

نتيجة لذلك، طور الباحثون علاجات يستمر تأثيرها لفترات أطول، على غرار الحقن بعقار «كابوتجرافير»، لتحسين درجة الالتزام بالعلاج. تبقى هذه العلاجات في الجسم على مدى أسابيع أو أشهر، ومن ثم تتطلب إعطاء المشاركين جرعاتهم في فترات أقل تواترًا. وفي العام الماضي، ساد جوٌّ من الحماس عندما أفاد لاندوفيتس بتمكُّنه من إثبات أن إعطاء حقنة واحدة من عقار «كابوتجرافير» يزيد من فعالية الوقاية من عدوى فيروس نقص المناعة البشرية بمقدار ثلاثة أضعاف، مقارنة بفعالية أقراص «تروفادا» اليومية، وفقًا لتجربة إكلينيكية. وقد قارنت التجربة بين عقاري «تروفادا» و«كابوتجرافير» في مجموعة تضم رجالًا مثليِّين، يمارسون الجنس مع رجال، ونساء عابرات جنسيًّا، يمارسن الجنس مع رجال، وذلك على نطاق سبع دول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وجنوب إفريقيا، والبرازيل. وقد أثبت عقار «كابوتجرافير» فعالية كبيرة؛ ما حدا بهيئة مراقبة مستقلة أن توصي بكشف غطاء التعمية عن التجربة، كي يعرف المشاركون ما إذا كانوا يتعاطون عقار «تروفادا» (وحقنة دواء وهمي)، أو عقار «كابوتجرافير» (وأقراص علاج وهمي)، والتحول إلى إعطاء المشاركين العقار الأكثر فاعلية.

إعادة النظر في التجربة

لكن الفريق البحثي أراد فهم السر وراء إصابة بعض الأفراد بالعدوى رغم تعاطي الدواء، ووجد أن البعص لم يلتزموا بنظام الجرعات اليومية لأخذ أقراص «تروفادا»، وأن آخرين أصيبوا بالفيروس بعد توقفهم عن تلقي العلاج.

ومما أثار دهشتهم، أنه عند تحليل عينات دم مأخوذة من أربعةٍ أصيبوا بالمرض أثناء تلقيهم جرعات «كابوتجرافير»، كشفت الفحوص الدقيقة القادرة على تعيين الحمض النووي الريبي لفيروس نقص المناعة البشرية أن المشاركين في الدراسة قد أصيبوا بالعدوي قبل فترة تتراوح بين 6 أسابيع و16 أسبوعًا من اكتشاف العدوى من خلال الفحوص التقليدية لفيروس نقص المناعة، والتي تُجرى شهريًّا كجزء من التجربة. ويبرر لاندوفيتس ذلك بأن عقار «كابوتجرافير» فعال للغاية، لدرجة أنه حافظ على مستويات الفيروس لدى أولئك الأفراد عند مستوًى متدنٍّ للغاية، إلى حدٍّ تعذَّر معه اكتشافه بواسطة الفحوص التقليدية. لكن ذلك تغير عندما طور الفيروس مقاومة للعقار، ثم تضاعف في الجسم، مسببًا ارتفاعًا حادًا في مستوياته بالجسم.

ويعلق لاندوفيتس قائلًا: "الدرس الذي ينبغي استخلاصه هنا، هو أننا بحاجة إلى اختبارات تشخيصية أفضل، والاستعداد لإدراج الأفراد في برامج علاجية كابحة للعدوى فور تشخيص الإصابة بالعدوى". ويلاحَظ في نفس السياق، أن المشاركين استجابوا بصورة جيدة لعلاجات فيروس نقص المناعة البشرية البديلة لعقار «كابوتجرافير»، والعقاقير المشابهة له.

ويشير مايكل روبرتسون، المدير التنفيذي لمعامل «ميرك» Merck البحثية في ويست بوينت، بولاية بنسيلفانيا، إلى أن العلماء يخططون لتقييم عينات الدم، بحثًا عن علامات وجود فيروس نقص المناعة المقاوِم للأدوية في تجربتين إكلينيكيتين، لاختبار علاجات طويلة الأمد من نوع علاجات الوقاية السابقة على التعرض للمرض. أطلقت «ميرك» هاتين التجربتين في الشهور القليلة السابقة على نشر هذا المقال في نسخته الإنجليزية (مارس 2021)، وسوف تختبر إحدى التجربتين مدى فعالية قرص عقار جديد، يدعى «إسلاترافير» islatravir، يُؤخذ مرةً واحدةً شهريًا، في الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية. أما التجربة الأخرى، فتتناول أداء غرسات بحجم عود الكبريت، تُزرع في أعلى ذراع الفرد، وتحتوي على عقار «إسلاترافير». ويتطلع روبرتسون متفائلًا إلى تلك العلاجات، على الرغم من نتائج عقار «كابوتجرافير»؛ إذ يرى أن قرصًا شهريًا أو غرسة مزروعة، قد تكون الخيار الأمثل للأفراد الذين يعانون من وصمة العار المرتبطة بتناول عقار يقي من فيروس نقص المناعة البشرية بصورة يومية.

يتفق لاندوفيتس مع هذا الرأي، قائلًا: "عندما أعود بذاكرتي إلى الماضي، أتذكر أننا شهدنا نتائج مهمة"، مضيفًا: "يمكن أن تكون النتائج مذهلة، لذا علينا اكتشاف كيفية تقليل الخطر الذي يتعرض له الأفراد إلى الحد الأدنى".

على أن بعض المجتمعات التي يبذل الباحثون قصارى جهدهم في محاولة الوصول إليها، باعتبار أنها تضم نسبة عالية من الإصابات بفيروس نقص المناعة البشرية، ربما لا تبدي نفس التفاؤل حيال هذه الأخبار. ويحذر ليفي ماكسويل، وهو ناشط مجتمعي أسود عابر جنسيًّا، يقيم في سان فرانسيسكو، بولاية كاليفورنيا، من أن الأخبار المتداولة عن عقار «كابوتجرافير» يمكن أن تتسبب في رد فعل عكسي، مضيفًا: "إن إخبار الناس بأن هذه الطريقة في التعامل أفضل من عدمها ليس حلًا". وأوضح أن قسمًا معتبرًا من السود والعابرين جنسيًّا يتشككون بطبيعتهم في المسؤولين الحكوميين والعلماء، أخذًا في الحسبان التاريخ الممتد من الإيذاء والتمييز. وهذه الحالة من انعدام الثقة ربما تتفاقم بفعل التأثير السلبي – وإن كان نادرًا – لعقار مخصص للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية.

ويوصي ماكسويل العلماء المتخصصين في فيروس نقص المناعة البشرية بالتركيز على تطوير أشكال جديد من علاجات سابقة على التعرض للمرض، لا تتسبب في خلق مقاوَمة للعقار في نهاية المطاف. ويقترح على الباحثين في مجال الوقاية من فيروس نقص المناعة أن يمارسوا شيئًا من الضغط من أجل تمرير تغييرات في السياسات الحالية، تهدف إلى تحسين الأوضاع التي تجعل الأفراد السود والعابرين جنسيًّا أكثر عرضة لخطر الإصابة بعدوى الفيروس من الأساس، ومنها تكلفة السكن الباهظة، وارتفاع معدلات إيداع الأفراد السجون. ويختتم ماكسويل حديثه قائلًا: "ربما كانت نية العلماء حسنة بالفعل، لكن عليهم فهم ضرورة تجنب المنظور الضيق، إذا أرادوا النجاح في تحقيق أهدافهم. فهذه القضية التي نحن بإزائها ليست مجرد قضية طبية".