أخبار

وسط ترحيب بالنهج العلمي المُتَّبع.. صدور التقرير الأمريكي حول منشأ «كوفيد»

التحقيقاتُ الاستخباراتية لم تحسم الجدل المُثار حول منشأ «كوفيد-19»، لكنها توصَّلت إلى أن فيروس «سارس-كوف-2» لم يُستخدم كسلاح، واستبعدَتْ احتمالية أن يكون الفيروس مُخلَّقًا.

إيمي ماكسمِن

  • Published online:
مديرة مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكية، أفريل هاينز، تُحذِّر من أن التحقيقات الخاصة بمنشأ «كوفيد»، والتي تستمر لمدة 90 يومًا، قد لا تُفضي إلى نتيجة حاسمة.

مديرة مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكية، أفريل هاينز، تُحذِّر من أن التحقيقات الخاصة بمنشأ «كوفيد»، والتي تستمر لمدة 90 يومًا، قد لا تُفضي إلى نتيجة حاسمة.

Credit: Graeme Jennings/UPI/Shutterstock

عندما انتقل أعضاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ووكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) إلى مدينة نيو أورليانز بولاية لويزيانا في شهر يوليو الماضي، ليناقشوا منشأ مرض «كوفيد-19» مع عالِم الفيروسات روبرت جيري، شعر الأخير بالارتياح إزاء ما أبدوه من عمق معرفتهم العلمية. يقول جيري: "لاحظتُ أنهم على درايةٍ واسعة حقًا، فمنهم حَمَلة الدكتوراه في البيولوجيا الجزيئية، وقد اطلعوا على جميع الأبحاث المتصلة بالموضوع اطلاعًا وافيًا".

جاءت هذه الزيارة في إطار التحقيقات التي أجراها مجتمع الاستخبارات الأمريكي على مدار 90 يومًا للوقوف على منشأ فيروس «سارس-كوف-2»؛ وهي التحقيقات التي أمر بإجرائها الرئيس الأمريكي جو بايدن في السادس والعشرين من مايو الماضي. لم يكن جيري، الذي يعمل بجامعة تولين الأمريكية، يعرف أيَّ مسارٍ ستتخذ التحقيقات السرية، شأنه في ذلك شأن كثيرٍ من الباحثين؛ كلُّ ما كان يعرفه أن اتباع النهج العلمي أمرٌ لا مناص منه. وفي حديثهم إليه، تناول المحققون بعض الدراسات، ومنها دراساته الخاصة.

تسلَّم بايدن تقرير التحقيقات السري في الرابع والعشرين من أغسطس الماضي، وأُعِدَّت منه نسخة غير سرّية، خرجت إلى الصُّحف بعد ذلك بثلاثة أيام (انظر: go.nature.com/38c0k1o). تتمثل النتيجةُ الأبرز، من بين النتائج التي اشتمل عليها التقرير، في أن التحقيقات لم تحسم القضية. فقد انقسمت أجهزة الاستخبارات حول ما إذا كانت الجائحة قد بدأت بفعل حادث تسرُّب فيروسي من أحد المختبرات، أم نتيجةً لاختلاطٍ بشريٍّ بحيوانٍ مصابٍ بالعدوى. أما النتيجةُ المعتبَرة الوحيدة التي أسفرت عنها التحقيقات، فهي أن فيروس «سارس-كوف-2» لم يُطوَّر بقصد استخدامه سلاحًا بيولوجيًا؛ وقد استبعدت معظم الأجهزة – بشيء من اليقين – أن يكون الفيروس قد جرى تخليقه بوسائل الهندسة الوراثية. وفي تصريحٍ صحفي، ذكر مجتمع الاستخبارات أنه بصدد إصدار مزيدٍ من التفاصيل في المستقبل القريب حول تلك التحقيقات.

أشار جيري إلى إن التقرير فاق جميع توقعاته، قائلًا: "استبعاد احتمالية أن يكون الفيروس مُخلَّقًا يُعد في حد ذاته إنجازًا كبيرًا". أما عدم توصل مجتمع الاستخبارات إلى كشف الغموض الذي يحيط بمنشأ الفيروس، فليس بالشيء الذي يثير دهشة جيري وغيره من الباحثين؛ ذلك أن التحقيقات المتعلقة بمنشأ الجوائح غالبًا ما تتَّسم بدرجة عالية من التعقيد. وقد حذَّرت أفريل هاينز، كبيرة مسؤولي الاستخبارات الحكومية الأمريكية، من هذه النتيجة في الثلاثين من يونيو الماضي، عندما ذكرَتْ – في مقابلةٍ مع موقع «ياهو نيوز» الإخباري – أنَّ بين أيدينا أدلةً قد تدعَم كلتا الفرضيتين. فقد كان أول إعلان عن ظهور مرض «كوفيد-19» في مدينة ووهان الصينية، حيث يعكف الباحثون بأحد المعاهد الرائدة على دراسة فيروسات كورونا؛ وهو ما جعل تسرُّب الفيروس من المختبر احتمالًا قائمًا. وعلى الجانب الآخر، من المعلوم أن معظم الأمراض المُعدية الناشئة إنما تبدأ بتسربٍ من الطبيعة، وهو ما يرجح كفة هذا السيناريو. وأوضحت هاينز أن مجتمع الاستخبارات يمكن أن يتعاون مع الخبراء، ومنهم العلماء الذين يعملون في المختبرات الوطنية، من أجل جمع البيانات، وتقييم المعلومات الحالية، ومحاولة النظر إلى الأمور بعين جديدة، وقالت: "أعتقد أن أفضل ما يمكنني فعله هو أن أعرض الحقائق متى توصلنا إليها".

استُقبلت هذه التحقيقات، التي تبدو محايدة، بترحيبٍ كبير في أوساط الباحثين، بعد مُضي أكثر من عام على تسييس قضية منشأ «كوفيد-19». يقول ستيفن موريسون، مدير سياسات الصحة العامة بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن: "مما يُثلج الصدر أن أرى أننا قد تحولنا إلى مناقشة القضية بدرجةٍ أكبر من الموضوعية". وفي الوقت نفسه، يتطلَّع الباحثون إلى أن يكشف مجتمع الاستخبارات الغطاء عن التفاصيل المتصلة بمجريات التحقيقات، آملين أن يُجرى المزيد منها، سواءٌ من جانب منظمة الصحة العالمية، أو على نحوٍ مستقلٍ عنها. يقول ديفيد ريلمان، عالِم الأحياء الدقيقة بجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا: "إنها مشكلة بالغة التعقيد، ولم يكن أحد ينتظر أن تُحَلَّ جميع خيوطها بحلول نهاية هذا الصيف".

"إنها مشكلة بالغة التعقيد، ولم يكن أحد ينتظر أن تُحَلَّ جميع خيوطها بحلول نهاية هذا الصيف".

الخبرة العلمية المُتخصِّصة

اهتمَّت الحكومة الأمريكية بالبحث في منشأ «كوفيد-19» منذ بدء الجائحة، غير أنَّ انقساماتٍ في الرأي وقعت فيما بين أجهزة الاستخبارات، بل وداخل الجهاز الواحد، حسبما أشارت تقارير صحفية نشرها موقع «بَزفيد» Buzzfeed، وغيره من المنصّات الإخبارية. فخلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، ارتأى وزير الخارجية آنذاك، مايك بومبيو، ومعه عدد من مسؤولي الوزارة، أن الحكومة الصينية تقف وراء تفشِّي هذا الفيروس، وأنه قد يكون سلاحًا بيولوجيًا. إلا أنَّ مجتمع الاستخبارات أصدر بيانًا في شهر أبريل من العام الماضي، جاء فيه أن "فيروس «سارس-كوف-2» ليس من صنع البشر، كما أنه ليس نتاجًا لعملية تعديلٍ جيني".

وفي شهر يونيو من العام الجاري، نشر كريستوفر فورد، أحد المسؤولين البارزين في وزارة الخارجية الأمريكية خلال إدارة ترامب، مقالًا على الموقع الإلكتروني «ميديَم» Medium، عبَّر فيه عن استيائه مما وصفها بالاستنتاجات المتسرِّعة التي تبنَّاها زملاؤه دون التشاور مع ذوي الخبرة من العلماء المختصين. ويحتوي المقال على رابطٍ لرسالةٍ أرسلها إلى زملائه عبر البريد الإلكتروني في الرابع من يناير، جاء فيها: "ماذا كان يمنعنا من الاستعانة بالخبراء: نخبة ممَّن يتوفَّرون على معرفة علمية بيولوجيَّة متخصصة... وإلمامٍ بهذه الأشياء المريبة التي تدّعون اكتشافها؟" وأضاف في رسالته: "نحن بحاجةٍ إلى التأكد من أن ما نقوله يستند إلى أدلةٍ علمية، ويرقى إلى مستوى المعايير التي يضعها الخبراء الحقيقيون، قبل المخاطرة بإحراج أنفسنا، وفقدان مصداقيتنا أمام الناس".

كلّف بايدن مجتمع الاستخبارات ببحث كلتا الفرضيتين المتعلقتين بأصل الفيروس (النشأة المَخبريَّة، والنشأة الطبيعية)، مع إشراك العلماء في التحقيقات التي يُجريها. ويكشف التقرير غير السرِّي، الذي يقع في صفحةٍ واحدة، أن مجلس الاستخبارات الوطني، ومعه أربع مجموعات استخباراتية، يرجحون الرأي القائل بأن «كوفيد-19» إنما نشأ عن إصابة شخصٍ إصابةً طبيعية بالفيروس، الذي انتقل إليه من حيوان. وذهبت مجموعة أخرى إلى الاعتقاد بأن الفيروس قد تسرَّب عَرَضًا من أحد المختبرات، مستنِدةً في جانبٍ من طرحها هذا إلى أن "التعامُل مع فيروسات كورونا ينطوي بطبيعته على مخاطرةٍ بالغة". أما المجموعات الثلاث الأخرى، فلم تحسم موقفها من هذه القضية. هذا، ولم يكشف التقرير عن هوية المجموعات الأربع، كما أشار إلى ضرورة توافر مزيدٍ من المعلومات. ومما ورد في التقرير أيضًا: "أكبر الظن أنَّ التوصُّل إلى تقييم حاسم حول منشأ «كوفيد-19» سوف يتطلب تعاونًا مع الجانب الصيني"، إلا أن بكين ترفض مشاركة المعلومات، حسبما جاء في التقرير.

لم يُفصَح بعدُ عن التفاصيل الأدق حول المسائل التي أخضعتها أجهزة الاستخبارات للتقييم. فوفقًا لمصدرٍ تحدَّث إلى شبكة «سي إن إن» الإخبارية، ورفض الإفصاح عن هويَّته، ركَّز جانبٌ من استقصاء مجتمع الاستخبارات على مجموعةٍ من التسلسلات الجينية لفيروسات مرتبطة بمعهد ووهان لأبحاث الفيروسات. لم يطّلع جيري على تلك البيانات، إلا أنه يتكهَّن بأن تكون هذه التسلسلات قد استُخلصت من نُظُم بيانات قائمة على تقنيات الحوسبة السحابية. فآلات تعيين التسلسل الجيني عادةً ما تُرسل كمًّا هائلًا من البيانات إلى السحابة الحاسوبية بصورة آليَّة، بحيث يمكن للباحثين الوصول إلى هذه البيانات وتحليلها عن بُعد. يقول جيري إن التقرير لم ينتهِ إلى نتيجة قاطعة؛ ما قد يشير إلى أن المحققين لم يعيِّنوا تسلسلًا لفيروس «سارس-كوف-2» يعود تاريخه إلى ما قبل ظهور أولى الحالات المسجَّلة لمرض «كوفيد-19»، أو تسلسلًا مشابهًا إلى الحد الذي يُوحِي بأن الباحثين ربما يكونون قد أدخلوا تعديلًا جينيًا على فيروس كان موجودًا بالفعل، لتخليق هذا الفيروس الذي يجتاح العالم حاليًا.

غير أن ريلمان يقول إنه ما لم تتوافر معلومات إضافية بشأن نوعية البيانات التي حصل عليها المحققون، والإجراءات المتَّبَعة في التحرِّي والاستقصاء، فسوف يكون من الصعب الخروج باستنتاجات حاسمة.

ماذا بعد؟

عقب نشر التقرير العام، في السابع والعشرين من أغسطس، أصدر الرئيس الأمريكي بيانًا جاء فيه أن الولايات المتحدة سوف تستمر في تعقُّب منشأ «كوفيد-19». وانتقد بايدن الصين لعدم تعاونها، وطالَب المسؤولين الصينيين بإظهار التعاون الكامل في المرحلة الثانية من التحقيقات، التي ستُجريها منظمة الصحة العالمية. وفي السادس عشر من يوليو الماضي، أعلن تيدروس أدحانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، متطلَّبات إجراء هذه الدراسة، التي ستتَّبع نهجًا استقصائيًا انتهت المنظمة من إعداده في مارس الماضي. ومن بين الدراسات التي اقترح غيبريسوس تنفيذها، دراسة الحيوانات الحية التي تُباع في أسواق ووهان، وإجراء تفتيش على أنشطة معهد ووهان لأبحاث الفيروسات.

وفي أعقاب ذلك، قال تسونج يوشين، نائب وزير لجنة الصحة الوطنية الصينية، في مؤتمرٍ صحفي، إن العلماء الصينيين كانوا يتعقبون بعض الخيوط التي وردت في تقرير مارس. وأبدى ترحيبه بالمرحلة الثانية من التحقيقات، التي تعتزم منظمة الصحة العالمية إجراءها، وتتضمن تتبُّع تاريخ أولى الحالات المسجَّلة لمرض «كوفيد-19»، كما وافق على إجراء دراساتٍ في العديد من البلدان على حيواناتٍ ربما تكون قد أدّت دور العائل الوسيط في نقل الفيروس من العائل الأصلي – وليكُن الخفاش – إلى البشر. غير أن تسونج رفض دعوة غيبريسوس إلى إجراء تفتيش على مختبر ووهان، قائلًا: "هذه الجزئية نقلَتْ إليَّ شعورًا بعدم احترام خطة المنظَّمة لأبسط قواعد المنطق، والاجتراء على العلم".

ومنذ ذلك الحين، نشرت منظمة الصحة إشعارًا دَعَت فيه العلماء المتخصصين في نحو 20 تخصصًا بحثيًا، تشمل أمن المختبرات وعلم الفيروسات، إلى التقدم للانضمام إلى لجنةٍ مختصة ببحث منشأ طيفٍ عريضٍ من العوامل المُمرِضة، بدءًا بفيروس «سارس-كوف-2» وصولًا إلى فيروس «إيبولا». هذه اللجنة، التي أُطلق عليها «المجموعة الاستشارية العلمية المعنية بمنشأ العوامل المُمرضة المُستجَدة»، يُفترَض بها تقديم المشورة في المرحلة الثانية من التحقيقات التي تهدف إلى تحرِّي منشأ «كوفيد-19»، وما قد يَتْبعُها من تحقيقات أخرى في المستقبل.

وقد رحّب كثير من الباحثين بخبر تشكيل لجنةٍ علمية دائمة، تُكرَّس جهودُها للتحقيقات التي تُجرى حول أصول الأمراض، قائلين إن اللجنة ستُساعد على إطلاق الدراسات المستقبلية في وقتٍ مبكر من عمر المرض، عندما يكون تأثير الأحداث الأولى لنوبة التفشّي الفيروسي لا يزال حاضرًا في الأجسام والعقول. إلا أن توماس بوليكي، مدير برنامج الصحة العامة بمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، يقول: "أعتقد أن لجنةً كهذه يحسُن بها أن تعمل خارج مظلة منظمة الصحة العالمية، كائتلافٍ للأكاديميات العلمية الوطنية".

ومتخذًا من مرض «كوفيد-19» مثالًا، أوضح بوليكي أن تحديد منشأ الجائحة يتطلب تعاونًا من الجانب الصيني. وفي ظل وضع كهذا، سيكون العلماء – من أصحاب المواقف المستقلة عن حكوماتهم بدرجةٍ أو بأخرى – أكثر استعدادًا للتعاون مع أقرانهم عبر الحدود. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن منظمة الصحة العالمية ليس بمقدورها إجبار أعضائها على فعل أي شيء، على حد قول بوليكي. فبالنظر إلى أن منظمة الصحة العالمية منظمة دولية، تقودها وتُمولها الدول الأعضاء (وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين)، فإنها غير مؤهَّلة لحل الخلافات الجيوسياسية التي قد تنشأ بين أعضائها.

وفي الوقت ذاته، من المُستبَعد أن يُبدي الجانب الصيني تجاوُبًا مع التحقيقات التي تُجريها أجهزة الاستخبارات الأمريكية؛ إذ يُنظَر إلى هذه التحقيقات على أنها تسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، وذلك بحسب تصريح أدلى به بوليكي، الذي أضاف قائلًا: "ببساطة، لن تَقبل الصين - ومعها بلدان أخرى كثيرة – النتائج التي تتمخَّض عنها هذه التحقيقات، وهذا من شأنه تقويض الهدف الذي من أجله تُجرَى التحقيقات التي تبحث في منشأ الفيروسات: وهو توفير درجةٍ أعلى من الأمان مستقبلًا".