عمود

ثلاثة أسئلة تساعدك على تصميم مقترَح بحثي محكم

استعدادك لمناقشة نقاط الضعف وأوجه القصور التي يمكن أن تشوب عملك البحثي، يدفع مموليه المحتملين إلى الثقة بك.  

جينيفر إل. ويلسون، وكريستال إم. بوثام

  • Published online:
إذا أردتَ أن تضمن قدر الإمكان الحصول على منحة بحثية، فعليك أن تتناول مسألتي الدقة العلمية وقابلية نتائج تجاربك للتكرار ضمن مُقترَحك البحثي.

إذا أردتَ أن تضمن قدر الإمكان الحصول على منحة بحثية، فعليك أن تتناول مسألتي الدقة العلمية وقابلية نتائج تجاربك للتكرار ضمن مُقترَحك البحثي. 

Credit: Getty

تشترط معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH)، منذ عام 2018، أن يوضح أي مُقترَح بحثي يُقدم إليها منهجيته لتحقيق الدقة العلمية. والمُراد من ذلك هو معرفة الأساليب التي ينوي الباحثون اتباعها، لضمان دقة البيانات، والحدّ من التحيز، وإثراء العِلم بأقصى قدر ممكن من الإسهامات المعرفية الجديدة. وقد وضعت مَعاهِد الصحة الوطنية سياستها تلك ضمن جهودها للتصدي للتحديات البحثية المرتبطة بمبدأي الشفافية العلمية، وقابلية نتائج التجارب للتكرار. وفي هذا السياق، أعربت جهات تمويل أبحاث أخرى عن نيتها الالتزام بتبني سياسات طويلة الأمد، تهدف إلى الارتقاء بجودة الممارسات البحثية في مجال العلوم. ومن أمثلة ذلك، خطوة أقدَمَت عليها الإدارة العامة للبحث والابتكار التابعة للمفوضية الأوروبية، وهي الهيئة المسؤولة عن سياسة البحث والابتكار في الاتحاد الأوروبي، وذلك بأن أصدرت في عام 2020 مجموعة توجيهات تهدف إلى تحسين معدلات الحصول على نتائج تجارب بحثية قابلة للتكرار. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التعقيد ليس شرطًا لصوغ المقاربة التي اختارها الباحث بهدف إجراء بحث محكم. وبوصفنا عضوتين في أكاديمية التدريب على كتابة طلبات المِنَح، التابعة لجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا الأمريكية، نتعاون عن كثب مع علماء أمعنوا بالفعل التفكير في مدى جودة ما يتبنونه من ممارسات بحثية، ويملكون رغبة في مناقشة مسألة الدقة العلمية ضمن طلبات المِنَح التي يقدمونها إلى الهيئات المختصة. ومن هذا المنطلق، تُركز خطتنا التدريبية على طرح أسئلة بسيطة، تساعد هؤلاء العلماء على تقديم شرح وافٍ لما ينوون اتخاذه من إجراءات تضمن تحقيق الدقة العلمية في طلب المنح البحثية. 

على سبيل المثال، تضمَّن أحد المُقترحات البحثية التي راجعناها مؤخرًا جملة تقول: "في هذه الدراسة، نعتزم استخدام نموذج دراسة قائم على فئران تتم إصابتها بالسكتة الدماغية، وتتلقى جرعة علاجية يومية من مُركَّبنا الجديد لمدة ثلاثة أسابيع".

ونظرًا إلى أننا اختصاصيو تدريب على كتابة المنح، ولا نملك خلفية متخصصة تسمح لنا بمعرفة الفكرة من وراء نموذج الدراسة المقترح، فقد أمطَرْنا الكاتب بوابل من الأسئلة، أردنا من خلالها معرفة المزيد من التفاصيل، من قبيل: "لماذا تستخدم نموذج الفئران هذا بالتحديد؟"، و"ما السبب في أن الجرعة المعطاة للفئران يومية؟". وتَبيَّن بعد ذلك أن استخدام هذا النموذج من الفئران، وهذا النظام لتلقي الجرعات، هما من بين الإجراءات المعتادة التي يعتمدها المُختبَر الذي تُجرى فيه الدراسة، فضلًا عن أن المُختبَر نفسه قد نَشَر دراسة أظهرت أهمية استخدام هذا النموذج من الفئران لتتبُّع آثار السكتة الدماغية التي يهتم المُختبَر بدراستها.

ومن ثم، حث فريقنا الكاتبَ على أن يكون أكثر تحديدًا فيما يكتبه، وأن يوضح دور المقاربة البحثية التي ينوي تطبيقها في الحدّ من التحيزات التي قد تنتج عن اختياره للفئران كنموذج أحيائي. وقد عدَّل الكاتب الجملة لتصبح كالآتي: “نعتزم استخدام فئران تتم إصابتها بالسكتة الدماغية كنموذج دراسة، بهدف اختبار تأثير مُركبَّات علاجية جديدة، وهو نموذج دراسة، أثبتنا نحن وفِرَق بحثية أخرى أهميته لفهم آثار السكتة الدماغية [وهنا تُضاف المراجع]».

وهذه الجملة تحقق نجاحًا أكبر من سابقتها في توصيل الرسالة، لأنها تبيِّن بوضوح أن اختيارات واضع الدراسة للتجربة هي الأنسب للإجابة عن الأسئلة البحثية التي يهتم بالبحث فيها، كما تُظهر أن هذه الخيارات البحثية ستساعده في التَوصُّل إلى معلومات جديدة عن هذه الحالة المرضية.

وقد وضعنا إطارًا لصياغة المُقترَحات البحثية، يتألف من ثلاثة أسئلة، ويهدف إلى مساعدة العلماء على صوغ خياراتهم البحثية بصورة أفضل؛ إذ نوجه كاتبي المقترحات البحثية ضمن خطتنا التدريبية إلى شرح خياراتهم التجريبية، من خلال مواجهة أنفسهم بأسئلة تصطدم مباشرة مع أوجه القصور في مُقترَحاتهم البحثية. وهذه الأسئلة هي:

1. ما أهم نقاط الضعف أو أوجه القصور التي تشوب بحثك العلمي؟ ينطلق هذا السؤال من حقيقة أنه ما من منهجية علمية تخلو من أوجه القصور، وغالبًا ما تكون أوجه القصور هذه مرتبطة بطريقة البحث العلمي، أو بمُعضِلة في مجال الدراسة دون غيره من التخصصات.

2. ما المنهجيات العلمية التي تنوي تطبيقها، إنْ لم تكن قد بدأت تطبيقها بالفعل، لمعالجة أوجه القصور تلك؟ ومن المحتمل أن تكون هذه المنهجيات طرق قياسية لدى مجموعة البحث التي تعمل ضمنها، لكن من المهم أن توضح ذلك لمُراجع المقترح البحثي. 

3. ما الذي يجعل هذه الطرق مُلائِمة لدراستك؟ وهنا عليك أن تعلل لخياراتك، مؤكدًا على أن الباحثين في مجالك قد اختبروا مدى فعالية تطبيق تلك الطرق، أو اعتمدوا تطبيقها بالفعل، كوسيلة للتغلب على أوجه القصور التي سبق توضيحها. 

"يوفر هذا الإطار الذي وضعناه طريقة من بين عدة طرق لتحديد أولويات عملية البحث العلمي، ومعالجة ما قد يشوبها من أوجه قصور تَحُول دون تكرار نتائج البحث العلمي". 

وبالعودة إلى مثال المقترَح البحثي الذي يطرح استخدام الفئران كنموذج دراسة، نلاحظ أن أحد أوجه القصور في منهجية البحث العلمي المقترحة يرتبط بما إذا كان اختبار هذه المركبات على نموذج من فئران تتم إصابتها بالسكتة الدماغية يحاكي تطور السكتة الدماغية عند البشر بما يكفي، أم لا (وهذه الفكرة ترتبط بالسؤال الأول). إلا أن استخدام نموذج الفئران المقترَح يعالج هذا القصور (وهنا تكمن الإجابة عن السؤال الثاني). وفضلًا عن ذلك، فإن إشارة المؤلف في مصادره إلى أبحاث سابقة خضعت لمراجعة الأقران، يبرر اختياره للنموذج (وهكذا يجيب الكاتب عن السؤال الثالث). من ثم، فإن النسخة النهائية التي تَوَلَّينا مراجعتها من المقترح البحثي توضح صلة النموذج الحيواني بالمنهجية البحثية المقترحة، وتورد ضمن مصادرها بيانات منشورة تدعم هذه الفكرة.      

خلال مشوارنا في مجال التدريب على كتابة طلبات المِنَح، وجدنا أن مناقشة الدقة العلمية في المقترح البحثي غالبًا ما تتطلب صياغات دقيقة ومحددة. على سبيل المثال، ننصح كاتب المقترح البحثي بأن يحذف جملًا على غرار: "نعتزم استخدام مقاربتنا الجديدة في التنبؤ بآثار الدواء"، وأن يعيد كتابتها بصيغة أدق يقول فيها بدلًا من ذلك: "نعتزم قياس تأثير مقاربتنا المستحدثة، مسترشدين بمجموعة بيانات تاريخية مرجعية مُتعارَف عليها في المجال البحثي، من خلال مقارنة آثار الدواء بتلك المعروفة سابقًا، قبل أن نبدأ توقُّع آثاره الجديدة". فتطبيق منهج بحثي جديد يمكن أن يُفضي إلى نتائج يشوبها التحيز، ولكن تقييم هذا المنهج البحثي، قياسًا على مجموعة يُعتد بها من البيانات عن الآثار الدوائية المعروفة، يبرهن على ملاءمة هذا المنهج البحثي لفَهْم الآثار الدوائية الجديدة.

وضعت جينيفر إل. ويلسون، وكريستال إم. بوثام إطارًا لصياغة المُقترَحات البحثية التي يتقدم أصحابها بطلبات للحصول على مِنَح.

وضعت جينيفر إل. ويلسون، وكريستال إم. بوثام إطارًا لصياغة المُقترَحات البحثية التي يتقدم أصحابها بطلبات للحصول على مِنَح. 

Credit: Jennifer Brophy

على سبيل المثال أيضًا، نجد أن جملة مثل: "نعتزم تقييم آثار العلاج من خلال المقارنة بين سرعة التئام جرحين، أحدهما خضع للعلاج في القدم اليمنى، والآخر لم يخضع للعلاج نفسه في القدم اليسرى" في حاجة إلى أن تسبقها جملة تمهيدية تقول: "أثبتنا في دراسة سابقة أن معدلات سرعة التئام الجروح تختلف بين حيوان وآخر، وهو ما يجعل من الصعب المقارنة بينها [وهنا تُضاف المراجع]. ولذا، سنُحدِث جرحين لدى الحيوان نفسه، ونستخدم العلاج على جرح واحد فقط من بينهما". وهذا الشرح بهذه الصيغة يساعد المُراجِع في تقدير مدى براعة الكاتب في تقييم أثر العلاج، دون الوقوع في خطأ ظهور تحيز في النتائج على خلفية التباين في سرعة التئام الجروح لدى الحيوانات المختلفة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مناقشة الدقة العلمية في المقترحات البحثية غالبًا ما لا تتعلق بأسباب العدول عن خيارات علمية محددة، أو عن تصميم عام بعينه للمشروع البحثي بقدر ما تتعلق بشرح الدور الذي تلعبه الخيارات التي عمد إليها الباحث في التصميم التجريبي للدراسة من أجل معالجة أوجه القصور التي يمكن أن تمنع الباحث من الإجابة عن سؤاله، أو تَحدّ من كَمّ المعلومات التي يستطيع أن يستمدها من تجربته.

إن شرح أسباب الخيارات العلمية يتطلب من الباحث الحرص على التدرب على كتابة مقترحه البحثي، كي تتحقق عنده قوة التعبير، والقدرة على الإقناع. وعلى طالب المنحة أن يكون مدركًا لأوجه القصور التي تشوب دراسته من الناحية العملية، وألا يتخوف من الإفصاح عنها. ففي المثال الذي ورد آنفًا في المقال، كان قرار اختيار الفئران كنموذج دراسة قرارًا يؤكد تحري الباحث للدقة العلمية، إلا أن شخصًا غير مطَّلع على الأبحاث الصادرة عن ذلك المختبر، مثل مُراجِع طلب المنحة، قد لا يفهم الحكمة من قرار كاتب الطلب، ما لم يحرص الأخير على شرح أسبابه بدقة. وفي حال نمذجة السكتة الدماغية، فإن اختيار الفئران كنموذج للدراسة هو قرار مُوفَّق، يعزز جودة العملية البحثية، ولكن قد يكون كاتب المقترح البحثي – كما في هذا المثال – قد سلم بأنه كذلك، لأن جميع مَن يشاركونه العمل في مختبره يستخدمون هذا النموذج. ومن هنا، كان توضيح السبب وراء قرار المُختبَر استخدام ذلك النموذج في دراسة السكتة الدماغية عنصرًا قد يساعد الباحث في شرح خياراته بصورة أفضل لمراجع مِنح ليس على دراية كاملة بأفضل الممارسات من منظور ذلك المختبر.

وفي كثير من الأحيان، يصعب تحديد الخيارات البحثية التي يلزم تفسيرها للمُراجِع. وفي هذا الصدد، نوصي بالاطلاع على الأبحاث والمحاضرات المنشورة في مجال الدراسة، لفَهْم أوجه القصور المحتملة، ومعرفة كيفية معالجتها. صحيح أن المؤلف قد يشعر بصعوبة معالجة كافة أوجه القصور البحثية التي يُحتمل أن تشوب مقترحه البحثي، إلا أن الحل دائمًا سيبدأ من التحقق من متطلبات النشر التي تفرضها الدوريات العلمية بخصوص شفافية التجارب، وقابلية نتائجها للتكرار. وسنجد أن كثيرًا من الدوريات العلمية يضع اشتراطات معينة تتعلق بالإفادة بالبروتوكولات البحثية المتبعة، واستخدام العينات البيولوجية، وتوفير كود التحليل، وتفاصيل فنية أخرى. وقد وضعت الدوريات هذه الاشتراطات بهدف التغلب على التحديات المرتبطة بقابلية النتائج للتكرار، والشفافية، مع مراعاة الطبيعة الخاصة لكل مجال. وينبغي للباحث كذلك أن ينتبه إلى الطريقة التي يشرح بها الباحثون الآخرون خياراتهم البحثية، كما ينبغي له أن يعي أنه لا يتعين عليه المغالاة في إيضاح أسبابه إلى حد شرح ما إذا كانت التجربة تحتاج إلى مجموعة مقارنة، أم لا (مع العلم أن جميع التجارب الجيدة، تقريبًا، تتضمن مجموعة مقارنة واحدة على الأقل)، وإنما عليه، على الأرجح، أن يشرح سبب ملاءمة مجموعة المقارنة للإجابة عن السؤال البحثي الذي تطرحه الدراسة.

إن اكتساب هذه الدراية ليس عملية تحدث بين عشية وضحاها؛ فتطوير الدراية بأوجه القصور التي تشوب أحد المجالات العلمية هو عملية دائمة، كما أن تقييم الطريقة التي يعلل بها الآخرون لقراراتهم فيما يتصل بتحقيق الدقة العلمية من شأنه أن يعزز معرفة الباحثين بكيفية اتخاذ مثل هذا القرارات. ويوفر هذا الإطار الذي وضعناه طريقة من بين عدة طرق لتحديد أولويات عملية البحث العلمي، ومعالجة ما قد يشوبها من أوجه قصور تَحُول دون تكرار نتائج البحث العلمي، وتحقُّق الشفافية فيه. ولذا، فإننا نشجع كُتاب طلبات المِنَح على أن يطلبوا تقييم عملهم البحثي من أقران من خارج مجموعاتهم البحثية في ضوء ذلك الإطار المُكوَّن من الأسئلة الثلاثة. ففي كثير من الأحيان، يمكن لشخص من خارج مجموعة العمل أن يرى خيارات الكاتب من منظور مختلف، وهي خيارات قد يكون الكاتب قد سَلَّم بصحتها، أو فشل في تناولها بشكل صريح من الأصل.

ونرى أن تطوير الدراية بالممارسات المتعلقة بالدقة العلمية في أثناء كتابة المُقترَحات البحثية سيعزز على مدار المشروع البحثي مستوى التفكير المُحكم علميًّا.

جينيفر إل. ويلسون هي أستاذ مساعد في قسم الهندسة الحيوية بجامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجيليس الأمريكية. أما كريستال إم. بوثام، فتدير أكاديمية تابعة لجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، تهدف إلى التدريب على كتابة طلبات المِنَح في مجال العلوم البيولوجية.