كتب وفنون

الشركات الناشئة وحُلم الطاقة الاندماجية

السباق من أجل خفض الانبعاثات الكربونية يُنعش حُلم توليد طاقة نظيفة بطريقة تحاكي الطريقة التي تتولَّد بها طاقة الشمس. 

ميلاني ويندريدج

  • Published online:
شركة «فيرست لايت فيوجن» تُطلق مقذوفات باتجاه هدف اندماجي، بسرعة 15 كيلومترًا في الثانية.

شركة «فيرست لايت فيوجن» تُطلق مقذوفات باتجاه هدف اندماجي، بسرعة 15 كيلومترًا في الثانية.

Credit: First Light Fusion

«بُناة النجوم: الاندماج النووي والسباق من أجل إمداد الكوكب بالطاقة» The Star Builders: Nuclear Fusion and the Race to Power the Planet

آرثر توريل، دار نشر «سكريبنر» Scribner (2021)

في سبيل مساعدة العالَم على الوصول بصافي الانبعاثات الكربونية إلى مستوى الصفر بحلول عام 2050، يراهن نِك هوكر على الدور الذي قد يلعبه الاندماج النووي. وبصفته شريكًا في تأسيس شركة «فيرست لايت فيوجن» First Light Fusion الناشئة، يقول: "سوف يتعيَّن علينا بناء العديد من محطات توليد الطاقة القائمة على الاندماج النووي في أربعينيات القرن الحالي، وهذا يتطلَّب بناء أول محطة من هذا النوع في الثلاثينيات من القرن نفسه، وهو ما يعني، بدوره، ضرورة حل الإشكالية الفيزيائية [المتصلة بهذه المحطات] خلال العِقد الراهن". هذا الضغط، الذي تفرضه التحديات التي يشير إليها هوكر، هو موضوع الكتاب المُعنوَن: «بُناة النجوم» The Star Builders، الذي يستعرض محاولات تسخير ظاهرة الاندماج النووي، التي تستمد منها الشمس وقودها، في توليد كَمٍّ غير محدودٍ تقريبًا من الطاقة.

على مدى عقود، اتخذت رحلة السعي إلى توليد الطاقة عن طريق الاندماج النووي مسارين مُموَّلين حكوميًا، تمخَّضا عن مشروعين ضخمين، هما: «مُنشأة الإشعال الوطنية الأمريكية»، التي يُشار إليها بالاسم المختصَر: «إن آي إف» NIF، ومُفاعل «إيتَر» ITER، وهو مفاعل حراري نووي تجريبي، يَجري إنشاؤه في فرنسا في إطار تعاون دولي. وقد تتبَّع دانييل كليري، في كتابه: «قطعة من الشمس» A Piece of the Sun، الصادر في عام 2013، تاريخ هذين المشروعين بالتفصيل. حينئذٍ، كان هناك عدد من الشركات الناشئة المتخصصة في مجال الاندماج النووي، لكنها لم تكُن تؤخَذ على مَحمل الجد.

غير أن الزمن قد تغيَّر، وتغيَّرت معه التقنيات المتاحة، وطبيعة المخاطر المرتبطة بها. وفي ظل ما نشهده اليوم من فيضانات وحرائق لم يكَد يَسلَم من تأثيرها أحد، بسبب ارتفاع درجات الحرارة على الصعيد العالمي، أصبحت الحاجة إلى إنتاج الطاقة الخالية من الانبعاثات مُلِحَّة أكثر من أي وقتٍ مضى. وفي كتاب «بُناة النجوم»، الذي بين أيدينا، يُلقي المؤلِّف آرثر توريل نظرةً فاحصة على عدد من الشركات، من بين نحو 25 شركة قطاعٍ خاص تدفع باتجاه تبنِّي خيار الطاقة الاندماجية في الأغراض التجارية، ويعمد إلى تقييمها، جنبًا إلى جنب مع المشاريع الحكومية. يتناول توريل نماذج يُبيِّن من خلالها الدور الذي تلعبه تلك الشركات الخاصة في إعادة تنشيط المجال، بما تطرحه من أفكار مختلفة، وأدوات جديدة، مع عدم إغفال البُعد الاقتصادي. ومن بين تلك النماذج التي يسُوقها توريل في كتابه، شركة «فيرست لايت فيوجن»، التابعة لجامعة أكسفورد، ومقرها قرية يارنتون بالمملكة المتحدة، وهي المشهورة بإطلاقها قذيفةً من مدفع كهرومغناطيسي لتنفجر عند اصطدامها بالهدف، وشركة «جنيرال فيوجن» General Fusion، المدعومة من جانب رجُل الأعمال الأمريكي الشهير جيف بيزوس، ومقرها مدينة برنابي الكندية، وقد اشتُهرت هذه الشركة باستخدام المكابس في ضغط البلازما الممغنَطة.

يتخصص توريل في مجال فيزياء البلازما، ويعمل حاليًا عالِم بيانات لدى مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، وبنك إنجلترا. (وعلى سبيل المكاشفة الكاملة، لا بد من توضيح أنني تزاملتُ والمؤلفَ في مرحلة الدكتوراه، إذ حصلنا على الدرجة من جامعة إمبريال كوليدج في لندن في نفس الوقت تقريبًا، وأن اسمي ورد ضمن كلمة الشكر التي صدَّر بها كتابه). ويمكن النظر إلى الكتاب على أنه مقدمة واضحة وشيِّقة، تعرض للجوانب التاريخية والفيزيائية والاقتصادية ذات الصلة بعملية توليد الطاقة عن طريق دمج نوى ذرات الضوء لإنتاج نوى أثقل. ويرى المؤلِّف أن "المستثمرين يراهنون على إمكانية نجاح الشركات الخاصة في تحقيق ما عجزَت عنه الحكومات". والحق أنني أتحفَّظ – بعضَ التحفُّظ – على هذه الطريقة في تصوير القضية، إلا أنني سوف أعود لاحقًا للحديث عنها بمزيد من التفصيل.

شغفٌ وخبرة

إذَن، من هم المشاركون في التحدي، الذين يُشير إليهم المؤلِّف ببُناة النجوم؟ نلتقي في ثنايا الكتاب برائد الفضاء السابق جيف ويسوف، المسؤول حاليًا عن التشغيل الآمن لمُنشأة الإشعال الوطنية في مدينة ليفَرمور بولاية كاليفورنيا الأمريكية. ويشرح لنا جوناثان كارلِنج ما دفعه إلى ترك عمله مهندسًا لدى شركة السيارات الفارهة «رولز رويس»، ليصبح الرئيس التنفيذي لشركة «توكاماك إينرجي» Tokamak Energy، الكائنة في منطقة ميلتون بارك التجارية بالمملكة المتحدة (مع العِلم أنه لم يعُد يعمل هناك). يُذكِّرنا شغف أولئك الأشخاص، وخبراتهم، بأن هناك عوامل اجتماعية وسياسية تؤثِّر على السرعة التي يمكن أن يتقدَّم بها هذا المجال، تُضاف إلى العوامل التقنية والعِلمية المعتادة.

يُورِد الكتاب إحصاءات صادمة، تُبرِز حجم مشكلة الطاقة التي يواجهها العالم؛ إذ لا يزال الوقود الأحفوري هو المصدر الذي يتولد منه ما يقرب من 86% من الطاقة على مستوى العالم. ويُعتقد أن تلوث الهواء يساهم في وفاة 8.8 مليون شخص على مستوى العالم كل عام، في الوقت الذي لم تشهد فيه الأرض هذا الحد من ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون منذ ما لا يقل عن 800 ألف عام. وفي هذا الصدد، ينقل توريل عن إيان تشابمان، الرئيس التنفيذي لهيئة الطاقة الذرية البريطانية، قوله إنه، بحلول عام 2050، "سنحتاج إلى زيادة الطاقة بمقدار نصف كَمِّ الطاقة التي نستهلكها الآن". ومن هنا، فربما تشتدُّ الحاجة إلى الاندماج النووي ليُسهم في سد تلك الحاجة، ولكن لم يسبق الوصول بهذا النوع من التفاعلات إلى المرحلة الحاسمة، المُتمثِّلة فيما يُعرَف بنقطة التعادل، وهي النقطة التي تصل عندها الطاقة المنبعثة من تفاعل الاندماج إلى الحد الكافي لتعويض الطاقة الهائلة اللازمة لإحداث هذا التفاعل، الذي يتطلب حرارةً تقدَّر بملايين الدرجات المئوية.

شركة «جنرال فيوجن» في كندا تستخدم مكابس تعمل بالبخار لضغط البلازما وصولًا إلى حد الانصهار.

شركة «جنرال فيوجن» في كندا تستخدم مكابس تعمل بالبخار لضغط البلازما وصولًا إلى حد الانصهار. 

Credit: General Fusion

يزخر الكتاب بالمقارنات والتشبيهات التي تُضفي عليه شيئًا من الحيوية. على سبيل المثال، يُعدُّ النقاء شرطًا لازمًا، يجب توافره في البلازما الساخنة لذرات الديوتيريوم والتريتيوم في جهاز «توكاماك»، وهو الجهاز المصمَّم على شكل حلقة مغناطيسية يبلغ وزنها عدة أطنان، ويُعدُّ أكثر الأدوات تقدمًا لاحتواء تفاعلات الاندماج التي تجري في بيئة خاضعة للتحكم. وفي معرض الحديث عن درجة النقاء المطلوبة، يقول توريل إن عملية غربلة سائر الجسيمات الأخرى أقرب ما تكون إلى "غربلة مجرة درب التبانة، بحيث لا يبقى فيها سوى نجم واحد". ويسوق المؤلِّف أيضًا مثال الركاب المكدَّسين في عربة قطار أثناء ساعة الذروة (مشهدٌ مألوف، أليس ذلك؟)، لتوضيح أثر زيادة كثافة البلازما. أما أشعة الانكباح (Bremsstrahlung)، التي يُقصَد بها الإشعاع المُنبعِث من جسيم مشحون لدى انحرافه عن جسيم آخر، فيشبِّهها توريل بالموجة إذ ترتفع عند انعطاف زورق سريع.

ومع ذلك، فإن الانطلاق في عرض هذه القضية من زاوية المقابَلة بين القطاع العام والقطاع الخاص ينطوي على تبسيط مُخِلّ. جاء في الكتاب، على سبيل المثال، أن الشركات الناشئة "تطرح استثمار ملايين الدولارات، وفي جعبتها أفكار جامحة، لإنجاز ما عجزت عن تحقيقه مليارات الدولارات، وعشرات السنين من البحث العلمي". والواقع أن عمل تلك الشركات إنما ينطلق من أسسٍ وضعَتْها المختبرات الوطنية، والبحوث الجامعية.

شراكات شُجاعة

إن تطوير التقنيات اللازمة لإنشاء محطة لتوليد الطاقة عن طريق الاندماج النووي، وتحقيق التكامُل فيما بينها، مع بلوغ درجةٍ مقبولة من الكفاءة التشغيلية والجدوى الاقتصادية – كلُّ هذا يفوق القدرة المنفردة لأي شركة خاصة أو مختبر عام في الوقت الراهن. ولما كان الأمر كذلك، فلعلَّ الخطوة التالية على هذا الطريق ستكون في اتجاه تدشين شراكات بين القطاعين العام والخاص، على غرار تلك التي دشَّنتها وكالة «ناسا» مع شركتَي «سبيس إكس» SpaceX و«أوربيتال ساينسز» Orbital Sciences، بهدف إطلاق برنامج للرحلات الخاصة إلى محطة الفضاء الدولية؛ حيث تتقاسم الجهات العامة والخاصة في هذا السيناريو التكلفة والمخاطر على حدٍّ سواء.

بعد عشرات السنين من الاستثمار في البرامج التعاونية (على نحو ما رأينا في مُفاعِل «إيتر»، و«مُنشأة الإشعال الوطنية»، ومختبر «الحلقة النجمية الأوروبية المشتركة» Joint European Torus، ومقرُّه مدينة أوكسفوردشير بالمملكة المتحدة، ضمن برامج أخرى في فيزياء البلازما، وفيزياء الطاقة العالية)، كانت ثمرة هذه الاستثمارات الارتقاء بعلوم الاندماج النووي إلى المرحلة التي أصبحت الشركات الناشئة عندها قادرةً على تسويق أفكارها وتقنياتها الجديدة. واليوم، بينما تقدم الحكومات برامج لتحفيز القطاعين العام والخاص على التعاون معًا، يطفو على السطح سؤالٌ بشأن أفضل السُبُل الخليقة بإنجاح هذه الشراكات، وضمان ازدهارها.

بُناة النجوم بطبيعتهم متفائلون، ولا غِنى لهم عن التفاؤل في ظل وعورة الطريق الذي يخوضون فيه بكل شَجاعة. غير أن هذا التفاؤل قادهم إلى طرح جداول زمنية تفتقر إلى الواقعية، وإعطاء وعود عصيَّة على التحقُّق، فكان من أثر ذلك أن عُرقلَت مسيرة الاندماج النووي منذ خمسينيات القرن الماضي. حبَّذا لو كانت تلك الجداول والوعود قد خضعت لمزيدٍ من النقاش. وثمة أسئلة تبقى بلا إجابة حتى الآن، من قبيل: كم ستكون تكلفة طاقة الاندماج النووي؟ وكم بقي من الوقت حتى يمكننا الاستفادة من هذه الطاقة في منازلنا؟ على أنه يمكن التماس العذر للمستثمرين، والحكومات، وشركات المرافق العامة، وعامة الناس في طلبهم الحصول على إجابات، كما يمكن التماس العذر للعلماء في سعيهم إلى توفير تلك الإجابات.

ولنا أن نتفكَّر في مَخاطِر الاندماج النووي، ونُدير حولها النقاش، بدءًا من احتمال تسبُّب الأخذ بخيار الاندماج النووي في انتشار الأسلحة، أو الانصهار النووي (وهو احتمالٌ مستبعَد، وإن لم يكن مستحيلًا)، وصولًا إلى المخاطر الحقيقية، ومنها ما يتعلَّق بالنشاط الإشعاعي الذي يصدُر عن النيوترونات عالية الطاقة. وفي هذا الصدد، يَعقد توريل مقارنة موضوعية بين عدد الوفيات التي قد تنجُم عن تلك المخاطر المحتمَلة، وأعداد الوفيات لكل إكساجول من الطاقة المُتولِّدة من المصادر المتاحة حاليًا، مثل الوقود الأحفوري، والطاقة المتجددة، والانشطار النووي. ومن هذه المقارنة، يتبيَّن أن الاندماج النووي يوفِّر مستوًى من الأمان يفُوق بقية المصادر.

وأخيرًا، يمكن القول بأن كتاب «بُناة النجوم» يطرح رؤية واقعية وإيجابية؛ حيث يتيح للقارئ فرصة شيِّقة للاطلاع على الوضع الراهن، واللاعبين الذين يتصدرون مشهد الاندماج النووي. ولا يتوقَّف توريل عند تقصِّي التحدي المتمثل في تأمين الطاقة النظيفة للاستخدامات الأرضية (ولو فعل لكفاه!)، وإنما يذهب بخيالنا إلى ما هو أبعد من ذلك: إمكانية الاستفادة من الاندماج النووي في توفير الطاقة اللازمة للرحلات الفضائية. نعم، هكذا يُرينا توريل في كتابه كيف أن الإنسانية في حالة تَطلُّع دائم.

ميلاني ويندريدج مديرة «جمعية صناعات الاندماج» Fusion Industry Association في المملكة المتحدة، وُمؤسِّسَة شركة «فيوجن إنيرجي إنسايتس» Fusion Energy Insights، ومقرها لندن.

البريد الإلكتروني: melanie@fusionindustryassociation.org

أقرَّت الكاتِبة بوجود تضارب في المصالح المالية. لمزيد من التفاصيل، انظر: go.nature.com/3ayhx8k.