أنباء وآراء

آليات تؤسس لشيخوخة الهيكل العظمي في الخلايا الجذعية

يكتنف الغموض الآلية التي تسهم بها الشيخوخة في فقدان العظام لكثافتها، بيد أن دراسة حديثة بينت أنه في الفئران الشائخة تفقد الخلايا الجذعية الهيكلية قدرتها على توليد الخلايا المكوِّنة للعظم، التي تُعرف باسم الخلايا البانية للعظم، وتحفِّز - بدلًا من ذلك - توليد خلايا تؤدي إلى ارتشاف العظم، تسمى الخلايا الآكلة للعظم. 

ماثيو بي. جرينبلات، وشاوون ديبناث
  • Published online:

تُعَد الشيخوخة مسببًا رئيسًا لنقص كتلة العظام، وهشاشة الهيكل العظمي. ويُعَد نقص كثافة العظام، الذي يحدث مع تقدُّم العمر، انعكاسًا لكثير من التأثيرات المتضافرة التي تُحْدِثها عمليات جزيئية وخلوية. ومن ثم، كان أصعب في فهمه من الصورة الميكانيكية المختلفة لنقص كثافة العظم المرتبط بهبوط مستوى هرمون الأستروجين في النساء بعد انقطاع الطمث1-3. من جهة أخرى، فإن دراسة آلية تأثير الشيخوخة على خلايا الهيكل العظمي باتت أسهل بفضل الفهم العميق الذي تَشَكَّل لدى العلماء فيما يخص هوية الخلايا الجذعية الهيكلية (SSCs)، وغيرها من مجموعات الخلايا السلفية القريبة منها سلاليًّا، التي تنتج خلايا مكوِّنة للعظم (تُسمى الخلايا البانية للعظم)4،5. وفي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، يبين توماس أمبروزي وفريقه البحثي6 كيف تتغير وظائف الخلايا الجذعية الهيكلية مع تَقدُّم العمر، لتسهم في نقص كثافة العظام، وحدوث قصور في عملية تجدد الهيكل العظمي.

لتمييز أثر التغيرات الفطرية المستحثة بالشيخوخة في هذه الخلايا عن أثر التغيرات التي تنتج عن البيئة المحيطة، عمد أمبروزي وفريقه البحثي إلى عزل خلايا جذعية هيكلية من عظام فئران شابة (في عمر شهرين)، وعظام فئران شائخة (في عمر أربعة وعشرين شهرًا)، وزرعوها داخل فئران شابة، فكونت الخلايا المستزرَعة كتلًا صغيرة من النسيج العظمي. وكشفت هذه المقاربة عن وجود اختلافين جوهريين بين الخلايا الجذعية الهيكلية الشائخة، ونظيرتها الشابة (انظر الشكل 1أ، ب). أولهما هو أن كتلة العظم التي أنتجتها الخلايا الجذعية الهيكلية الشائخة كانت أصغر كثيرًا من تلك التي أنتجتها الخلايا الجذعية الهيكلية الشابة. أما الاختلاف الثاني، فهو أن الخلايا الشائخة كانت أقدر على تعزيز عملية تكوين الخلايا الآكِلة للعظم، وهو نوع من الخلايا يُنتَج في الدم، مسؤول عن الارتشاف العظمي. وعليه، فإن التقدم في العمر يحدّ من قدرة الخلايا الجذعية الهيكلية على الإبقاء على توازن صحي بين عمليتَي بناء العظم، وهدمه.

شكل 1. تأثيرات الشيخوخة على الخلايا الجذعية الهيكلية (SSCs). أ) تعمل الخلايا الجذعية الهيكلية كمصدر خلوي ينتِج خلايا مكوِّنة للعظام، تُعرف باسم الخلايا البانِيَة للعظم. وقدرة هذا المصدر على توليد الخلايا البانِيَة للعظم هي من العوامل التي تحسم سير عملية تخليق العظام بوجه عام، ومقاومة الهيكل العظمي للكسور. ب) أوضح توماس أمبروزي وفريقه البحثي في دراستهم التي أجروها على فئران6، أنه مع تقدُّم العمر تصبح الخلايا الجذعية الهيكلية أقل قدرة على توليد الخلايا البانِيَة للعظم. كما تنتج الخلايا الجذعية الهيكلية الشائخة مستويات مرتفعة من بروتين يُسمَّى CSF1، وهو بروتين قابل للذوبان، يسهم في توليد الخلايا المعروفة باسم الخلايا الآكلة للعظم، المسؤولة عن الارتشاف العظمي. وتؤدي هذه التأثيرات مجتمعةً إلى الإخلال بالتوازن المعتاد بين عمليتَي تكوين العظم، وارتشافه، ومن ثم تسهم في نقص كثافة العظم المصاحب للشيخوخة. ج) وقد انبثقت من هذا الإطار النموذجي استراتيجية علاجية جديدة، تركز على إعطاء المريض أجسامًا مضادة تعطل البروتين CSF1، مع إعطاء بروتين BMP2، لتعزيز وظائف الخلايا الجذعية الهيكلية. وقد بين الباحثون أن هذه الاستراتيجية تحسِّن التئام الكسور في الفئران الشائخة.

شكل 1. تأثيرات الشيخوخة على الخلايا الجذعية الهيكلية (SSCs). أ) تعمل الخلايا الجذعية الهيكلية كمصدر خلوي ينتِج خلايا مكوِّنة للعظام، تُعرف باسم الخلايا البانِيَة للعظم. وقدرة هذا المصدر على توليد الخلايا البانِيَة للعظم هي من العوامل التي تحسم سير عملية تخليق العظام بوجه عام، ومقاومة الهيكل العظمي للكسور. ب) أوضح توماس أمبروزي وفريقه البحثي في دراستهم التي أجروها على فئران6، أنه مع تقدُّم العمر تصبح الخلايا الجذعية الهيكلية أقل قدرة على توليد الخلايا البانِيَة للعظم. كما تنتج الخلايا الجذعية الهيكلية الشائخة مستويات مرتفعة من بروتين يُسمَّى CSF1، وهو بروتين قابل للذوبان، يسهم في توليد الخلايا المعروفة باسم الخلايا الآكلة للعظم، المسؤولة عن الارتشاف العظمي. وتؤدي هذه التأثيرات مجتمعةً إلى الإخلال بالتوازن المعتاد بين عمليتَي تكوين العظم، وارتشافه، ومن ثم تسهم في نقص كثافة العظم المصاحب للشيخوخة. ج) وقد انبثقت من هذا الإطار النموذجي استراتيجية علاجية جديدة، تركز على إعطاء المريض أجسامًا مضادة تعطل البروتين CSF1، مع إعطاء بروتين BMP2، لتعزيز وظائف الخلايا الجذعية الهيكلية. وقد بين الباحثون أن هذه الاستراتيجية تحسِّن التئام الكسور في الفئران الشائخة.

كبر الصورة

فحص الباحثون بعد ذلك مدى تأثُّير الشيخوخة في الخلايا الجذعية الهيكلية، فمَزَج الفريق البحثي جراحيًّا في الدورة الدموية للفئران بين خلايا جذعية هيكلية شائخة، وأخرى شابة. واتساقًا مع احتفاظ الخلايا الجذعية الهيكلية الشائخة بقصورها الوظيفي بعد الاستزراع، فإجمالًا، لم تسهم هذه المقاربة نسبيًّا إلا بصورة طفيفة في إعادة عملية تكوُّن العظم في الفئران الشائخة إلى الحالة الطبيعية. لذلك، فإن ما تسبِّبه الشيخوخة من إعادة برمجةٍ للخلايا الجذعية الهيكلية يبدو أنه ناتج عن التأثيرات المباشرة للشيخوخة على الخلايا الجذعية الهيكلية، أكثر من كونه ناجمًا عن سريان عناصر مرتبطة بالتقدم في العمر في مجرى الدم.

ونظرًا إلى أنه لم يَبْدُ أن بيئة جريان الدم في مرحلة الشباب تعالج شيخوخة الخلايا الجذعية الهيكلية، فربما يكون من الأفضل توجيه الجهود التي تبُذل لمكافحة شيخوخة هذه الخلايا نحو دراسة تأثير الشيخوخة على وظائف هذه الخلايا في المراحل المتقدمة من العمر. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه عندما قام فريق الباحثين بقياس التعبير الجيني في الخلايا الجذعية الهيكلية الشائخة، وجد أن البروتين المعروف باسم عامل تحفيز المستعمرات 1 (CSF1)، (وهو بروتين قابل للتحلل والذوبان، ومحفز لنضوج الخلايا الآكلة للعظم)، تفرزه الخلايا الجذعية الهيكلية الشائخة بمعدلات أعلى، مقارنة بمعدلات إنتاجه في الخلايا الجذعية الهيكلية الشابة.

بناء على ذلك، اختبر الباحثون استراتيجية علاجية، تستهدف إبطاء شيخوخة الخلايا الجذعية الهيكلية. فاستعانوا بجزيئات أجسام مضادة ترتبط تحديدًا بالبروتين CSF1، وتثبط نشاطه، وخلطوها في مادة جيلاتينية مع البروتين BMP2 (وهو بروتين ذو تأثيرات معقدة قد تشمل تعزيز تكوُّن العظم7)، ثم وضعوا المادة حول كسور في عظم الفئران الشابة، وعظم الفئران الشائخة. وأدى هذا الخليط، إلى تحسين التئام الكسور التي رُصدت لدى الفئران الشائخة.

وبوجه عام، يثبت هذا العمل البحثي بما لا يدع مجالًا للشك أن الشيخوخة تؤثر بشكل مباشر على الخلايا الجذعية الهيكلية، وأن القصور المرتبط بتقدم العمر في وظائف تلك الخلايا يُسهِم في تدهور الهيكل العظمي بمرور الوقت. ورغم ذلك، يظل من غير الواضح إلى أي درجة يعكس هذا القصور الذي تسببه الشيخوخة تغيرات محددة تطرأ على وظائف الخلايا الجذعية الهيكلية، مثل التجدد الذاتي، وليس تغيرات في طريقة تمايز هذه الخلايا، أو وظيفة ما تنتجه من خلايا بانِيَة للعظم.

وبالنظر إلى أن بحث أمبروزي وفريقه البحثي كان من أوائل الدراسات التي تحدد الأسس الكامنة وراء شيخوخة الهيكل العظمي، في مجموعات محددة جيدة التوصيف من الخلايا الجذعية، فهو يُعَد أساسًا قويًّا يمكن أن تنطلق منه الدراسات المستقبلية المعنية بآليات شيخوخة الهيكل العظمي، ومنها الدراسات التي توضح كيف تسهم أنواع بعينها من الخلايا الهيكلية في نقص كثافة العظم المرتبط بالشيخوخة. ومن الجدير بالاهتمام - بوجه خاص - أن دراسات أجريت بالتوازي على الفئران قد برهنت على أن مجموعة من الخلايا الهيكلية التي توجد في نخاع العظم، والتي تنتج البروتينات CXCL12، وEBF3، وLEPR، تقف وراء الزيادة المطردة في نسبة الخلايا المكوِّنة للعظم مع التقدم في العمر8-10، غير أن علاقة هذه المجموعة من الخلايا بالخلايا الجذعية التي تناولها بحث أمبروزي وفريقه البحثي لا تزال غير واضحة. ومن الأهمية بمكان توضيح هذه النقطة، لتكوين صورة مكتملة أشمل عن الأسس الخلوية وراء شيخوخة الهيكل العظمي.

تسهم في شيخوخة الهيكل العظمي أيضًا مجموعة أوسع من التغيرات، تتجاوز التأثيرات الموضحة هنا، وتشمل تجمُّع الخلايا الشائخة، وارتفاع محتوى نخاع العظم من الدهون، فضلًا عن تغيرات تطرأ على الغضاريف المفصلية وبِنْية العظم، من بينها اتساع بنيتهما بوجه عام11. وسيتعين على الدراسات المستقبلية أن تقيِّم أيًّا من هذه المجموعة الكبيرة من التغيرات المصاحِبة للشيخوخة ينجم تحديدًا عن تغيرات فطرية في الخلايا الهيكلية الجذعية، وأيها يعكس تأثير آليات شيخوخة أخرى.

إضافة إلى ذلك، فإن تعريفات الأنواع الخلوية التي تشكل العظام، بما فيها الخلايا الجذعية الهيكلية، بدأت تغدو أكثر دقة، ومن المحتمل أن يتكرر تنقيح تلك التعريفات، وأن يستمر ذلك على مدار الأعوام القليلة القادمة. وقد أشارت بالفعل دراسة نُشرت في شهر فبراير الماضي أن بعض مخاليط البروتينات الواسمة، التي استخدمها بعض الباحثين لتعريف الخلايا الجذعية الهيكلية، يمكن أن تُنتَج أيضًا في بعض الخلايا الناضجة المكوِّنة للعظم12. ويدل ذلك على أن الباحثين سيحتاجون إلى واسمات جديدة لتعريف الخلايا الجذعية الهيكلية، تميِّزها كمجموعة نقية من الخلايا الجذعية. وسوف يظل فهْمنا لآليات الشيخوخة التي ترتكز على وظائف الخلايا الجذعية الهيكلية بحاجة إلى مواكبة المستجدات المستمرة في تعريف أنواع خلايا الهيكل العظمي.

References

  1. Manolagas, S. C. J. Bone Miner. Res. 33, 371–385 (2018). | article
  2. Ucer, S. et al. J. Bone Miner. Res. 32, 560–574 (2017). | article
  3. Farr, J. N. et al. J. Bone Miner. Res. 34, 1407–1418 (2019). | article
  4. Chan, C. K. F. et al. Cell 160, 285–98 (2015). | article
  5. Chan, C. K. F. et al. Cell 175, 43–56.e21 (2018). | article
  6. Ambrosi, T. H. et al. Nature 597, 256–262 (2021). | article
  7. Salazar, V. S., Gamer, L. W. & Rosen, V. Nature Rev. Endocrinol. 12, 203–221 (2016). | article
  8. Matsushita, Y. et al. Nature Commun. 11, 332 (2020). | article
  9. Seike, M., Omatsu, Y., Watanabe, H., Kondoh, G. & Nagasawa, T. Genes Dev. 32, 359–372 (2018). | article
  10. Zhou, B. O., Yue, R., Murphy, M. M., Peyer, J. G. & Morrison, S. J. Cell Stem Cell 15, 154–168 (2014). | article
  11. Farr, J. N. et al. Nature Med. 23, 1072–1079 (2017). | article
  12. Matthews, B. G. et al. eLife 10, e58534 (2021). | article

ماثيو بي. جرينبلات، وشاوون ديبناث، يعملان في قسم الباثولوجيا والطب المعملي في كلية طب ويل كورنيل، نيو يورك 10065، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: mag3003@med.cornell.edu