أخبار

ماء يتحوَّل إلى معدن ذهبي لامع

قطرات الصوديوم والبوتاسيوم تسهم بإلكترونات تُكْسِب الماء خواص شبيهة بالمعادن.

دافيديه كاستيلفيكي
  • Published online:
الإلكترونات من الصوديوم والبوتاسيوم تنتشر في الماء، محوِّلة إياه إلى اللون الذهبي.

الإلكترونات من الصوديوم والبوتاسيوم تنتشر في الماء، محوِّلة إياه إلى اللون الذهبي.

Credit: Philip E. Mason

إنْ لم يكن بمقدورك تحويل الماء إلى ذهبٍ، كما لو كنتَ من الخيميائيين المهرة، فالخطوة التالية الأنسب هي أن تصيِّره إلى مادة معدنية لامعة. وقد نجح فريق من الباحثين في تحقيق هذا الإنجاز المبهر، عبر طبقة رقيقة من الماء تتشكل حول فلزات قلوية تسهم بإلكتروناتها في الماء.

ظَلّ الماء في حالة فيزيائية شابهت خواصه فيها المعادن لثوانٍ فحسب، إلا أن التجربة لم تتطلّب مستويات الضغط المرتفعة اللازمة عادة لتحويل المواد غير المعدنية إلى فلزات موصِّلة للكهرباء.

حول ذلك، يقول بافيل يونجفيرث، المؤلف المشارك في الدراسة واختصاصي الكيمياء الفيزيائية لدى الأكاديمية التشيكية للعلوم في مدينة براج، إن رؤية الماء بينما يُضفى عليه بريق ذهبي في الدراسة كانت الإنجاز الأهم له على مدار مسيرته المهنية. وقد نشر الفريق البحثي نتائج دراسته تلك في الثامن والعشرين من يوليو الماضي في دورية Nature1.

تعقيبًا على ذلك، يقول بيتر إدواردز، وهو أستاذ كيمياء من جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة: "إنه تطوُّر بالغ الأهمية. مَن كان يتوقع هذا... مياه برونزية شبيهة بمعدن؟".

لا فلزّات معدنية

من الناحية النظرية، بمقدور معظم المواد التحوّل إلى معادن إذا تعرضت لضغطٍ كاف؛ إذ يمكن أن تنضغط وتتلاصق ذرّاتها وجزيئاتها معًا بقوة، بحيث تبدأ في تشارُك إلكتروناتها الخارجية، التي يمكنها بعدئذ الانتقال وتوصيل الكهرباء مثلما تفعل الإلكترونات في كتلة من النحاس، أو الحديد. ويعتقد علماء الجيوفيزياء أن مراكز الكواكب العملاقة، مثل نبتون، وأورانوس، تحتوي على مياه في مثل هذه الحالة التي تجعلها شبيهة بالمعادن، وأن الهيدروجين المعدني تحت مستوى عالٍ من الضغط بإمكانه العمل كموصِّل فائق للكهرباء، يمكنه توصيل الكهرباء من دون أي مقاومة.

ويوضح يونجفيرث أن تحويل الماء إلى معدن بهذه الطريقة يُتوقع أن يستلزم تعرُّض الماء لضغط يزيد على الضغط الجوي بما يعادل 15 مليون مرّة، وهو ما تعجز التقنيات المختبرية حاليًّا عن تحقيقه، إلا أنه ينوِّه إلى أنه يعتقد أن الماء قد يتحول إلى موصّل للكهرباء بطريقة بديلة؛ وهي استعارة الإلكترونات من الفلزّات القلوية؛ فتلك العناصر الفلزية التفاعلية في المجموعة (1) بالجدول الدوري للعناصر، التي تحتوي على الصوديوم والبوتاسيوم، تميل إلى الإسهام بإلكتروناتها الخارجية في التفاعُلات. وفي العام الماضي، قاد يونجفيرث وزميله فيل مايسون - الذي يعمل بدوره اختصاصي كيمياء، يشتهر بإعداد مقاطع فيديو علمية على موقع "يوتيوب" - فريقًا برهن على حدوث تأثير مشابه في الأمونيا2. ويشير إدواردز إلى أن الكيميائي البريطاني همفري دايفي فطن إلى اكتساب الأمونيا للمعان في مثل هذه الظروف في مُستهل القرن التاسع عشر.

وقد أراد الفريق البحثي تجربة النهج نفسه باستخدام الماء، بدلًا من الأمونيا، لكنه واجه تحديًا؛ وهو أن الفلزات القلوية تميل في تفاعلاتها إلى توليد انفجار عند مزجها بالماء. وكان الحل هو تصميم منظومة تجريبية من شأنها إبطاء التفاعل على نحو هائل، بحيث لا يولد انفجارًا، فملأ الباحثون حقنة بمزيج من الصوديوم والبوتاسيوم السائل في درجة حرارة الغرفة، ووضعوها في حُجيرة مفرغة من الهواء، ثم استخدموا الحقنة لإخراج قطرات من هذا المزيج الفلزي، وتشكيلها، وعرّضوا تلك القطرات لكميات صغيرة من بخار الماء؛ فتكثَّف الماء على كل قطرة، وشكّل طبقة سُمْكها عُشر ميكرومتر. بعد ذلك، سرعان ما انتشرت الإلكترونات الموجودة بجزيئات القطرات إلى داخل طبقة الماء حاملة أيونات فلزية موجبة. وفي غضون ثوانٍ، تحوّلت طبقة الماء إلى اللون الذهبي.

التوقيت يلعب دورًا حاسمًا

أكّدت التجارب التي أُجريت في أحد مرافق توليد أشعة السنكروترون السينية في برلين أن الانعكاسات الصادرة عن تلك العينة قد أنتجت البصمات المتوقعة من ماء ذي خواص شبيهة بالمعادن. ويقول يونجفيرث إن سر تفادي وقوع انفجار تَمثَّل في اكتشاف إطار زمني يكون فيه انتشار الإلكترونات أسرع من التفاعل بين الماء والفلزات. وتعقيبًا على ذلك، يقول إدواردز: "تَمكَّن الفريق من الوصول إلى حالة شبه مستقرة، تتفوق فيها فيزياء عملية التمعدُن على التحلل الكيميائي".

أما يونجفيرث، فيقول: "لم نكن موقنين على الإطلاق من أننا سنتوصل إلى هذا الاكتشاف. لقد كان إنجازًا مذهلًا، يشبه اكتشاف عنصر جديد".

ويرى يونجفيرث أن التجربة كانت بمثابة قسط قصير ومنعش من الراحة من عناء وظيفته اليومية، التي تتمثل في إجراء عمليات المحاكاة الحاسوبية في مجال الكيمياء العضوية. وهي تجربة تذكِّرنا بأن الأبحاث قد تمتلئ بالمرح والتسلية. وحول ذلك، يقول يونجفيرث: "هذه ليست تجربة يمكنك الحصول على منحة مالية نظيرها، لكنك تستطيع إجراءها في عطلات نهاية الأسبوع".وهذه ليست أول مرة يجمع فيها يونجفيرث تعاوُن مع مايسون في تجربة عملية. ففي عام 2015، أزاح الباحثان وفريقهما البحثي الستار عن آلية هي المسبب لانفجار الصوديوم عند ملامسته للماء3. وقد أعدوا تلك التجربة في إحدى الشرفات بالمعهد الذي انتموا إليه، إذ لم يُسمح لهم بإجرائها في مختبر آنذاك. ويتذكر يونجفيرث ذلك قائلًا: "لقد أثار ذاك استياء الجميع، لأن الشرفة كانت المكان الذي يذهب إليه الأفراد للتدخين. وهكذا، طالبنا بإجراء التجربة؛ قائلين: هل يمكننا استعارة الشرفة من أجل بعض الانفجارات؟".

References

  1. Mason, P. E. et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-021-03646-5 (2021). | article
  2. Buttersack, T. et al. Science 368, 1086–1091 (2020). | article
  3. Mason, P. E. et al. Nature Chem. 7, 250–254 (2015). | article