أخبار

محطة الفضاء الصينية تتأهب لاستضافة ألف تجربة علمية

بفارغ الصبر، ينتظر الباحثون اكتمال المحطة الفضائية الصينية «تيانجونج»، متطلِّعِين إلى دراسة موضوعات علمية شتَّى، تتنوَّع من المادة المظلمة والموجات الثقالية، حتى الأورام السرطانية والبكتيريا المسببة للأمراض.

سمريتي مالاباتي

  • Published online:
رائد الفضاء الصيني نيه هايشنج أثناء عمله داخل «تيانخه»، وهي الوحدة الأساسية من محطة الفضاء الصينية.

رائد الفضاء الصيني نيه هايشنج أثناء عمله داخل «تيانخه»، وهي الوحدة الأساسية من محطة الفضاء الصينية.

Credit: Jin Liwang/Xinhua/eyevine

أطلقت الصين الوحدة الأساسية لمحطتها الفضائية، المسمَّاة «تيانجونج» Tiangong، في أبريل الماضي، وأعقبتها بإرسال ثلاثة رواد فضاء في شهر يونيو. وعلى الرغم من أن المحطة الفضائية ربما لا يكتمل بناؤها حتى أواخر عام 2022، فإن هناك قائمة طويلة من التجارب من شتّى أرجاء العالم التي تصطفُّ بانتظار دورها في التنفيذ على متن المحطة. وحسبما صرَّح علماء صينيُّون لدورية Nature، وافقت «وكالة الفضاء الصينية المأهولة» (CMSA) بصفة مبدئية على إجراء ما يزيد عن ألف تجربة، تم تدشين العديد منها بالفعل.

قبل أبريل الماضي، كانت محطة الفضاء الدولية (ISS) هي المختبر الفضائي الوحيد الموجود في المدار الأرضي. ويقول كثير من الباحثين إن المحطة «تيانجونج» (ويعني اسمها في العربية: القصر السماوي) صارت موضع ترحيب واسع النطاق، على اعتبار أنها تَرفِد جهود الرصد الفلكي ومراقبة الأرض، فضلًا عن دورها المنتظَر في دراسة تأثير الجاذبية الصغرى والإشعاع الكوني على ظواهر عدة، مثل النمو البكتيري، ومزج السوائل. وعلى الجانب الآخر، نجد من الباحثين فريقًا يقول بأن المحطات الفضائية المأهولة باهظة التكلفة، وتخدم أغراضًا ذات صبغة سياسية أكثر من خدمتها للأغراض العلمية.

تقول جولي روبنسون، كبيرة العلماء بإدارة شؤون الاستكشاف والعمليات البشرية بوكالة «ناسا» في واشنطن العاصمة: "إن تعزيز قدرة العلم على الانطلاق نحو الفضاء من شأنه أن يعود بالنفع على العلوم في العالَم أجمع، بغضِّ النظر عن جنسية الجهة التي تبني تلك المنصات، وتباشر تشغيلها".

تتفق مع هذا الطرح أجنيسكا بولو، عالمة الفيزياء الفلكية في المركز البولندي الوطني للأبحاث النووية في العاصمة وارسو، وهي عضوة في فريق من الباحثين يعتزم إجراء تجربة فضائية لدراسة دفقات أشعة «جاما». وتضيف بولو: "إننا بحاجة إلى مزيد من المحطات الفضائية، لأن محطةً واحدةً لا تكفي بكل تأكيد".

كان إطلاق محطة الفضاء الدولية في العام 1998، في إطار شراكة جمعَتْ بين وكالات الفضاء في الولايات المتحدة، وروسيا، وأوروبا، واليابان، وكندا (انظر: فكرة واحدة وأشكال متعددة). ومنذ ذلك الحين، استضافت المحطة ما يربو على ثلاثة آلاف تجربة، لكن الصين مُنعت من المشاركة في تلك التجارب، عملًا بالضوابط الأمريكية التي تحظر على وكالة «ناسا» التعاون مع الصين.

وعلى الرغم من أن الباحثِين الصينيين مشاركون في معظم التجارب المزمع إجراؤها على متن المحطة «تيانجونج»، تقول الصين إن محطتها الفضائية سوف تكون مفتوحة للتعاون مع جميع البلدان، ومنها الولايات المتحدة.

منفتحة على العالَم

في شهر يونيو من عام 2019، وقع اختيار وكالة الفضاء الصينية المأهولة، بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي (UNOOSA)، على تسع تجارب، بالإضافة إلى التجارب الألف التي وافقت عليها الصين بصفة مبدئية، وذلك لإجرائها على متن المحطة الفضائية بمجرد اكتمالها. وتقول سيمونيتا دي بيبو، مديرة مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي، ومقرُّه العاصمة النمساوية فيينا، إن هذه التجارب تشارك فيها 23 مؤسسة، تنتمي إلى 17 دولة.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

كانت الصين قد أطلقت في السابق مختبرين فضائيين صغيرين، هما: «تيانجونج-1»، و«تيانجونج-2». أُجريَتْ على متن هذين المختبرين أكثر من مائة تجربة في أثناء فترة دورانهما حول الأرض، التي امتدَّت عدة سنوات.

ترى تريشيا لاروز، وهي باحثة طبية في جامعة أوسلو، تقود مشروعًا بحثيًا من المقرَّر تنفيذه في عام 2026، أن المحطة الصينية تتيح تسهيلات جديدة تمامًا، وأن الصين تشجع حاليًا على إجراء تجارب غير مسبوقة في الفضاء. وتقول: "إنهم يقولون: نعم! اصنع أجهزتك، ولتكن جديدة تمامًا، وافعل شيئًا لم يأتِ به أحد من قبل".

صحيحٌ أن معظم المشروعات التي حظيت بالموافقة حتى الآن يقودها باحثون صينيون، إلا أن العديد من الفرق البحثية التي تقوم عليها تضمُّ متعاونِين من خارج الصين، كما يقول شوانج-نان تسانج، عالِم الفيزياء الفلكية بمعهد فيزياء الطاقة العالية في بكين، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (CAS)، ويعمل مستشارًا لوكالة الفضاء الصينية المأهولة.

كانت الوحدة الأساسية من المحطة الصينية – وهي الوحدة التي تحمل اسم «تيانخه» Tianhe (ويعني: تناغُم سماوي) – هي أول الأجزاء التي وصلت إلى الفضاء. وفي أواخر شهر مايو الماضي، أُطلِقت مركبة شحن فضائية تُدعَى «تيان تشو-2» Tianzhou-2 (وتعني: السفينة السماوية)، حيث التحمت بالوحدة الأساسية؛ بهدف توصيل الوقود، إلى جانب ستراتٍ لرواد الفضاء، ولوازم إجراء التجارب. وفي يونيو الماضي، وصل إلى المحطة ثلاثة من رواد الفضاء الصينيين، كانوا على متن المركبة «شنتشو-12» Shenzhou-12 (ويعني اسمها: السفينة الإلهية)، واستقر بهم المُقام في غرفة يبلغ طولها 17 مترًا، سوف تكون مقرًّا لهم على مدار الأشهر الثلاثة المقبلة.

في غضون عامٍ من الآن، أو ربما أكثر، سوف ترسل وكالة الفضاء الصينية المأهولة ثماني بعثات أخرى، لكي تنضم إلى المحطة «تيانجونج». ستتولى بعثتان منها توصيل وحدتين أخريين، تُدعيان «ونتيان» Wentian (وتعني: سعيًا إلى السماء)، و«منجتيان» Mengtian (وتعني: الحلم السماوي). وفي هاتين الوحدتين، ستُجرَى التجارب العلمية بصفة رئيسية (انظر: أول محطة فضائية صينية).

يقول باولو دي سوزا، باحث الفيزياء بجامعة جريفيث في مدينة بريسبان الأسترالية، المتخصص في تطوير أجهزة الاستشعار المستخدمة في الفضاء، إن هاتين الوحدتين ستكونان بمثابة «صالتَي ألعاب للعلماء».

إننا بحاجة إلى مزيد من المحطات الفضائية، لأن محطةً واحدةً لا تكفي بكل تأكيد.

ويقول يانج يانج، مدير التعاون الدولي في مركز التكنولوجيا والهندسة لاستغلال الفضاء، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم في بكين، إن المحطة الفضائية ستضم أكثر من 20 رفًا لإجراء التجارب، لتكون بمثابة مختبرات مصغَّرة ذات بيئات مضغوطة. وعلى جسم المحطة من الخارج، توجد 67 نقطة لتركيب المعدَّات البحثية، بحيث تكون مواجِهة للأرض أو السماء، بحسب قول يانج. كما ستضمُّ المحطة حاسوبًا مركزيًا قويًا، من أجل معالَجة البيانات التي ستُسفر عنها التجارب قبل إرسالها إلى الأرض.

من العضوانيات إلى المادة المظلمة

تغطي التجارب المرسَلة إلى المحطة الفضائية طيفًا عريضًا من المجالات المختلفة. يعمل تسانج باحثًا رئيسًا لصالح مرصد الأشعة الكونية عالية الطاقة، الذي يُشار إليه اختصارًا بمرصد «هيرد» HERD؛ وهو يقوم على شراكة تضم إيطاليا، وسويسرا، وإسبانيا، وألمانيا، ومن المزمع إطلاقه في عام 2027. يهدف المرصد (أو كاشف الجسيمات) المذكور إلى دراسة المادة المظلمة والأشعة الكونية، وتبلغ تكلفته ما بين مليار ومليارَي يوان صيني (أي ما بين 155 مليون دولار أمريكي، و310 ملايين)، حسبما أفاد تسانج.

ويشارك تسانج وبولو، إضافةً إلى ذلك، في المهمة «بولار-2» POLAR-2، التي تدرس استقطاب أشعة «جاما» المنبعثة من الانفجارات البعيدة، بهدف الوقوف على خصائص دفقات هذه الأشعة، بل وربما الموجات الثقالية (أو موجات الجاذبية) على سبيل الاحتمال.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

Image credit: Adrian Mann/Stocktrek Images/Alamy

أما لاروز، فتعتزم إرسال كُتَل ثلاثية الأبعاد من أنسجة معوية سليمة، وأخرى مصابةٍ بالسرطان، تُعرف بالعضيَّات المستزرعة مخبريًا، أو «العضوانيات» organoids. ترغب الباحثة في معرفة ما إذا كانت البيئة منخفضة الجاذبية يمكن أن تبطئ أو توقف نمو الخلايا السرطانية؛ مما قد يسهم في التوصُّل إلى علاجات جديدة.

وثمة مشروعات بحثية أخرى مقدَّمة من الهند والمكسيك لدراسة انبعاثات الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من السُدُم الفضائية، وكذلك بيانات الأشعة تحت الحمراء المنبعثة من الأرض؛ سعيًا إلى دراسة الظروف المناخية والعوامل الكامنة وراء هبوب العواصف الشديدة.

وترى لاروز أنه على الرغم من أن العديد من المشروعات البحثية تقوم على الشراكة بين علماء صينيين وأقرانهم من البلدان الغربية، نجد أن التوترات الجيوسياسية قد زادت من صعوبة تحقيق التعاون. وتسوق لاروز مثالًا على ذلك، فتقول إن النرويج لم توقّع بعد اتفاقية ثنائية مع الصين من شأنها أن تمنح مشروع الباحثة الضوء الأخضر للتنفيذ على متن المحطة. ويضيف ميرلين كول، عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة جنيف في سويسرا، الذي يشارك أيضًا في مشروع «بولار-2»، أن الالتزام الصارم بتطبيق ضوابط التصدير في هذا الصدد يعني زيادة التعقيدات البيروقراطية فيما يتعلق بإرسال الأجهزة الإلكترونية البحثية إلى الصين.

وعلى الجانب الآخر، ترى دي بيبو أن تلك التوترات ليس لها – حتى الآن – أي تأثير يُذكَر على سير العمل في المشروعات التي اختارها مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي. وصرَّحَت بأن المكتب بصدد مناقشة بعض الخطط المزمعة مع وكالة الفضاء الصينية المأهولة، لإرسال مزيدٍ من التجارب إلى المحطة «تيانجونج» بحلول نهاية العام المقبل.

يذهب فريق من العلماء إلى أن المحطات الفضائية المأهولة ما هي إلا مضيعة للمال؛ وإذا كانت الصين لم تعلن عن تكلفة إنشاء محطتها، فمن المعلوم أن تكاليف بناء وصيانة محطة الفضاء الدولية قد بلغت خلال عقدها الأول ما يقارب مائة مليار يورو (أي ما يعادل 118 مليار دولار أمريكي).

في تصريحٍ أدلى به جريجوري كولاكي، وهو محلِّل معنيٌّ بدراسة المسائل الأمنية في الصين، يعمل لصالح «اتحاد العلماء المهتمين»، وهو جماعة ضغط مقرُّها مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، قال: "يمكنك من خلال البعثات الروبوتية أن تحصل على منافع علمية أكبر بكثير، قياسًا إلى ما تنفق من أموال. لكن في داخل الصين، كما هو الحال في داخل الولايات المتحدة، تسُود حالة من التوتر بين العلماء الذين يبذلون قصارى جهدهم رغبةً في تحقيق أقصى ما يمكن للعلم أن يحققه (وهم يفضّلون البعثات الروبوتية)، وبين الحكومات التي ترغب في توظيف برامج رحلات الفضاء المأهولة بالبشر لخدمة أغراض يغلب عليها الطابع السياسي".

إلا أنَّ فريقًا آخر من الباحثين يخالفون هذه الرؤية، مؤكدين أنه وإنْ كانت الأقمار الصناعية تتيح بديلًا لبعض عمليات الرصد، فلا غنى عن المحطات الفضائية المأهولة لإجراء عديد من التجارب، لا سيّما تلك التي تتطلب جاذبية صغرى. وفي الدفاع عن تلك المحطات، يقولون إنها تستضيف عمليات الرصد الممتدة، وتعزز القدرة على معالجة البيانات، وتمثل منفذًا لرواد الفضاء، إذ تمكّنهم من أداء مهامَّ تتعلق بالصيانة وإجراء التجارب في آنٍ معًا.

ويقول تسانج إنَّ لمحطة الفضاء الصينية هدفًا آخر، يُضاف إلى استضافة تجارب الباحثين، يتمثل في اختبار تقنيات تنظيم الرحلات البشرية إلى الفضاء، من أجل دعم أهداف الصين من عمليات استكشاف الفضاء.

وفي ظل الأوضاع الراهنة، التي تشير إلى أن تمويل محطة الفضاء الدولية لن يستمر على وضعه الحاليِّ إلى ما بعد عام 2024، أو 2028 على أبعد تقدير، لا يبعُد أن تصبح المحطة «تيانجونج» في نهاية المطاف هي المحطة الفضائية الوحيدة التي تدور في المدار الأرضي.

من المتوقَّع أن تعمل المحطة الفضائية الصينية على مدى عشر سنوات على الأقل، وقد أعدَّت الصين خططًا لإطلاق مركبات فضائية أخرى، للعمل جنبًا إلى جنب مع المحطة. هناك، على سبيل المثال، تلسكوب المسح الفضائي الصيني، المعروف باسم «شونتيان» Xuntian (ومعناه: مسح السماوات)، وهو تلسكوب بصري، يبلغ طوله متران، سوف يكون منافسًا لتلسكوب «هابل» Hubble الفضائي، التابع لوكالة «ناسا» الأمريكية. وسوف يلتحم التلسكوب الصيني بصفةٍ دورية مع المحطة «تيانجونج»، حيث ستُجرى عليه عمليات الصيانة. ومن الجدير بالذكر أن هذا التلسكوب، المقرر إطلاقه في عام 2023، يفُوق التلسكوب «هابل» من حيث اتساع مجال رؤيته، وهو ما يجعله أقدر على كشف أسرار الفضاء العميق.