رؤية كونية

حتى لا تتكرر كارثة فيروس «إيبولا»: فلنضع حدًّا لطوفان الوفيات في أفريقيا

لا بد من تضافر جهود الدول الغنية، للحيلولة دون انهيار أممٍ بأكملها في قارة أفريقيا.

موسوكا فلاح

  • Published online:

MOSOKA P. FALLAH

في الوقت الذي أسطر فيه هذا المقال، تَلْقَى أعدادٌ ضخمة من البشر حَتْفها جرّاء الإصابة بمرض «كوفيد-19». فبصفةٍ إجمالية، لم يحصل سوى 1.1% من سكان الدول منخفضة الدخل على جرعةٍ واحدة على الأقل من اللقاح. كما أن نسبة الأشخاص الذين تَلَقّوا جرعتي اللقاح في موطِني ليبيريا لا تتعدى 0.18%، في حين قفزت أعداد الحالات المسجَّلة في البلاد بنسبة 144% في الفترة بين الأول من يونيو، والواحد والعشرين من يوليو، بل ويُحتمل أن تكون هذه التقديرات أقل من الأرقام الفعلية.

المرضُ هنا أشد فتكًا منه في أي مكانٍ آخر، حيث يزيد معدل الوفيات الحالي في أفريقيا عن المتوسط العالمي بنسبة 18%، بل ويرتفع هذا المعدل بين المرضى ذوي الحالات الحرجة، إذ يُتوفى نحو نصف عدد الحالات التي تدخل وحدات العناية المُركَّزة بالمستشفيات خلال 30 يومًا (African COVID-19 Critical Care Outcomes Study Investigators Lancet 397, 1885-1894; 2021).

ولكن كفانا استشهادًا بالإحصاءات، فأعداد المقابر التي تُحفَر كل يوم في ليبيريا تُعيد إلى الأذهان كارثة فيروس «إيبولا» في عام 2014. فمِثْل فيروس «إيبولا»، يُصيب فيروس «سارس-كوف-2» أعدادًا كبيرة من العاملين في قطاع الرعاية الصحية، ويُودِي بحياتهم بنِسَبٍ تفوق النِّسَب المعتادة، في الوقت الذي تعاني فيه ليبيريا بالفعل من نقصٍ حادّ في أعداد العاملين في هذا القطاع.

اعتدتُ أن أجد مواقع التواصل الاجتماعي تعُجّ بمنشورات تَحمِل الأمنيات الطيبة بأعياد الميلاد وأعياد الزواج. أما الآن، فأجدها غارقة في الترَحُّم على أرواح الموتى. لقد أوشكت الفرصة التي كان يمكن عندها للدول الغنية - المُعتمدة على أفريقيا في سداد احتياجاتها من الموارد البشرية والطبيعية - أن تهب لنجدة القارة السمراء أن تضيع.

كنتُ أشغل منصب مدير مراكز رصد الحالات المُصابة في ليبيريا أثناء أزمة فيروس «إيبولا» عام 2014 عندما لم يُحرِّك العالَم ساكنًا سوى بعد مرور ثمانية أشهر. أذكرُ كَمْ بكيتُ وأنا أزور بيوتًا فَقَدَت عائلات بأكملها بسبب الفيروس. وها أنا الآن أمضي الكثير من وقتي في دعوة زعماء العالم إلى تجنُّب تكرار الأخطاء التي ارتُكبت خلال جائحة «إيبولا». وقد انصَبّ تركيزي مؤخرًا على تمكين دول غرب أفريقيا من الحصول على حصةٍ أكبر من الأجهزة اللازمة لإمداد المرضى بالأكسجين بطرقٍ آمنة. وتعاني تلك الدول أيضًا نقصًا في إمدادات الأكسجين. فدولة سيراليون، مثلًا، لا تمتلك سوى مصنعين لإنتاج الأكسجين، يخدمان 7.8 مليون شخص. وبالرغم من أن أوغندا لديها طاقة إنتاجية تصل إلى نحو 3000 أسطوانة أكسجين يوميًّا، فإنها قد تحتاج إلى كميات أكبر بكثيرٍ خلال الأشهر القادمة.

دعوني أحكي لكم عن أَخين يرتادان الكنيسة نفسها التي تصلي فيها خالتي. أصغرهما رب أسرة، يحظى بالاحترام في الحي الذي يعيش فيه. أُصيب هذا الرجل بالمرض في أحد أيام الاثنين، وقد شُخِّصت حالته خطأ على أنها إصابة بالملاريا، وحمى التيفود، وهما من الأمراض الشائعة هنا، ومن ثم تَلَقَّى العلاج لهذين المرضين. وبالرغم من أن الحكومة كانت قد أطلقت بالفعل تحذيراتٍ من التزايد السريع لأعداد المصابين بمرض «كوفيد-19»، لم يدرك الرجل وأسرته والقائمون على رعايته خطورة الموقف سوى يوم الأربعاء، حينما أُصيب بضيقٍ في التنفس، فنُقل سريعًا إلى أحد المستشفيات الخاصة. لم يستطع الرجل الحصول على الأكسجين بالمستشفى الخاص، نظرًا إلى أن جميع أسطوانات الأكسجين الموجودة به كانت قيد الاستخدام بالفعل من قبل عدد من مرضى «كوفيد-19»، كانوا قد سبقوه إلى المستشفى، حيث وقفت أسرته مكتوفة الأيدي تراقب ابنها المسكين وهو يموت مختنقًا. ثم جاءت المهمة الصعبة المتمثلة في البحث عن مكانٍ لجسده في دور تجهيز الموتى. أما أخوه الأكبر، الذي كان قد عاد إلى ليبيريا ليتقاعد، بعد أن اختتم حياته المهنية في الولايات المتحدة، فقد وافق على التكفُّل بجميع النفقات، غير أنه تُوفي جرّاء إصابته بمرض «كوفيد-19»، حتى قبل أن تتمكن الأسرة من إتمام جنازة الابن الأصغر.

صحيحٌ أن أفريقيا لم تتأثر كثيرًا بالجائحة خلال عام 2020، لكن الوضع مختلفٌ في العام الحالي، فنحن نواجه نقصًا في اللقاحات، ونلهث من أجل البقاء على قيد الحياة.

ولو أن دول الشمال الغنية كانت قد أوفت بوعودها ووفَّرت اللقاحات، لكان بإمكاننا إنقاذ الكثير من الأرواح، غير أن أفريقيا حصلت حتى مطلع يوليو الجاري على أقل من 50 مليون جرعة فقط من إجمالي 700 مليون جرعة كانت قد وعدت بها مبادرة «كوفاكس» COVAX لهذا العام. وفي حين لا يزال الاحتمال قائمًا بوصول تلك الشحنات بحلول شهر ديسمبر، سيكون قد فات الأوان حينذاك بالنسبة إلى كثيرين.

كنت أرى الناس يموتون في الشوارع إبان أسوأ فترات تفشي فيروس «إيبولا» في ليبيريا خلال أشهر أغسطس، وسبتمبر، وأكتوبر من عام 2014، حيث تركَنا العالَم نصارِع تهديدًا صحيًّا عالميًّا بمفردنا. وقتها، كانت الوحدة الصحية المُجهَّزة لعلاج 34 مُصابًا بفيروس «إيبولا» تستقبل 74 مريضًا، وكان على المرضى أن ينتظروا حتى يُتوفى أحد النزلاء، كي يُفسح لهم مكانًا. أما حين طال فيروس «إيبولا» الدول المتقدمة بعدد قليل جدًا من الحالات المصابة، ضُخَّ ما يقرب من 3.5 مليار دولار أمريكي لمكافحة الوباء، غير أن هذا المبلغ الضخم وصل بعد فوات الأوان، إذ كان قرابةُ 11300 شخص قد لقوا حتفهم في غرب أفريقيا. وها نحن بعد مرور أقل من عقد من الزمان نواجه موقفًا مشابهًا.

كان رئيس المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها قد وَجَّه نداءً في أكتوبر الماضي على صفحات دورية Nature، أكد من خلاله على أهمية حصول الدول الأشد فقرًا على اللقاحات، وكان ذلك قبل إتاحة اللقاحات عالميًّا (J. N. Nkengasong et al. Nature 586, 197-199; 2020). وفي شهر يناير الماضي، بينما كانت الدول الغنية تتأهب لبدء حملات توزيع اللقاح، شاركتُ في تنظيم دعوةٍ من أجل التحرك، وذلك بالتعاون مع 30 خبيرًا في مجال مكافحة فيروس «إيبولا»، و81 متخصصًا من المتخصِّصين في مجال الصحة العالمية، وإدراكًا منا بالخطر الذي يُشكِّله مرض «كوفيد-19» في أفريقيا، تَقَدَّمنا بالتماسٍ نحثّ فيه جمعية الصحة العالمية على اتخاذ إجراءاتٍ تضمن حصول الدول الأفريقية على اللقاحات. فلماذا إذًا لا زلنا ننتظر؟

بوصفي مواطنًا أفريقيًّا، دَعُوني أقول إنّ عالَمنا كما نعرفه على شفا الانهيار، فنحن نشهد الآن أعدادًا مهولة من الوفيات، كما نشهد انهيار اقتصاداتٍ ودولٍ. فما هو إذًا المعنى الحقيقي للإنسانية؟ أنْ يحظى الجميع بقَدْرٍ متساوٍ من الاهتمام، بصرف النظر عن الاعتبارات الجغرافية والاقتصادية.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وضعت الولايات المتحدة خطة مارشال، بهدف تمكين دول غرب أوروبا المتضرِّرة من التعافي. تلك كانت لحظةً مُلهِمة في التاريخ الإنساني. وأقول إنه يجب الحَدّ من المأساة الراهنة بوضع خطة مارشال جديدة، تتشارك بمقتضاها الدول الغنية مع الدول الفقيرة اللقاحات والإمكانات التصنيعية والموارد بشكلٍ مجاني، إنْ لم يكن ذلك بدافعٍ من الضمير، فليكن بدافع تحقيق الأمن الصحي.

إنّ المناطق التي لا يُكبح فيها جماح مرض «كوفيد-19» هي ذاتها الأماكن التي سوف تشهد ظهور المتحوِّر القادم. وقد يكون هذا كفيلًا بتدمير جميع النتائج الإيجابية التي تحقَّقت بفضل حملات التطعيم المتواصلة في الدول المتقدمة.

موسوكا فلاح هو المدير العام السابق للمعهد الوطني للصحة العامة في ليبيريا، ويعمل مستشارًا بنظام التعاقد لدى المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المُعدية. 

البريد الإلكتروني: mfallah1969@gmail.com