أنباء وآراء

حماية خاصة على حدود الدماغ

لاحظ باحثون وجود خلايا مناعية على الحدود الخارجية للدماغ وعند الحبل الشوكي، مصدرها نخاع العظم الموجود في منطقة عظام الجمجمة والفقرات المجاورة . وتصل الخلايا المناعية إلى هذا الموقع عن طريق قنوات عظمية خاصة، دون أن تمر عبر الدم.

بريتا إنجلهارت
  • Published online:

تعمل الحواجز المحيطة بالدماغ والحبل الشوكي في الجهاز العصبي المركزي (CNS)، على حماية الخلايا العصبية من بيئة مجرى الدم المتقلبة، عن طريق التحكم في حركة الجزيئات والخلايا بين الدم والجهاز العصبي المركزي. وتضمن هذه الحواجز أيضًا مراقبة خلايا مناعية معينة للجهاز العصبي المركزي في جميع الأوقات، ولكنها تقيد وصول جزيئات وخلايا مناعية أخرى موجودة في الدم إلى غرف بعينها على حدود الجهاز العصبي المركزي1. وقد أشار أندريا كوجورا2، وسايمون بريوشي وفريقاهما البحثيان3 في بحثين نُشرا في دورية «ساينس» Science إلى أن الأم الجافية - وهي الطبقة النسيجية السطحية التي تحيط بالحاجز الخارجي للجهاز العصبي المركزي - توفر حماية مناعية من نوع خاص تُستمد من نخاع العظم المجاور.

تغلف ثلاثة أغشية سحائية الدماغ والحبل الشوكي1، 4 (الشكل 1). ويفتقر الغشاء الخارجي السطحي من هذه الأغشية الثلاثة – المعروف باسم الأم الجافية - إلى حاجز دماغي دموي. ومن ثم، لا توجد قيود على دخول المكونات التي يحملها الدم، ومن بينها الخلايا المناعية، إلى هذه الطبقة1، 4 . يلي هذا الغشاء، ويلتصق به عند السطح الداخلي له، غشاء آخر يسمى الأم العنكبوتية. ويوجد بين الأم العنكبوتية والغشاء السحائي الأعمق - المسمى بالأم الحنون - حيز يعرف باسم الحيز تحت العنكبوتية، ويحتوي على السائل الدماغي الشوكي (CSF)، والخلايا المناعية المقيمة التي تدخل إلى الحيز خلال فترة النمو الجنيني5. وتعمل الأم العنكبوتية كحاجز بين الدم والسائل الدماغي الشوكي، يفصل بين الأم الجافية، والحيز تحت العنكبوتية. أما غشاء الأم الحنون، فيقع مباشرة فوق المُحَدِّد الدبقي، وهو طبقة رقيقة تتخللها مادة تفرزها شبكة تُعرف بمصفوفة النسيج البيني خارج الخلايا، وتتخللها نهايات ناتئة لخلايا عند سطح نسيج الجهاز العصبي المركزي4. ويمكن تشبيه البنية التشريحية للطبقات السحائية بالدفاعات حول قلعة من قلاع العصور الوسطى، حيث يحيط جداران (هما الحاجز العنكبوتي، والمحدد الدبقي) بما يشبه خندقًا محميًا بدوريات حراسة (الحيز تحت العنكبوتية، بما فيه من خلايا مناعية)6.

شكل 1: الخلايا المناعية الواردة من نخاع العظم خارج حدود الجهاز العصبي المركزي (CNS). درس أندريا كوجورا2، وسايمون بريوشي وفريقاهما البحثيان3، الخلايا المناعية الموجودة في الأم الجافية، وهي غشاء خارجي سطحي من أحد الأغشية السحائية الثلاثة التي تحيط بالدماغ والحبل الشوكي. ولاحظ الباحثون أنه بالإضافة إلى الخلايا المناعية الواردة من مجرى الدم، توجد في الأم الجافية أيضًا خلايا مناعية، مصدرها المباشر هو نخاع العظم المجاور في الجمجمة أو الفقرات. وتصل الخلايا المناعية من نخاع العظم إلى الأم الجافية عن طريق التحرك على امتداد السطح الخارجي للأوعية الدموية الموجودة في قنوات داخل العظم. ويحيط الغشاءان السحائيان الآخران، وهما الأم العنكبوتية والأم الحنون، بالحيز تحت العنكبوتية، الذي يحتوي على السائل الدماغي الشوكي (CSF) بالإضافة إلى الخلايا المناعية التي تدخل إليه أثناء التطور الجنيني. وتعمل الأم العنكبوتية كحاجز خلوي بين الأم الجافية، والجهاز العصبي المركزي. وتوجد تحت الأم الحنون طبقة المُحدِّد الدبقي، التي تمثل حاجزًا إضافيًّا، وتتألف من خليط من زوائد خلوية ومواد تُفرَز من شبكة تُعرف بمصفوفة النسيج البيني خارج الخلايا.

شكل 1: الخلايا المناعية الواردة من نخاع العظم خارج حدود الجهاز العصبي المركزي (CNS). درس أندريا كوجورا2، وسايمون بريوشي وفريقاهما البحثيان3، الخلايا المناعية الموجودة في الأم الجافية، وهي غشاء خارجي سطحي من أحد الأغشية السحائية الثلاثة التي تحيط بالدماغ والحبل الشوكي. ولاحظ الباحثون أنه بالإضافة إلى الخلايا المناعية الواردة من مجرى الدم، توجد في الأم الجافية أيضًا خلايا مناعية، مصدرها المباشر هو نخاع العظم المجاور في الجمجمة أو الفقرات. وتصل الخلايا المناعية من نخاع العظم إلى الأم الجافية عن طريق التحرك على امتداد السطح الخارجي للأوعية الدموية الموجودة في قنوات داخل العظم. ويحيط الغشاءان السحائيان الآخران، وهما الأم العنكبوتية والأم الحنون، بالحيز تحت العنكبوتية، الذي يحتوي على السائل الدماغي الشوكي (CSF) بالإضافة إلى الخلايا المناعية التي تدخل إليه أثناء التطور الجنيني. وتعمل الأم العنكبوتية كحاجز خلوي بين الأم الجافية، والجهاز العصبي المركزي. وتوجد تحت الأم الحنون طبقة المُحدِّد الدبقي، التي تمثل حاجزًا إضافيًّا، وتتألف من خليط من زوائد خلوية ومواد تُفرَز من شبكة تُعرف بمصفوفة النسيج البيني خارج الخلايا.

كبر الصورة

ركزت الدراستان سالفتا الذكر اللتان أُجريتا مؤخرًا على مجموعتين فرعيتين مختلفتين من الخلايا المناعية، هما تحديدًا: خلايا النسيج النخاعي الخاصة بالجهاز المناعي الفطري (والتي تتعرف على التغيرات التي تميّز أنماط العدوى)2، والخلايا البائية للجهاز المناعي التكيفي (التي توجد في نخاع العظم، وتتصدى للأجسام الغريبة التي تغزو الجسم، وتتذكرها)3 وقد ربط الباحثون الجهاز الدوري لفأر جرى وسم هاتين المجموعتين من الخلايا المناعية لديه باستخدام صبغة فلورية متألقة بالجهاز الدوري لفأر آخر غير معالج، وتوصلوا إلى نتيجة مدهشة هي أن الخلايا الموسومة وُجِدت في الأم الجافية للفأر الثاني، لكن بصورة أقل من الخلايا غير الموسومة. ويشير هذا الاكتشاف إلى أن جزءًا كبيرًا من الخلايا المناعية في الأم الجافية لا يصل إليها من مجرى الدم، وإنما من نخاع العظم في الجمجمة والفقرات المحيطة بالحبل الشوكي. وقد أمكن خلق هذا المسار المختصر عن طريق الخلايا التي تزحف على السطح الخارجي للأوعية الدموية داخل قنوات عظمية صغيرة، سبق اكتشافها7، وتوجد بين نخاع العظم والأم الجافية (الشكل 1). وهكذا تبين أن الأم الجافية توفر حماية مناعية من نوع خاص خارج الحاجز المحيط بالجهاز العصبي المركزي مباشرة (الأم العنكبوتية)، تستمدها من نخاع العظم المجاور من خلال مسار لم يكن معروفًا من قبل.

وقد أثبت تحليل للتعبير الجيني ولخصائص أخرى تميز الخلايا المناعية المُفردة في الأم الجافية أن هذه الخلايا المناعية المستمدة من نخاع العظم مبرمَجة لضمان صحة الجهاز العصبي المركزي، في حين تميل الخلايا الواردة من الدم إلى أن تكون محفزة للالتهاب، ومن ثمَّ تكون أكثر استعدادًا لمكافحة ما قد ينشأ من حالات عدوى. وإضافة إلى ذلك، مع التقدم في العمر، تتزايد أعداد الخلايا المناعية القادمة من مجرى الدم في الأم الجافية، وهو ما يشير إلى تغير يطرأ على الوقاية المناعية على حدود الجهاز العصبي المركزي.

ومن المثير للدهشة أن كوجورا وفريقه البحثي2 وجدوا عددًا كبيرًا من أحد أنواع الخلايا المناعية الواردة من نخاع العظم، والتي تسمى الخلايا المحببة، في الأم الجافية. وتجدر الإشارة إلى أنه في الظروف العادية، لا تستقر الخلايا المحببة في هذا النسيج، فهي خلايا قصيرة العمر، تسري في مجرى الدم، وتتسرب عادة إلى داخل النسيج في حالات الالتهاب الحاد فقط، غير أن الباحثين وجدوا هذه الخلايا في الأم الجافية غير الملتهبة. وقد لوحظ بالفعل وجود الخلايا المحببة في الأغشية السحائية السليمة من قبل6.

لذا، فإن الخلايا المحببة الواردة من نخاع العظم قد تمثل فئة فرعية خاصة من الخلايا المحببة، تؤدي وظائف مختلفة عن وظائف الخلايا الواردة من الدم. وهذه النتيجة ذات صلة قوية بالجلطات الدماغية التي تنجم عن عدم كفاية الأكسجين الذي يصل إلى الدماغ، لأن وجود الخلايا المحببة في الأغشية السحائية هو علامة رئيسة على حدوث مثل هذه الجلطات8 ،9. مع ذلك، فإن منع تسرب الخلايا المحببة من الدم لم يكن له تأثير على الجلطات في نتائج التجارب الإكلينيكية10 وقد بينت دراسات سابقة7 أن الدماغ الذي يُحرَم من الأكسجين يستطيع حشد الخلايا المحببة مباشرة من نخاع عظم الجمجمة إلى نسيج الدماغ، عن طريق القنوات العظمية نفسها، التي وصفتها الدراستان محل النقاش.

ولا تزال الإشارات المسؤولة عن حشد الخلايا من نخاع العظم إلى الأم الجافية غير معروفة. ويرى كوجورا وبريوشي وفريقيهما البحثيين، أن ثمة دورًا يلعبه جزيء الكيموكَين CXCL12، ومستقبِله الموجود على سطح الخلايا CXCR4. غير أن الجزيء CXCL12 عادة ما يعزز الحفاظ على الخلايا المناعية في نخاع العظم11 وتعطيل المستقبِل CXCR4 من شأنه أن يؤدي إلى إفراز هذه الخلايا من نخاع العظم، وإطلاقها في مجرى الدم11. وهكذا، فإن هذه الأدوار التي يضطلع بها جزيء CXCL12، ومستقبِله CXCR4، يصعب أن تكون متسقة مع أي دور لهما في حشد خلايا مناعية مباشرة إلى الأم الجافية. وأحد الاحتمالات الممكنة هو أن تعطيل المستقبِل CXCR4 على سطح الخلايا المحببة الواردة من نخاع العظم قد يمَكِّن هذه الخلايا من استشعار درجة الكيموكينات الالتهابية CCL2 وCCL8، التي وجد كوجورا وفريقه البحثي أنه يجري التعبير عنها بقوة في الأم الجافية.

ومن المؤشرات الأخرى التي تدل على أن الأم الجافية يمكن أن تزود الجهاز العصبي المركزي بشكل فريد من المراقبة المناعية أنها احتوت على عدد كبير من الخلايا البائية غير الناضجة3 التي تعبِّر عن المستقبل CXCR4، والتي شابهت الخلايا البائية غير الناضجة الموجودة في نخاع العظم. يشير هذا إلى أن نخاع العظم يعهد بجزء من دوره في إنضاج الخلايا البائية إلى الأم الجافية. وفي الواقع، وُجِدَ أن خلايا الأم الجافية تنتج الجزيء CXCL12، وبهذا توفر لهذه الخلايا البائية غير الناضجة بيئة شبيهة بنخاع العظم.

ولا تزال الإشارات المسؤولة عن تحفيز انتقال الخلايا البائية غير الناضجة من نخاع العظم إلى الأم الجافية غير معروفة. ويعتقد الباحثون أن الدماغ والحبل الشوكي ربما يقومان ببرمجة الخلايا المناعية الواردة من مناطق نخاع العظم المجاورة، بحيث توفر للجهاز العصبي المركزي حماية مناعية مصممة خصيصًا له. وأحد الأسئلة المهمة المتبقية في هذا الصدد يتعلق بكيفية تواصل الجهاز العصبي المركزي مع الخلايا المناعية في الأم الجافية، أو نخاع العظم في الجمجمة والفقرات، لأنهما يقعان على جانبين مختلفين من الحاجز العنكبوتي، الذي يقف حاجزًا بين الجهاز العصبي المركزي، وبيئة الدم المتقلبة.

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن غشاء الأم الجافية  تنبثق منه الكثير من الأوعية الدموية وصولًا إلى داخل عظام الجمجمة9 ومن المثير للاهتمام أن الدراستين رصدتا مستويات مرتفعة من الخلايا النخاعية والخلايا البائية في الأم الجافية التي تغلف الجيب الجافيّ (الوريد المركزي الكبير الذي يعمل على تصريف الدم - وربما السائل الدماغي الشوكي – من الدماغ)، لا سيما عند مواضع اتصال الجيب الجافي مع الأوعية الدموية الواردة من الجهاز العصبي المركزي، ومن الحيز تحت العنكبوتية. وقد أشارت أبحاث سابقة - أجراها بعض من الباحثين الذين أجروا الدراستين - إلى أن الأم الجافية على امتداد الجيب الجافيّ تمثل واجهة بينية عصبية مناعية متخصصة12 وهذا يدفعنا إلى تصوُر أن الإشارات التي تستحث حشد الخلايا المناعية من نخاع العظم إلى الأم الجافية - وربما إلى الجهاز العصبي المركزي نفسه - لا تَعبر الحاجز العنكبوتي، وإنما تتحرك على امتداد جدران الأوعية الدموية التي تُشكِّل جسرًا بين الحواجز الدماغية، مثل الحاجز العنكبوتي، والمحدد الدبقي.

وسوف تحدد الأبحاث المستقبلية ما إذا كان نخاع العظم في الجمجمة والفقرات يختلف عن نخاع العظم في الأماكن الأخرى، أم لا. إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تجيب هذه الأبحاث عن السؤال التالي: ما أوجه الشبه بين وظائف الخلايا المناعية الواردة من نخاع العظم إلى الأم الجافية، ووظائف الخلايا المناعية التي تُبقِي الحيز تحت العنكبوتية قيد المراقبة؟ ولا بد أيضًا من استكشاف الإشارات التي تحشد الخلايا المناعية من نخاع العظم إلى الأم الجافية، ومقارنتها بتلك التي تجلب الخلايا المناعية من الدم، كما ينبغي تقصي الكيفية التي تتفاعل بها الخلايا المناعية الواردة من نخاع العظم في الأم الجافية مع الخلايا المناعية الواردة من الدم.

إن القنوات التي تصل نخاع العظم الموجود في الجمجمة والفقرات بالأم الجافية توجد في البشر أيضًا7، وهو ما يشير إلى أن الملاحظات التي سجلتها الدراستان بشأن هجرة الخلايا المناعية ووظيفتها في الفئران يمكن أن تنطبق على البشر أيضًا. وإضافة إلى ذلك، فنظرًا إلى عدم وجود حاجز دموي دماغي في غشاء الأم الجافية، فإن استهداف الخلايا المناعية الموجودة في هذا الغشاء علاجيًّا يمكن أن يكون أسهل من استهداف الخلايا المناعية في الحيز تحت العنكبوتية، أو في نسيج الجهاز العصبي المركزي نفسه. لذا، فإن الفهم الدقيق للدور الذي تلعبه تلك الخلايا المناعية في الأم الجافية، والإشارات التي تتحكم فيها، وكيفية إسهامها في مناعة الجهاز العصبي المركزي، يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة تمامًا لتصميم علاجات لبعض الاضطرابات التي تشتمل على التهاب للجهاز العصبي المركزي.

References

  1. Engelhardt, B., Vajkoczy, P. & Weller, R. O. Nature Immunol. 18, 123–131 (2017). | article
  2. Cugurra, A. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abf7844 (2021). | article
  3. Brioschi, S. et al. Science https://doi.org/10.1126/science.abf9277 (2021). | article
  4. Rua, R. & McGavern, D. B. Trends Mol. Med. 24, 542–559 (2018). | article
  5. Mrdjen, D. et al. Immunity 48, 599 (2018). | article
  6. Engelhardt, B. & Coisne, C. Fluids Barriers CNS 8, 4 (2011). | article
  7. Herisson, F. et al. Nature Neurosci. 21, 1209–1217 (2018). | article
  8. Enzmann, G. et al. Acta Neuropathol. 125, 395–412 (2013). | article
  9. Zenker, W. & Kubik, S. Anat. Embryol. 193, 1–13 (1996). | article
  10. Enzmann, G., Kargaran, S. & Engelhardt, B. TherAdv. Neurol. Disord. 11, 1756286418794184 (2018). | article
  11. Lapidot, T. & Kollet, O. Leukemia 16, 1992–2003 (2002). | article
  12. Rustenhoven, J. et al. Cell 184, 1000–1016 (2021). | article

بريتا إنجلهارت تعمل في معهد تيودور كوخر بجامعة بِرن، CH-3012 برن، سويسرا.

البريد الإلكتروني: bengel@tki.unibe.ch