افتتاحيات

على المدن أن تحمي سكانَها من درجات الحرارة الحارقة 

تُبرِز موجات الحر التي تتعرض لها أمريكا الشمالية ضرورة أن يأخذ مسؤولي التخطيط الحضري مشكلة الحر اللافح بعين الاعتبار عند وضع الاستراتيجيات الرامية إلى التأقلم مع تغيُّر المناخ.

  • Published online:

شهدت المناطق الغربية من الولايات المتحدة وكندا موجة حر خلال شهر يونيو 2021 تُعَد هي الأسوأ في تاريخها. ففي يوم 29 يونيو، وصلت درجة الحرارة في قرية ليتون الكندية إلى ما يقرب من 50 درجة مئوية، بزيادة هائلة قدرها نحو 5 درجات مئوية عن أعلى درجة حرارة سُجِّلَت محليًّا، ليندلع في اليوم التالي حريق يلتهم معظم أنحاء القرية عن بكرة أبيها، ويسفر عن مصرع شخصين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ لقى مئات الأشخاص حتفهم في مدن فانكوفر، وبورتلاند، وسياتل خلال نفس موجة الحر التي استمرت ثلاثة أيام.

ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، تتزايد أيضًا مخاطر الحر اللافح، الذي يُعرَّف بأنه فترات تكون فيها درجات الحرارة في منطقةٍ ما مرتفعة بشكل غير طبيعي، مقارنة بالمتوسط. ولطالما شكَّل الحر تهديدًا للحياة الحضرية، خاصة في ظل وجود الأسطح الماصة للحرارة، مثل الإسفلت، وهي التي تتسبب بدورها في ارتفاع مستوى الزئبق، ولكنّ تغيُّر المناخ كان سببًا في تفاقم الأمر؛ إذ أصبحت موجات الحر تَحْدُث بوتيرة أكبر وأكثر حدة مما كانت عليه في الماضي. ومع ذلك، تجذب هذه الظاهرة قدرًا محدودًا للغاية من الاهتمام، مقارنة بظواهر أخرى تُنبئ بمخاطر تغير المناخ. ويقول الباحثون إنه لولا الاحترار العالمي الذي تسبب فيه الإنسان، لكان حدوث موجة حر كتلك التي شهدتها منطقة شمال غرب المحيط الهادئ "ضربًا من المستحيل". (انظر: go.nature.com/3xatcgw).

وصحيح أن الحر قد يتسبب في وفاة الإنسان أينما كان، إلا أن ذلك الخطر يتعاظم في المدن على وجه الخصوص. فحسب تقديرات إحدى الدراسات التي عُرضت خلال أحد المؤتمرات التي عُقدت في ديسمبر الماضي، فإن معدل تَعَرُّض الناس للحر الشديد في أكثر من 13 ألف مدينة زاد بأكثر من الضعف في الفترة بين عامي 1983 و2016. كما أشارت تقديرات دراسة أخرى نُشرت خلال العام الماضي أيضًا إلى أن درجات الحرارة في اثنتين من المدن، وهما: جاكوب آباد في جنوب باكستان، ورأس الخيمة في الإمارات العربية المتحدة، قد ارتفعت بالفعل إلى مستوى يفوق قدرة الجسم البشري على البقاء على قيد الحياة في أكثر الأيام حرارة ورطوبة هناك (C. Raymond et al. Sci. Adv. 6, eaaw1838; 2020).

ولطالما حذَّر باحثو المناخ من أن الاحترار العالمي يزيد احتمالية تكرار حدوث موجات حر كتلك التي شهدتها أمريكا الشمالية في هذا العام، وهو ما يعني أن مسؤولي التخطيط الحضري عليهم بذل المزيد من الجهود، لإدراج مسألة الحَرّ الشديد ضمن العوامل التي تدخل في صياغة الاستراتيجيات الرامية إلى التأقلم مع تغير المناخ.

وبالفعل، تأهبت السُّلطات المحلية في بعض المدن لمثل هذا السيناريو، فعلى سبيل المثال، وضعت مدينة أحمد آباد في غرب الهند، في أعقاب موجة حر مدمِّرة شهدتها في عام 2010، خطة عمل تتألف من ثلاثة عناصر، أولها، زيادة وعي السكان بكيفية حماية أنفسهم من الحر الحارق؛ وثانيها، وضع نظام إنذار مبكر يستند إلى تنبؤات خبراء الأرصاد بشأن حدوث موجة حر؛ وآخرها، تدريب الطواقم الطبية على التعرف بشكل أفضل على الأشخاص الذين يعانون بسبب الحر الشديد، وعلاجهم. فكانت ثمرة هذه الخطة، وفقًا لأحد التقديرات، إنقاذ حياة 1190 شخصًا سنويًّا، واتباع أكثر من اثنتي عشرة مدينة أخرى في جميع أنحاء الهند لنهج مماثل.

من الحلول الأخرى المطروحة فكرة "الأسقف الباردة"، وهي تلك الأسقف المطلية باللون الأبيض أو المغطاة بمواد عاكسة للطاقة بحيث تمتص كَمًّا أقل من الحرارة، وبالتالي تقلل درجات الحرارة داخل المباني بمقدار 2-5 درجة مئوية، مقارنةً بالأسقف التقليدية.

على أنه لا بد من تنفيذ مِثْل هذه الحلول المناخية بفعالية وكفاءة على نطاق المدينة بأكملها، حتى يكون لها تأثير ملموس. ولكي يحدث ذلك، يجب على الحكومات أن تشترط على المسؤولين عن صناعة البناء دمج تقنيات لتخفيف آثار الحر في مشروعات البناء الخاصة بهم من خلال تبَنِّي برامج تُمنح المباني وفقها الاعتماد الحكومي، إذا ما استوفت شروط البناء الأخضر، أي الصديق للبيئة. كما يمكن أيضًا تقديم الإعانات للمباني الخضراء؛ ففي مدينة برشلونة بإسبانيا، على سبيل المثال، تدعم السُّلطات 75٪ من تكاليف 10 مشروعات جديدة لعمل أسطح خضراء في المدينة.

في الوقت نفسه، يجب على المدن أن تُوجِّه الجهود الرامية إلى تخفيف آثار الحر نحو مساعدة أولئك الأكثر تضررًا من موجات الحر. ويشمل ذلك الأشخاصَ الذين يعيشون في الأحياء ذات الدخل المنخفض، وهي أحياء غالبًا ما حُرمت، على مرّ تاريخها، من وجود حدائق وشوارع تصطف على جانبيها الأشجار، وغير ذلك من المساحات الخضراء الأخرى التي تُعَد عنصرًا شائعًا في المناطق الأكثر ثراءً. وقد وجد العلماء أيضًا ارتباطات مروِّعة بين العِرْق والتعرض للحَرّ في مدن الولايات المتحدة. وتشير الدراسات إلى أن سياسات الماضي في مجال التخطيط الحضري قد جعلت المجتمعات السكانية التي يقطنها الملونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المرتبطة بالحر، بل والموت بسببه، مقارنة بسكان الأحياء التي يغلب عليها البِيض.

ممرات باردة

وفي المقابل، تُعَد باريس إحدى المدن الرائدة في تطبيق مفهوم "المساواة الحرارية"؛ حيث يعمل المسؤولون على بناء شبكة من "جُزر التبريد" - تشمل مساحات لحدائق ومسابح على سبيل المثال – تغطي المدينة بأكملها، وتربطها ببعضها بعض ممرات باردة. كذلك استهدفت مدينة ميديلين في كولومبيا المناطق ذات الدخل المنخفض في المدينة بزراعة الأشجار؛ حيث تمت زراعة أكثر من 10 آلاف شجرة على طول 36 "ممرًّا أخضر"، مما أدى إلى انخفاض درجة حرارة السطح بمقدار درجتين مئويتين. ويجب على المسؤولين الحكوميين الاستمرار في تتبُّع نتائج هذه التجارب، وتحقيق أقصى استفادة من الأدلة المتاحة على نجاحها في تخضير مدنهم.

وقد شهد الأسبوع الثاني من شهر يوليو الماضي إعلان رؤساء بلديات 31 مدينة، كلها ضمن شبكة "سي 40" العالمية للمدن التي تعمل على مكافحة تغير المناخ، اِلْتِزامَهم بأنْ يتمكن 70٪ من سكان مدنهم من الوصول إلى مساحة عامة خضراء أو زرقاء فيما لا يزيد على 15 دقيقة سيرًا على الأقدام، أو باستخدام دراجة، وذلك بحلول عام 2030. وينبغي أن تضمن عمليات المساءلة السنوية وجود معيار يَقَيِّم ما تم إحرازه من تقدم ملموس نحو تحقيق هذا الهدف الطموح.

وفي جميع الأحوال، يجب على حكومات المدن والحكومات الإقليمية تنظيم جهود مكافحة الحر بشكل أفضل، فلا جدوى من الاستجابةُ لمخاطر الحر بعد وقوعها؛ إذ لا يوجد مجال للتصرُّف بعد بلوغ المرحلة التي تكتظ فيها المستشفيات بالأشخاص المصابين بضربة الشمس، وتنهار شبكات الكهرباء تحت وطأة زيادة الطلب على أجهزة تكييف الهواء، ويبدأ الأطباء الشرعيون في إحصاء الجثث. إنّ كل حالة وفاة بسبب الحر قد يكون في الإمكان مَنْعها إذا ما توفرت للشخص سبل الوصول إلى الظل، أو الماء، أو أي وسيلة أخرى للتبريد.

ونظرًا إلى أننا على أعتاب مستقبَل سوف تكون موجات الحر فيه طويلة الأمد، وشديدة، ومتكررة الحدوث بشكل أكبر من أي وقت مضى، على المدن تعظيم جهودها في التخطيط لمواجهة الحر اللافح. ولا بد أن تكون تلك الجهود على نفس المستوى من الاستعداد في مواجهة كوارث أخرى، مثل الزلازل، والفيضانات، والأعاصير. وهذا لا ينطبق فقط على المدن الاستوائية، ولكن أيضًا على تلك المدن التي تقع في مناطق معتدلة المناخ. فمن ذا الذي كان يخال له أن تُوصف درجات الحرارةفي مدينة فانكوفر على اعتبارها خطر داهم، وهي التي تقع على خط عرض يزيد على 49 درجة شمالًا؟ ومع ذلك، فبعد موجة الحر القاتلة التي شهدتها المدينة في شهر يونيو الماضي، يعمل المسؤولون هناك الآن على دمج تقنيات تخفيف الحر الحارق في خطط الطوارئ الخاصة بهم. فما من سبيل آخر للنجاة.