أخبار

علماء الرياضيات يرحّبون بوضع البراهين بمساعدة الحواسيب

أحد برمجيات المساعدة في وضع البراهين يعالج مفهومًا مجردًا، ليكشف الدور الأكبر الذي يمكن أن تؤديه البرمجيات في الرياضيات.

دافيديه كاستلفيكي
  • Published online:
نجحت الجهود المبذولة للتحقق من برهان رياضي معقد باستخدام الحواسيب.

نجحت الجهود المبذولة للتحقق من برهان رياضي معقد باستخدام الحواسيب.

Credit: Fadel Senna/AFP via Getty

يطمح بيتر شولتزه إلى إحداث تغيير جذري في جانب كبير من الرياضيات الحديثة، بدءًا من أحد أركانها الأساسية. ومؤخرًا، حصل على إثبات رياضي يدخل في صميم تحقيق مساعيه إلى ذلك من مصدر كان يستبعده، ألا وهو الحاسوب.

وبالرغم من أن معظم علماء الرياضيات يتشكّكون في احتمالية أن تقوم الآلات عن قريب بمقامهم في العملية الإبداعية في مهنتهم، قد يتحولون إلى تبَنِّي استخدامها إذا تكونت لديهم فكرة ما عن الدور المهم الذي ستلعبه التقنيات في أبحاثهم، وعظمة هذا الإنجاز.

طرح شولتزه – وهو أحد المتخصصين في نظرية الأعداد – خطته الطموحة لتحقيق هدفه، التي أعدّها بالتعاوُن مع داستن كلاوسن من جامعة كوبنهاجن، في سلسلة من المحاضرات ألقاها بجامعة بون في ألمانيا في عام 2019، حيث يقيم. وقد أطلق الباحثان على خطتهما اسم "الرياضيات المكثّفة"، وصرحا بأنها تبشر بطرح رؤى جديدة، وبناء حلقات وصل بين مجالات رياضية مختلفة، بدءًا من الهندسة، وصولًا إلى نظرية الأعداد.

وقد أخذت أبحاثهما في جذب اهتمام باحثين آخرين، فشولتزه يُعَد من ألمع نجوم الرياضيات، كما أن له سجلًّا حافلًا بطرح المفاهيم الثورية. وحول ذلك.، تقول إميلي ريل، عالمة الرياضيات من جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور بولاية ميريلاند الأمريكية، إنه إذا تحققت رؤية شولتزه وكلاوسن، فستتغير كثيرًا طريقة تدريس الرياضيات لطلاب الدراسات العليا بعد خمسين عامًا من الآن. وتضيف قائلة عن شولتزه: "أعتقد أن مجالات رياضية كثيرة ستتأثر مستقبلًا بأفكاره".

وحتى الآن، يستند جانب كبير من تلك الرؤى إلى برهان تقنيّ مُعقد إلى حد كبير، حتى إن شولتزه وكلاوسن نفسيهما لم يتمكنا من القَطْع بصحته، بيد أنه في مطلع هذا الشهر، أعلن شولتزه نجاح مشروع للتحقق من أساس البرهان باستخدام برمجيات متخصصة.

مساعدة حاسوبية

لطالما استخدم علماء الرياضيات الحواسيب في إجراء الحسابات العددية، أو معالجة المعادلات المعقدة، بيد أن الأنظمة المعروفة ببرمجيات المساعَدة في وضع البراهين تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث يُدخِل المُستخدِم قضايا منطقية في مثل هذه الأنظمة، من أجل تلقينها تعريف مفاهيم رياضية معينة، كمفهوم الكائن الرياضياتي، بناءً على كائنات أبسط تَأْلَفها هذه النظم مسبقًا. ويمكن أن تشير القضية المنطقية فحسب إلى كائنات معروفة، وسيتولى برنامج المساعَدة في وضع البراهين الإجابة عما إذا كان "من البديهي" القول إن القضية صحيحة أم خاطئة على أساس معارفه الحالية. أما إذا لم تكن الإجابة واضحة، فعلى المستخدم إدخال مزيد من التفاصيل. وبالتالي، فإن برمجيات المساعدة في وضع البراهين تجبر المستخدِم على إرساء حججه بأسلوب محْكَم، كما إنها تنوب عن الرياضيين البشريين في القيام بالخطوات الأبسط التي يفوتونها بقصد، أو بدون قصد.

وبمجرد أن ينجز الباحثون الجزء العسير من المهمة المتمثلة في ترجمة مجموعة من المفاهيم الرياضية، وتلقيم برنامج المساعدة في وضع البراهين بهذه المفاهيم، يقوم البرنامج باستحداث مكتبة من الأكواد الحاسوبية التي يمكن أن يضيف إليها باحثون آخرون، وتُستخدم في وضع تعريف لكائنات رياضياتية من مستوى أعلى. وبذلك.، يمكن لبرمجيات المساعدة في وضع البراهين أن تساعد في التحقق من صحة البراهين الرياضية، التي ستكون منهكة ومستهلكة لوقت البشر عند التحقق منها بوسائل أخرى، إنْ لم تكن مستحيلة عمليًّا.

ولطالما حظيت برامج المساعدة في وضع البراهين بالإعجاب، إلا أن هذه هي المرّة الأولى التي تلعب فيها دورًا كبيرًا في أهم تطورات أحد المجالات، حسب قول كيفين بازارد، عالِم الرياضيات من كلية إمبريال كوليدج لندن، وأحد المشاركين في تعاوُن مبرم من أجل التحقق من نتيجة شولتزه وكلاوسن، الذي أضاف قائلًا: "السؤال المحوري الذي لا يزال مطروحًا هو: هل بإمكان [هذه البرمجيات] التصدي للإشكاليات الرياضية المعقدة؟ لقد أثبتنا قدرتها على ذلك!".

"السؤال المحوري الذي ظل مطروحًا هو: هل بإمكان برمجيات المساعَدة في وضع البراهين التصدي للإشكاليات الرياضية المعقدة؟ لقد أثبتنا قدرتها على ذلك."

وقد حدث الأمر برمّته بوتيرة أسرع كثيرًا مما تخيل أي شخص. طرح شولتزه التحدي الذي أخذه على عاتقه أمام خبراء في برمجيات المساعدة في وضع البراهين في شهر ديسمبر من عام 2020، وقبلت بالتحدي مجموعةٌ من المتطوعين بقيادة يوهان كوملين، عالِم الرياضيات من جامعة فرايبورج في ألمانيا. وفي الخامس من يونيو الماضي، أي بعد مضيّ أقل من ستة أشهر، أعلن شولتزه في منشور على مدوّنة بازارد نجاح الجزء الرئيس من التجربة؛ حيث كتب: "أرى أنه من المذهل أن برمجيات المساعدة على وضع البراهين وصلت حاليًّا، في غضون فترة زمنية معقولة جدًّا، إلى هذا المستوى الذي يتيح لها التحقق رسميًّا من صحة البحوث الأساسية المعقدة".

ولعل المحور الذي سيكون الأهم بالرياضيات المكثّفة، حسب شولتزه وكلاوسن، هو وضع تعريف جديد لمفهوم الطوبولوجيا، وهو مفهوم يشكِّل ركنًا أساسيًّا بالرياضيات الحديثة. فكثير من الكائنات التي تدرسها الرياضيات يتسم بطوبولوجيا محددة؛ أي نوع من البِنى الذي يحدد أي الأجزاء من الكائن تكون قريبة من بعضها، وأيها ليس كذلك. وتوفّر الطوبولوجيا فكرة عن شكل الكائنات الرياضياتية، لكن بصورة أكثر مرونة من تلك الذي تشير إليها الهندسة التقليدية التي تُدرّس بالمدارس. ففي إطار الطوبولوجيا، يكون أي تحوُّل في شكل الكائن مقبولًا، طالما أنه لا يؤدي إلى تمزيقه إربًا. وعلى سبيل المثال، يكون أي مثلث مكافئًا طوبولوجيًّا لأي مثلث آخر – أو حتى لدائرة – ولكن ليس للخط المستقيم.

كما تلعب الطوبولوجيا دورًا حاسمًا في الهندسة، بل وفي التحليل الوظيفي أيضًا، الذي يعني دراسة الوظائف. كما أنها بالغة الأهمية لأنظمة الأعداد التي يُطلق عليها الأعداد التقاربية بتردد p، والتي تتمتع بطوبولوجيا "كسرية" عجيبة.

 

وحدة شاملة

في عام 2018 تقريبًا، بدأ شولتزه وكلاوسن يدركان أن المنهج التقليدي لتناول مفهوم الطوبولوجيا أدّى إلى ظهور أوجه تضارب بين هذه التخصصات الرياضياتية الثلاثة: الهندسة، والتحليل الوظيفي، والأعداد التقاربية بتردد p؛ في حين أن الارتكاز على أسس بديلة من شأنه سدّ تلك الفجوة، إذ يبدو أن كثيرًا مما جرى التوصل إليه في تلك المجالات له صوره مضاهية في المجالات الأخرى، بالرغم من أن هذه المجالات تتصدى ظاهريًّا لمفاهيم مختلفة تمام الاختلاف، إلا أنه فور وضع تعريف صحيح للطوبولوجيا، سيتضح أن أوجه التشابه بين نظريات المجالات الثلاثة تشير إلى الأمثلة نفسها من "الرياضيات المكثّفة"، حسب ما يفترضه الباحثان.

من هنا، يقول كلاوسن: "إنه ضرب من بناء وحدة شاملة بين المجالات الثلاثة".

بيد أنه ظلت هناك معضلة. ومن أجل تبيان شمول نظرية شولتزه وكلاوسن لمجال الهندسة، كان عليهما أن يثبتا مبرهنة تتسم بكثير من الجوانب الفنية، وتتناول مجموعة الأعداد الحقيقية العادية، التي تتسم بطوبولوجيا خط مستقيم. ويشرح يوهان كوملين ذلك قائلًا: "الأمر أشبه بمجموعة نظريات أساسية تسمح بإدراج الأعداد الحقيقية في إطار جديد".

بالاستعانة بحزمة برمجيات المساعَدة في وضع البراهين "لين"Lean ، يقوم المستخدمون بإدخال القضايا المنطقية الرياضية بناءً على قضايا ومفاهيم أبسط، موجودة بالفعل في مكتبة "لين". وتكون المحصلة النهائية شبكة معقدة، كما يتضح هنا في حال النتيجة الرئيسة التي توصّل إليها شولتزه وكلاوسن. وقد تم ترميز القضايا المنطقية لونيًّا، وتصنيفها حسب مجالات الرياضيات الفرعية التي تنتمي إليها.

بالاستعانة بحزمة برمجيات المساعَدة في وضع البراهين "لين"Lean ، يقوم المستخدمون بإدخال القضايا المنطقية الرياضية بناءً على قضايا ومفاهيم أبسط، موجودة بالفعل في مكتبة "لين". وتكون المحصلة النهائية شبكة معقدة، كما يتضح هنا في حال النتيجة الرئيسة التي توصّل إليها شولتزه وكلاوسن. وقد تم ترميز القضايا المنطقية لونيًّا، وتصنيفها حسب مجالات الرياضيات الفرعية التي تنتمي إليها.

كبر الصورة

Credit: Patrick Massot

ويتذكر كلاوسن كيف أن شولتزه عمل بعزم لا يفتر على وضْع هذا البرهان، حتى أنجزه معتمِدًا على قوة إرادته، وأثمرت جهوده عن الكثير من الأفكار المبتكرة في أثناء ذلك، فيقول بالرجوع بذاكرته إلى هذا الحدث: "كان هذا أعظم إنجاز رياضياتي شهدته في حياتي"، إلا أن الحجة التي استخدمها شولتزه في إثباته كانت بالغة التعقيد إلى حد أنه نفسه تخوَّف من احتمالية وجود ثغرة خفية من شأنها تقويض مساعيه برمّتها". ويقول كلاوسن معقبًا على ذلك: "بدا البرهان مقنعًا، بيد أن كل ما في الأمر أنه كان شديد الغرابة".

ومن أجل التحقق من صحة نتائجه، لجأ شولتزه إلى بازارد، زميله المتخصص في نظريات الأعداد، الذي له باع طويل في استخدام "لين" Lean، وهي حزمة من برمجيات المساعَدة في وضع البراهين. وجدير بالذكر أن حزمة "لين" ابتكرها في الأصل عالِم حاسوب من معهد أبحاث ميكروسوفت في ريدموند بولاية واشنطن الأمريكية، بغرض التحقق بدقة من خلو الأكواد الحاسوبية من الأخطاء البرمجية.

كان بازارد قد عكف على إدارة برنامج يمتد إلى عدّة سنوات، من أجل تكويد منهج الرياضيات الذي يدرسه الطلاب الجامعيون في كلية إمبريال كوليدج لندن بالكامل، وتلقيمه في حزمة "لين". وقد جرّب أيضًا تغذية الحزمة بمفاهيم رياضية أكثر تعقيدًا، بما في ذلك مفهوم "الفضاءات المثالية"، الذي ساعد على ترشيح شولتزه لحصد ميدالية "فيلدز" للاكتشافات فائقة التميز في الرياضيات في عام 2018.

وقد قاد كوملين - الذي كان بدوره متخصصًا في نظرية الأعداد - الجهود التي بُذلت للتحقق من صحة برهان شولتزه وكلاوسن. وقرّر كوملين مع شولتزه أن يُطْلِقا على مشروعهما الذي يَستخدِم حزمة برمجيات "لين" "تجربة الشادّة السائلة"، (Liquid Tensor Experiment)، تكريمًا لفرقة موسيقى الروك التقدمية "ليكويد تنشن إكسبريمنت" (Liquid Tension Experiment)، المولع بها عالِمَا الرياضيات.

وقد نشأ عن هذا المسعى تعاوُن بوتيرة محمومة على الإنترنت، انضم إليه حوالي اثني عشر عالِم رياضيات يتمتعون بخبرة في حزمة برمجيات "لين"، والتمس هذا الفريق البحثي المساعَدةَ من علماء الحاسوب خلال عملهم. وبحلول مطلع شهر يونيو الماضي، كان الفريق قد نجح تمامًا في نقل أساس برهان شولتزه – الجزء الذي أثار قلقه أكثر من غيره – إلى حزمة برمجيات "لين". وقد ثبتت صحة جميع تفاصيل هذا الأساس، إذ تمكنت حزمة البرمجيات من البرهنة عليه.

نحو فهْم أفضل

اشتملت حزمة برمجيات "لين" التي استُخدمت في التحقق من برهان شولتزه على عشرات الآلات من سطور الأكواد البرمجية، أي أنها كانت أطول من نسختها الأصلية بمائة مرّة، حسب قول كوملين، الذي استطرد قائلًا: "إذا تأملتَ الأكواد البرمجية لحزمة "لين"، ستجد صعوبة بالغة في فهْم البرهان، لا سيما بالطريقة التي صارت إليها هذه الأكواد الآن"، إلا أن الفريق البحثي يرى أن الجهود التي بُذلت في إثبات صحة البرهان على الحاسوب قد ساعدت الفريق في فهمه بصورة أفضل أيضًا.

تُعَد ريل من بين علماء الرياضيات الذين اختبروا قدرات برمجيات المساعَدة في وضع البراهين، بل وقامت بالتدريس عنها في بعض صفوف البرامج الجامعية. وبالرغم من أنها لا تَستخدِم هذه البرمجيات بصورة منتظمة في بحوثها، إلا أنها ترى أنها قد بدأت في حثها على تغيير منظورها إلى ممارسات وضْع المفاهيم الرياضية، وصياغة المبرهنات حول هذه المفاهيم وإثباتها، فتقول تعقيبًا على ذلك: "كنتُ في السابق أظن أن إثبات المبرهنات ووضع مفاهيمها مختلفان، والآن صرت أعتقد أنهما الشيء عينه".

ويذهب كثير من الباحثين إلى أنه من المستبعد أن تحلّ الآلات محل علماء الرياضيات في أي وقت قريب. يقول بازارد إن برمجيات المساعَدة على وضع البراهين لا تستطيع قراءة أحد مراجع الرياضيات، وتحتاج إلى قيام البشر بتزويدها بالمعطيات باستمرار، ولا تستطيع أن تقرر ما إذا كانت قضية منطقية رياضية مثيرة للاهتمام، أَم مؤثرة، إذ لا تستطيع إلا أن تبتّ في صحة هذه القضية . ويضيف بازارد قائلًا إنه برغم ذلك، ربما تتمكن الحواسيب عن قريب من إيضاح تداعيات الحقائق التي نعرفها، التي لم يتمكن علماء الرياضيات من ملاحظتها.

ويقول شولتزه إنه فُوجِئ بمدى التقدم الذي يمكن أن تحرزه برمجيات المساعدة في وضع البراهين، لكنه أعرب عن تشككه فيما إذا كانت ستواصل الإسهام بدور كبير في بحوثه، أَم لا. واختتم حديثه بقوله: "لا أستطيع حاليًّا أن أستشِفّ كيف قد تساعدني هذه البرمجيات في عملي الإبداعي، بوصفي عالِم رياضيات".