أنباء وآراء

دراسة ممتدَّة للاستجابة المناعية لمرض «كوفيد-19»

تحديد المدى الزمني للمناعة التي يكتسبها المتعافون من الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2» ضروري لفهم مسار الجائحة، والتنبُّؤ بتطوراتها. وتشير دراسات إكلينيكية إلى أن المناعة سوف تكون طويلة الأمد.

أندرياس رادبروخ، وهيون-دونج تشانج

  • Published online:

من أجل السيطرة على جائحة «كوفيد-19»، وحماية الفئات المعرَّضة للإصابة بأعراض المرض الحادة، والحدِّ من انتشار فيروس «سارس-كوف-2» المسبِّب له، لا بد لأجسامنا من اكتساب مناعة ضد هذا الفيروس. يوفر الجهاز المناعي هذه الحماية إما عن طريق الاشتباك المعقَّد مع الفيروس عند الإصابة به، أو الاستجابة لأحد اللقاحات. ومن بين الأسئلة المحورية التي تُطرَح في هذا الصدد، سؤالٌ يتعلق بالمدى الزمني لاستمرار هذه المناعة. وللإجابة عن هذا السؤال، أعدَّ فريقان من الباحثين (يقود الأول جاكسون تيرنر1 وتقود الثاني زيجون وانج2 دراستين تقدِّمان توصيفًا للاستجابات المناعية البشري لدى المصابين بالفيروس على مدى عام.

ثمة نقاش دائر بشأن أي الجوانب من استجابة الجهاز المناعي لفيروس «سارس-كوف-2» هي ما يمكن اعتبارها العناصر الفاعلة في تكوين مناعة ضده (أو، بعبارة أخرى، العناصر المرتبطة بتوفير حماية مناعية). ومع هذا، فإن إجماعًا يكاد أن ينعقد على أنَّ الركنين الأساسيين في استجابة الجسم للفيروس يتمثلان في خلايا مناعية تُدعَى «خلايا تي القاتلة»، التي تستطيع القضاء على الخلايا المصابة بصورةٍ انتقائية؛ والأجسام المضادة المحيِّدة، وهي نوع من الأجسام المضادة يمنع الفيروسات من إصابة الخلايا، وتُفرَز هذه الأجسام بواسطة الخلايا المناعية التي تُعرَف بخلايا البلازما. أما الركن الثالث، الذي ترتكز عليه الاستجابة المناعية الفعّالة، فيتمثل في إنتاج «الخلايا التائية المساعِدة»، وهي خلايا مختصة بكل فيروسٍ على حِدة، ومسؤولة عن تنسيق الاستجابة المناعية. ولهذه الفئة الأخيرة من الخلايا أهمية كبرى في توليد الذاكرة المناعية، وبصفةٍ خاصةٍ في عملية تنظيم إنتاج خلايا البلازما طويلة الأجل3، التي تستمر في إفراز الأجسام المضادة للفيروس حتى بعد زواله.

على أنَّ الذاكرة المناعية ليست نسخة طويلة الأمد من الاستجابة المناعية الفورية ضد فيروس بعينه؛ وإنما تمثل وظيفةً منفصلة من وظائف الجهاز المناعي. ففي المرحلة التي يتذكَّر فيها الجسم إحدى الاستجابات المناعية، تكون الخلايا البائية والتائية المختصة بصَد فيروس بعينه مستقرة في وضع الخُمول، ولكنها مهيَّأة لأنْ تنشط إذا ما عاود الفيروس مهاجمة الجسم، أو تلقَّى الشخص اللقاح الذي يقوم مقام هذا الفيروس. تنشأ هذه الخلايا البائية والتائية الذاكرة عن الخلايا التي نشطت في أثناء الاستجابة المناعية الأوّلية للعدوى. في تلك المرحلة، تخضع الخلايا لتغيرات في الحمض النووي الكروموسومي، تُعرف بالتعديلات فوق الجينية (epigenetic modifications)، التي تمكِّن هذه الخلايا من التفاعل السريع مع المؤشرات اللاحقة لتكرار الإصابة، وتوجيه عناصر الاستجابة المناعية المُهيَّأة للقضاء على العامل المسبِّب للمرض4 تضطلع الخلايا البائية بدور مزدوج في الاستجابة المناعية؛ فهي – من ناحية – تُنتج أجسامًا مضادة يمكنها التعرف على بروتينات الفيروسات، ومن ناحية ثانية، يمكنها أن تقدم أجزاءً من هذه البروتينات لخلايا تائية محددة، أو أن تتحوَّل إلى خلايا بلازما، قادرة على إفراز الأجسام المضادة بكميات كبيرة. وقد اكتشف العلماء، قبل 25 عامًا تقريبًا5 أن خلايا البلازما يمكنها أن تتحول إلى خلايا ذاكرة، لتفرز أجسامًا مضادة كفيلة بتأمين وقاية طويلة الأمد؛ إذ يمكن لخلايا البلازما الذاكرة أن تبقى في نخاع العظم لعقود، أو حتى مدى الحياة6.

ولعلَّ وجود خلايا البلازما طويلة الأجل، القادرة على إفراز الأجسام المضادة داخل النخاع العظمي، هو المؤشر الأفضل على وجود مناعة ممتدة. وفي حالة فيروس «سارس-كوف-2»، ركَّزَت أغلب الدراسات حتى الآن على تحليل المرحلة العنيفة من الاستجابة المناعية، وهي المرحلة التي تقتصر على بضعة أشهر بعد الإصابة بالعدوى، ومراقبة الخلايا التائية والبائية والأجسام المضادة المُفرَزة7. ومع ذلك، لم يتضح من تلك الدراسات إنْ كانت الاستجابة لهذا الفيروس تُنتج خلايا البلازما الذاكرة طويلة الأجل، التي تفرز أجسامًا مضادة له.

ومن هذا المنطلق، أقدَمَ تيرنر وزملاؤه على استكشاف خلايا البلازما الذاكرة، التي تفرِز أجسامًا مضادة، في النخاع العظمي للمتعافين من مرض «كوفيد-19» (الأشخاص الذين يمرون بفترة النقاهة). ولما كانت خلايا البلازما الذاكرة نادرةً في العموم، فإن تلك الخلايا التي تختص بفيروس بعينه ستكون بطبيعة الحال شديدة الندرة. ورغم ذلك، رصد فريق الباحثين خلايا البلازما الذاكرة التي تفرز أجسامًا مضادة للبروتين الشوكي، الذي يحمل الشفرة الجينية لفيروس «سارس-كوف-2»، لدى 15 شخصًا من بين 19 سبق أن أصيبوا بالعدوى، بعد انقضاء سبعة أشهر تقريبًا على الإصابة. ومن الجدير بالملاحظة أنه عندما فحص الباحثون عيِّنات دمٍ مأخوذة من المشاركين بعد مُضيّ أربعة أشهر على هذا التاريخ (أي بعد مرور 11 شهرًا على الإصابة بالفيروس)، وجدوا أن عدد خلايا البلازما ظلَّ ثابتًا في جميع المشاركين، عدا شخصًا واحدًا. وقد لوحظ أن أعداد تلك الخلايا لم تشهد زيادةً سريعة؛ الأمر الذي يدل على أنها خلايا بلازما ذاكرة حقيقية؛ فقد كانت أعدادها مساوية لخلايا البلازما الذاكرة التي يُعثَر عليها عادةً في جسم الشخص بعد تلقي لقاح التيتانوس أو الدفتيريا، اللَّذَين يوفران مناعة ممتدة في مواجهة هذين المرضَين.

عندما راقب تيرنر وفريقه تركيزات الأجسام المضادة لفيروس «سارس-كوف-2» في عيّنات الدم المأخوذة من المشاركين في الدراسة خلال مدة زمنية تصل إلى عام كامل، رصدوا نمطًا ثنائيَّ الطور (الشكل 1). ففي أثناء الاستجابة المناعية العنيفة، التي صاحبَتْ الإصابة بالعدوى في بدايتها، لوحظ أن تركيزات الأجسام المضادة كانت مرتفعة. تبِع ذلك انخفاضٌ في هذه التركيزات، كما كان متوقَّعًا، نظرًا إلى قِصَر عمر أغلب خلايا البلازما الناجمة عن الاستجابة المناعية العنيفة. وبعد بضعة أشهر، استقرت تركيزات الأجسام المضادة، وظلت ثابتة عند 10-20% تقريبًا من أقصى قيمة مرصودة من الأجسام المضادة في الجسم. تتسق هذه النتيجة مع الفرضية القائلة بأن نسبة خلايا البلازما الذاكرة تبلغ 10-20% من خلايا البلازما المتولِّدة عن الاستجابة المناعية العنيفة5، فيما يُعَد دليلًا جليًّا على حدوث تحوُّل في إنتاج الأجسام المضادة من خلايا البلازما قصيرة الأجل إلى إنتاجها بواسطة خلايا البلازما الذاكرة. وليس هذا بالأمر المفاجئ؛ بالنظر إلى أن الذاكرة المناعية الناتجة عن كثيرٍ من الفيروسات واللقاحات تظل ثابتة على مدار عقود، أو ربما مدى الحياة8.

الشكل 1│ الاستجابة المناعية للإصابة بفيروس «سارس-كوف-2» تتزايد البيانات التي تسلط الضوء على الجوانب الممتدة من استجابة الجهاز المناعي البشري للإصابة بفيروس كورونا. وأحد مكونات هذه الاستجابة يتمثل في الأجسام المضادة التي تستهدف البروتينات الفيروسية (الخط الأحمر). في أثناء المرحلة الأولية، العنيفة، من الاستجابة المناعية، تبلغ مستويات الأجسام المضادة ذروتها سريعًا، إذ تفرزها خلايا مناعية قصيرة الأجل، تُعرف بخلايا البلازما. يقدم تيرنر وزملاؤه1 أدلة إكلينيكية، من أشخاص سبق أن أصيبوا بمرض «كوفيد-19»، على أن خلايا البلازما الذاكرة طويلة الأجل، التي تفرز أجسامًا مضادة، تُنتَج داخل نخاع العظم. تستطيع هذه الخلايا إنتاج الأجسام المضادة لفترةٍ ممتدة، مما يحقق قدرًا من الوقاية يستقرُّ عند 10% إلى 20% من كم الأجسام المضادَّة التي تُرصَد في أثناء المرحلة العنيفة من الاستجابة المناعية (الخط الأزرق). خلايا البلازما الذاكرة هي نوع من الخلايا يمكن أن يبقى في الجسم أعوامًا عدة، أو حتى مدى الحياة8. وقد ضمَّنت وانج وزملاؤها2 دراستهم توصيفًا لسلوك الأجسام المضادة في الفترة بين ستة أشهر وعام لدى الأشخاص المتعافين من الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»؛ وانتهوا إلى نتائج تقدِّم دليلًا إضافيًا على تولُّد ذاكرة مناعية ضد هذا الفيروس.

الشكل 1│ الاستجابة المناعية للإصابة بفيروس «سارس-كوف-2» تتزايد البيانات التي تسلط الضوء على الجوانب الممتدة من استجابة الجهاز المناعي البشري للإصابة بفيروس كورونا. وأحد مكونات هذه الاستجابة يتمثل في الأجسام المضادة التي تستهدف البروتينات الفيروسية (الخط الأحمر). في أثناء المرحلة الأولية، العنيفة، من الاستجابة المناعية، تبلغ مستويات الأجسام المضادة ذروتها سريعًا، إذ تفرزها خلايا مناعية قصيرة الأجل، تُعرف بخلايا البلازما. يقدم تيرنر وزملاؤه1 أدلة إكلينيكية، من أشخاص سبق أن أصيبوا بمرض «كوفيد-19»، على أن خلايا البلازما الذاكرة طويلة الأجل، التي تفرز أجسامًا مضادة، تُنتَج داخل نخاع العظم. تستطيع هذه الخلايا إنتاج الأجسام المضادة لفترةٍ ممتدة، مما يحقق قدرًا من الوقاية يستقرُّ عند 10% إلى 20% من كم الأجسام المضادَّة التي تُرصَد في أثناء المرحلة العنيفة من الاستجابة المناعية (الخط الأزرق). خلايا البلازما الذاكرة هي نوع من الخلايا يمكن أن يبقى في الجسم أعوامًا عدة، أو حتى مدى الحياة8. وقد ضمَّنت وانج وزملاؤها2 دراستهم توصيفًا لسلوك الأجسام المضادة في الفترة بين ستة أشهر وعام لدى الأشخاص المتعافين من الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»؛ وانتهوا إلى نتائج تقدِّم دليلًا إضافيًا على تولُّد ذاكرة مناعية ضد هذا الفيروس.

كبر الصورة

في حالة الفيروس «سارس-كوف»، وهو أحد فيروسات كورونا شديدة الشبه بفيروس «سارس-كوف-2»، اكتُشِف في الأصل في عام 2003، ويسبِّب الإصابة بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، ظلت الأجسام المضادة المحيِّدة موجودة بمستويات عالية في عيّنة الدم لأكثر من 17 عامًا، حسبما ورَد في دراسة9 نُشرت في عام 2020. وتشير النتائج التي توصَّلت إليها وانج وفريقها إلى أنَّ مناعةً طويلة الأمد يمكن أن تتولَّد ضد «سارس-كوف-2» أيضًا. أفاد الباحثون بإجراء دراسة تتبُّعية للأجسام المضادة في عينة الدم والخلايا البائية الذاكرة، المتولِّدة إثر الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»، بعد عام تقريبًا من تاريخ الإصابة. كان الفريقُ قد أخضع المشاركين في الدراسة، في وقتٍ سابق، للفحص بعد مرور ستة أشهر على الإصابة10. غير أن الباحثين رصدوا الآن – والآن فقط، بعد مُضي عامٍ على الإصابة – حدوث تحوُّل من الاستجابة المناعية العنيفة إلى إنتاج ذاكرة مناعية.

أثبتَتْ وانج وزملاؤها أن تركيز الأجسام المضادة المحيِّدة بقي ثابتًا دون تغيير بعد الإصابة لفترة تراوحت بين 6 أشهر و12 شهرًا. بل لوحظ كذلك أن الاستجابة المناعية العنيفة قد امتدَّت لما يزيد على ستة أشهر، وفقًا لما أشار إليه التحليل الذي أجراه المؤلفون على الخلايا البائية الذاكرة، التي تتولَّد عند الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2»، في دم الأشخاص المتعافين على مدار عام. تستمر هذه الخلايا في تحسين قدرة الأجسام المضادة للفيروس على التفاعل، عن طريق عملية تُعرف بالتطفُّر الجسدي المفرط (somatic hypermutation). برهن الباحثون على هذه النتيجة بإجراء اختبارات معمليّة لقياس قدرة الأجسام المضادة على تحييد عددٍ من سلالات «سارس-كوف-2» المتحوِّرة.

أوضحت وانج وفريقها أنه يمكن تعزيز المناعة المتولِّدة لدى المتعافين عن طريق تطعيمهم بعد عام. فعندما اتُّبع هذا الإجراء مع المشاركين في الدراسة، أسفر ذلك عن إنتاج مزيد من خلايا البلازما، مصحوبًا بزيادة في مستوى الأجسام المضادة للفيروس حتى 50 ضعفًا لمستواها قبل التطعيم. وأكبر الظن أن نسبةً من خلايا البلازما سوف تتحوَّل إلى خلايا البلازما الذاكرة، إلا أن ذلك لم يثبُت بصورةٍ قطعية، كما لم تَثبُت إلى الآن فعالية اللقاحات المقاوِمة للفيروس في حثِّ الجسم على توليد ذاكرة مناعية مستقرة وممتدة.

عند تقييم فعالية أحد اللقاحات، ينبغي ألا ننتظر الحصول على تركيزات مرتفعة من الأجسام المضادة، الناجمة عن التفاعلات المناعية العنيفة، في مرحلة توليد الذاكرة المناعية11 ثمة اعتقاد قديم خاطئ، يقول به الداعون إلى إعادة التطعيم مرارًا، بأن تركيزات الأجسام المضادة في أثناء عمليات التفاعل المناعي العنيفة يمكن أن تُقارَن بالمستويات التي يصل إليها الجسم في مرحلةٍ لاحقة، لحساب العمر النصفي المتخيَّل للمناعة القائمة على الأجسام المضادة. إن هذا الاعتقاد يتجاهل سمةً مميِّزة للاستجابة المناعية: وهي أنها ثنائية الطور، أي تمرُّ بمرحلتين متمايزتين (الشكل 1).

ما يدعو للتفاؤل أن الأدلة العلمية المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الإصابة بفيروس «سارس-كوف-2» تستحثُّ الجسم على توليد مناعة ممتدَّة لدى غالبية الأشخاص. ولنا أن نرى في هذا نتيجةً إيجابية تبعث على الاستبشار، بانتظار مزيد من البيانات المتعلقة بالذاكرة المناعية الناتجة عن تلقِّي اللقاحات.

References

  1. Turner, J. S. et al. Nature 595, 421–425 (2021). | article
  2. Wang, Z. et al. Nature 595, 426–431 (2021). | article
  3. Crotty, S., Kersh, E. N., Cannons, J., Schwartzberg, P. L. & Ahmed, R. Nature 421, 282–287 (2003). | article
  4. Löhning, M., Richter, A. & Radbruch, A. Adv. Immunol. 80, 115–181 (2002). | article
  5. Manz, R. A., Thiel, A. & Radbruch, A. Nature 388, 133–134 (1997). | article
  6. Chang, H.-D. & Radbruch, A. Eur. J. Immunol. https://doi.org/10.1002/eji.202049012 (2021). | article

  7. Sette, A. & Crotty, S. Cell 184, 861–880 (2021). | article

  8. Amanna, I. J., Carlson, N. E. & Slifka, M. K. N. Engl. J. Med. 357, 1903–1915 (2007). | article
  9. Anderson, D. E. et al. Emerg. Microbes Infect. 9, 900–902 (2020). | article
  10. Gaebler, C. et al. Nature 591, 639–644 (2021). | article
  11. Hammarlund, E. et al. Nature Commun. 8, 1781 (2017). | article