أنباء وآراء

كشف الغطاء عن أحد مظاهر الجوع الخفية في أفريقيا

يمكن لنظام غذائي يحتوي على كميات غير كافية من العناصر الغذائية الصغرى أن يضر بصحة الإنسان. وتتيح الآن الخرائط التي تسلط الضوء على مناطق القارة الأفريقية المرتبطة بإنتاج الغلال الفقيرة من حيث العناصر الغذائية الصغرى بها، وسيلة لتوجيه التدخلات الرامية إلى معالجة حالات نقص التغذية تلك.

كين إي جيلر، وشامي زينجور

  • Published online:

يُعَد الحصول على طعام كافٍ وآمنٍ ومغذٍّ من أجل نظام غذائي صحي حقًّا أساسيًّا من حقوق الإنسان، كما أن القضاء على الجوع يقع على رأس جدول أعمال خطة الاستدامة العالمية. ومع اقتراب مؤتمر قمة الأمم المتحدة للنظم الغذائية، المقرر عَقْده في وقت لاحق من العام الجاري، من الضروري أن يتحول النقاش حول الأمن الغذائي العالمي من التركيز على منظور ضيق يُعنى بتوفير غذاء ذي سعرات حرارية كافية إلى النظر في كيفية توفير الكميات المناسبة المطلوبة من المواد الغذائية المختلفة. ومن بين التحديات المتعلقة بهذه المسألة، مشكلة لا يتم تسليط الضوء عليها كثيرًا، ألا وهي قضية "الجوع الخفي"، الذي يشير إلى نقص في بعض العناصر الغذائية الصغرى (ألا وهي المعادن، والفيتامينات)، وهي مشكلة سائدة في عديد من بلدان القارة الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى. من هنا، يقدم الباحث داود جاشو وفريقه البحثي1 في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature خرائط لدولتَي إثيوبيا ومالاوي، تسلط الضوء على البؤر الساخنة الأكثر عرضة لخطر نقص العناصر الغذائية الصغرى لدى البشر، المرتبط بما يتناولونه من الحبوب، وذلك على المستوى المحلي. وهذه المعلومات، التي حصل عليها الباحثون عن طريق قياس نسبة المعادن في غلال الحبوب وأنواع التربة التي نَمَت فيها تلك الحبوب، تهدف إلى توسيع نطاق الخيارات المتاحة عند تحديد التدخلات المطلوبة لتعزيز صحة البشر.

يؤثر نقص العناصر الغذائية الصغرى بالسلب على نمو النباتات، والحيوانات، والبشر على حد سواء. وتتأثر النساء والأطفال بدرجات متفاوتة2 بهذا النقص، نتيجة لاحتياجاتهم الغذائية، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الجائرة التي يمكن أن يصادفوها. فعندما يسبب الجوع الخفي مشكلات صحية في الطفولة المبكرة، ويؤدي إلى إضعاف قدرة الطفل على التعلم3، قد تكون لذلك عواقب سلبية تستمر مدى الحياة. وكما هو الحال فيما يخص جميع المشكلات التي تتعلق بالصحة، فإن التشخيص الصحيح يُعَد الخطوة الأولى نحو التوصل إلى علاج فعال. رغم ذلك، فبحلول الوقت الذي تتضح فيه الاضطرابات الصحية الناتجة عن نقص العناصر الغذائية الصغرى، يكون الضرر قد وقع بالفعل. ولذلك، فمن الضروري تطوير وسائل يمكن عن طريقها التنبؤ بالجوانب التي يُحتمَل أن تطرأ المشكلات فيها.

يتطلب التقييم المباشر لنقص العناصر الغذائية الصغرى لدى البشر أخذ عينات من الدم، وهي مهمة معقدة في الدراسات السكانية واسعة النطاق التي تغطي مناطق جغرافية واسعة. وعوضًا عن ذلك، يجري في المعتاد تقييم المدخلات من العناصر الغذائية الصغرى بشكل غير مباشر على أساس نظام غذائي تقليدي، وباستخدام جداول المحتويات الغذائية التي توضح نسب العناصر الغذائية الصغرى في الأغذية. مع ذلك، فإن هذا النهج مربك، نتيجة لتباين جودة الغذاء على مستوى المناطق.

وقد أصبح الارتباط بين نقص العناصر الغذائية الصغرى في التربة والتأثيرات الغذائية لذلك على صحة الإنسان موضع اهتمام بحثي متزايد، بسبب الصلات المحتمَلة بين التربة، والنباتات، والحيوانات، وصحة الإنسان. وتتسم الأدلة التجريبية على ذلك الارتباط في المناطق الأكثر تضررًا من نقص العناصر الغذائية الصغرى بأنها متباينة وغير راسخة. فهل يمكننا التنبؤ باحتمالية وجود ضرب من الجوع الخفي، استنادًا إلى خصائص التربة؟ تناول جاشو وزملاؤه، الذين يمثلون جزءًا من فريق كبير من علماء التربة والإحصائيين، هذا السؤال على نطاق محلِّي عبر كل من إثيوبيا، ومالاوي. وأخذ الباحثون عينات من غلال الحبوب من آلاف الحقول الزراعية من مواقع اختيرت لتكون ممثِّلة لمناطق جغرافية واسعة.

وتغلَّب الباحثون على تحديات لوجستية كبيرة لإجراء هذا البحث على امتداد مناطق شاسعة ضمن إطار زمني قصير يحل في موعد قريب من موسم الحصاد. وطحن الباحثون عينات الحبوب التي حصلوا عليها، وحللوها لتحديد تركيزات الكالسيوم، والحديد، والسيلينيوم، والزنك بها. فهذه العناصر الأربعة هي العناصر الغذائية الصغرى الرئيسة، التي غالبًا ما لا تتوفر بكمية كافية في النظام الغذائي للإنسان.

وجدير بالذكر، أن غلال الحبوب الأكثر استهلاكًا في إثيوبيا هي القمح والتيف، حيث يُعَد التيف (Eragrostis tef، في الشكل 1) من الغلال صغيرة البذور. وقد أشارت الدراسة التي أجراها الباحثون عن إثيوبيا إلى أن القمح والتيف يمكن أن يسهما معًا بنسبة تصل إلى ربع الكمية المُوصى بها من الكالسيوم الغذائي المطلوب. وعلى النقيض من ذلك، وجد الباحثون أن الذُّرة، وهي محصول الحبوب الأساسي في مالاوي، يمكن أن توفر نسبة تبلغ 3% فقط، أو أقل، من الكالسيوم الغذائي الضروري. كذلك توفر الذُّرة أقل من ربع الكمية اللازمة من السيلينيوم، ونصف كمية الحديد، وثلاثة أرباع كمية الزنك المطلوبة. وكشفت عملية وضع هذه الخرائط عن تباين كبير في تركيزات العناصر الغذائية الصغرى في الحبوب، اتضح معها تزايد احتمالية أن يؤدي تناوُل الحبوب، إذا كانت تمثل جزءًا من نظام غذائي يفتقر إلى التنوع، إلى نقص في العناصر الغذائية الصغرى لدى البشر في بعض مناطق البلدان التي شملتها الدراسة.

الشكل 1: حصاد حبوب التيف (Eragrostis tef) في إثيوبيا.

الشكل 1: حصاد حبوب التيف (Eragrostis tef) في إثيوبيا.

Credit: Alamy

للوهلة الأولى، قد يتوقع المرء أنه يمكن وضع خريطة لأنماط نقص التغذية تلك ببساطة عن طريق البحث عن أنواع التربة التي تعاني نقصًا في العناصر الغذائية الصغرى، وذلك بالنظر إلى أن هناك خرائط تفصيلية وُضعت بالفعل لتربة القارة الأفريقية. بيد أن المسألة – لسوء الحظ - ليست بهذه البساطة. كذلك مِن بين المشكلات الرئيسة تحديد الوفرة البيولوجية لهذه العناصر، التي تكون في العموم غير قابلة للذوبان، إلا بشكل محدود للغاية.

ورغم عقود من البحث، ما زلنا نفتقر إلى اختبارات فعالة لقياس تركيزات العناصر الغذائية الصغرى في التربة. فما السبب؟ أولًا، تعتمد الوفرة البيولوجية للعناصر الغذائية الصغرى على تركيبها الكيميائي، وعلى حالتها من حيث التأكسد، ففي التربة المُشبَّعة بالأكسجين (الهوائية)، يوجد عديد من العناصر الغذائية الصغرى في صورة مركبات غير قابلة للذوبان. ثانيًا، تمتص النباتات المغذيات بشكل انتقائي، حيث تُمتص بعض المغذيات الأساسية بقوة، رغم وجودها بتركيزات منخفضة للغاية في التربة. كذلك فإن النباتات قادرة على تجنب امتصاص الكميات السامة من المغذيات. ولعل خير مثال على ذلك هو الحديد، الذي يتوفر بغزارة في التربة، والذي تمنح أكاسيده التربة الاستوائية لونها البرتقالي الداكن فائق الجمال. وتكون معظم كميات الحديد تلك في صورة غير قابلة للذوبان، ولا تمتصها النباتات إلا بكميات ضئيلة فحسب.

وبمجرد أن تدخل المغذيات إلى النبات، يمكن أن تنتقل فيه بطرق متنوعة، تؤثر في ما إذا كانت تلك المغذيات تغدو من مواد النبات الأساسية التي يتم تناوُلها، أم لا. فتمتص النباتات الكالسيوم فقط في المواقع القريبة من طرف جذورها النامية، لأن هذا النوع من العناصر الغذائية الصغرى لا يمكنه عبور الطبقات الخلوية (أي الأدمة الباطنية المتحوَّلة إلى نسيج فلِّيني) الموجودة في الجذور الناضجة. من جهة أخرى، ينتقل الكالسيوم والحديد في أوعية النسيج الخشبي فقط، التي تحملهما نحو الأوراق النامية وطرف النبات، ولا يمكن إعادة تجميعهما واستخدامهما في أي مكان آخر من النبات. وثمَّة أجزاء معينة من النباتات، كالحبوب، على سبيل المثال، أو أعضاء التخزين مثل الدرنات، تحتوي على نسبة عالية من النشا، التي تتكون من السكريات التي تُنقَل إلى هناك عن طريق نسيج اللحاء. لذا، تُعد الخضراوات الورقية، جنبًا إلى جنب مع الأغذية التي تعود إلى مصادر حيوانية (مثل اللحوم، والحليب، والبيض)، ذات أهمية بالغة في توفير الكالسيوم والحديد في أنظمتنا الغذائية، لأن هذين العنصرين الغذائيين لا يمكن امتصاصهما بسهولة في الحبوب.

وتحتوي المحاصيل الأساسية، مثل الحبوب، والجذور، والدرنات، التي يجري تناوُلها بكميات كبيرة لتوفير الطاقة، على كميات صغيرة فقط من العناصر الغذائية الصغرى. إضافة إلى ذلك، أثناء إجراء عملية المعالجة لتنقية الدقيق، يمكن أن تُنزَع العناصر الغذائية الصغرى الموجودة به. كما تحتوي بعض الحبوب والأغذية الأخرى على جزيئات، مثل الفيتات، التي تقلل من الوفرة البيولوجية للعناصر الغذائية الصغرى. لذا، فإن الوفرة البيولوجية للمغذيات في أمعاء الإنسان تُعَد أيضًا عاملًا رئيسًا، وليست غلال الحبوب التي درسها جاشو وزملاؤه سوى جزء فقط من أنظمتنا الغذائية المعقدة.

ويمكن لعملية تقييم الطبقة الصخرية الكامنة أسفل التربة أن تمنحنا مؤشرات حول العناصر الغذائية الصغرى الموجودة فيها، لكن طرق إدارة الزراعة المتبعة تقلل من فعالية استخدام مثل هذه التقييمات. ويمكن أيضًا أن تَكُون للأنشطة البشرية آثار إيجابية أو سلبية على التربة، حيث تؤدي الجهود المبذولة، مثل إضافة السماد الحيواني، إلى زيادة تراكم المواد العضوية وتحسين جودة التربة، في حين أن زراعة المحاصيل باستمرار دون تجديد مغذيات التربة تقلل من خصوبتها. وفي أوضاع استثنائية، يمكن أن يختلف محتوى الكربون في التربة بمعدل ثلاثة أضعاف فيما بين الحقول الواقعة في مزرعة واحدة من المزارع الصغيرة4. وتُعد المواد العضوية التي تتألف منها التربة مصدرًا أساسيًّا للعناصر الغذائية الصغرى، كما تساعد على التحكم في خصائص التربة التي تعمل على تحسين وفرة العناصر الغذائية الصغرى لكي تمتصها المحاصيل الزراعية5. وبصرف النظر عن المزارع، فقد أدى فقدان الغابات في إثيوبيا إلى انخفاض في التنوع الغذائي6 .

وتوفِّر الخرائط التفصيلية التي وضعها جاشو وزملاؤه أساسًا قويًّا لتحديد واختيار التدخلات الرامية إلى التصدي لصور الجوع الخفي في المستقبل. وقد أفاد الباحثون بأن المعلومات الخاصة بدرجة حموضة التربة (pH) قد أتاحت وسيلة للتنبؤ بتركيزات السيلينيوم في الحبوب. رغم ذلك، كانت العلاقة بين درجة الحموضة وتركيزات الزنك في الحبوب أقل إحكامًا. وقد ارتبط مستوى المادة العضوية في التربة على نحو مطرد بتركيزات الزنك في الحبوب. لذلك، يبدو من المرجَّح أن تحليل التربة التي تُزرَع فيها المحاصيل لا يمكن أن يكون بديلًا عن التحليل المباشر لتركيزات العناصر الغذائية الصغرى في الحبوب. وجدير بالذكر، أن إثيوبيا ومالاوي تقعان في جهتين متقابلتين من الوادي المتصدع في شرق أفريقيا، ومن ثم تتميزان بتربة حديثة نسبيًّا نتجت عن دفع الصفائح التكتونية إلى أعلى. ومن المحتمل أن يكون شيوع الدرجات الشديدة من نقص العناصر الغذائية الصغرى مرتبطًا بأنواع التربة الأقدم والأكثر تعرضًا لعمليات التجوية،  التي تغطي كثيرًا من أجزاء القارة الأفريقية.

وثمَّة دليل واضح على وجود صلة بين تركيزات العناصر الغذائية الصغرى في الحبوب والكميات التي يتناولها البشر، لكن من الصعب إثبات الآثار المباشرة لهذه المعززات الغذائية على الصحة. على سبيل المثال، بالإضافة إلى مسألة الوفرة البيولوجية المطروحة للنقاش، يجدر بنا أن نأخذ في الاعتبار أن كثيرًا مما يستهلكه الناس يأتي من الأسواق المحلية، وليس من حقولهم الخاصة.

وربما يمكن التصدي لصور الجوع الخفي من خلال مجموعة متنوعة من التدخلات المُوجَّهة والمحددة، التي تنطلق من عمل جاشو وزملائه. إن إثراء التربة من خلال الاستخدام المتوازن للأسمدة، جنبًا إلى جنب مع إدارة المواد العضوية في التربة، يُشكِّل أساسًا للتعزيز البيولوجي للزراعة7 وقد خُصِّص قدر كبير من البحوث لتطوير نُهُج للتعزيز البيولوجي للزراعة قائمة على علم الجينات، وذلك من خلال تحديد أنواع المحاصيل الغنية بالعناصر الغذائية الصغرى، كما أن اكتشاف آليات تستطيع النباتات من خلالها تجميع العناصر الغذائية الصغرى يبشر بنتائج واعدة8، لكنْ هناك مسار آخر مباشِر أكثر، يمكن من خلاله تخفيف جوانب حالات نقص التغذية تلك، وهو يتمثل في إضافة مكملات غذائية من العناصر الغذائية الصغرى بشكل مباشر إلى المواد الغذائية. ومع ذلك، قد تتمثل أفضل الفرص للتخفيف من نقص العناصر الغذائية الصغرى في تنويع النظم الغذائية لزيادة استهلاك البقوليات، والخضراوات، والأغذية ذات المصادر الحيوانية التي تحتوي على مستويات عالية من المعادن والفيتامينات.

References

  1. Gashu, D. et al. Nature 594, 71–76 (2021). | article
  2. Independent Expert Group. 2020 Global Nutrition Report: Action on Equity to End Malnutrition Ch. 2 (Development Initiatives Poverty Research Ltd, 2020); https://globalnutritionreport.org/reports/2020-global-nutrition-report 
  3. UNICEF. The State of the World’s Children 2019. Children, Food and Nutrition: Growing Well in a Changing World (UNICEF, 2019); https://www.unicef.org/reports/state-of-worlds-children-2019 
  4. Zingore, S., Murwira, H. K., Delve, R. J. & Giller, K. E. Agric. Ecosyst. Environ. 119, 112–126 (2007). | article
  5. Wood, S. A. & Baudron, F. Agric. Ecosyst. Environ. 266, 100–108 (2018). | article
  6. Baudron, F., Duriaux Chavarría, J.-Y., Remans, R., Yang, K. & Sunderland, T. Ecol. Soc. 22, 28 (2017). | article
  7. de Valença, A. W., Bake, A., Brouwer, I. D. & Giller, K. E. Global Food Sec. 12, 8–14 (2017). | article
  8. Lilay, G. H. et al. Nature Plants 7, 137–143 (2021). | article

كين إي جيلر يعمل في قسم علوم النبات بجامعة ومركز بحوث واجينينجِن، واجينينجين 6700AK، هولندا.

شامي زينجور يعمل في المعهد الأفريقي لتغذية النباتات، بن جرير 41350، المغرب.

البريد الإلكتروني: ken.giller@wur.nl وs.zingore@apni.net