أنباء وآراء

دراسةٌ لأشجار الغابات الإفريقية تُنبئنا بما قد يحمله لها المستقبل 

كَشَف تحليلٌ لستة ملايين شجرة أنَّ هناك أنماطًا مكانية تحدد مدى عرضة الغابات المطيرة بوسط إفريقيا للتأثر بالتغير المناخي والأنشطة البشرية. والخرائط الناتجة عن هذا التحليل قد يمكن الاسترشاد بها في  الإجراءات الموجهة العابرة للحدود بين الدول. 

ماريون فايفر، وديو دي. شيريما

  • Published online:

تُعَد المحافَظة على التنوع البيولوجي للغابات المطيرة، والحدّ من تأثيرات التغير المناخي عليها، تَحَدِّيَين عالَميَّين تقرّهما اتفاقات السياسات الدولية وتعهداتها1. وتُعد الغابات المطيرة بوسط أفريقيا ثاني أكبر غابةٍ مطيرة متصلة في العالَم، بعد غابات الأمازون المطيرة. وتخزن هذه الغابات الإفريقية كميةً من الكربون لكل هكتار تفوق تلك التي تخزِّنها غابات الأمازون، كما أنَّ متوسط كثافة الأشجار الضخمة2 بها يفوق أي قارةٍ أخرى، وهي خاصية تُعزى إلى تأثيرات آكلات العشب الضخمة، وبالأخص الفِيَلَة، على المنافسة القائمة بين الأشجار هناك في سبيل الحصول على الضوء، والماء، والمساحة3. بيد أن الأنشطة البشرية، لا سيما قَطْع الأشجار، والصيد الجائر (وهي أنشطة تسهِّلها شبكات الطرق الآخذة في التوسع4) تشكل خطرًا بالغًا على الغابات المطيرة الواقعة في وسط إفريقيا، وما تحققه من منافع للمجتمع5.

فما مدى تأثير التغير المناخي على مستقبَل هذه الغابات، حين تكون واقعةً في الوقت ذاته تحت هذه الضغوط الراهنة الناشئة عن الأنشطة البشرية؟ قدَّم لنا الباحث ماكسيم ريجو-ميشان وفريقه البحثي6 جوابًا عن هذا التساؤل في بحثٍ نُشِر مؤخرًا في دورية Nature، إذ أوضحوا أنَّ التغيرات المناخية المتوقعة في المنطقة تشكل مخاطر جسيمة على الغابات المطيرة. كما كشفوا أنَّ بعض الغابات الواقعة في مناطق لم تتعرض نسبيًّا لتدخُّل البشر حتى الآن تُعَد أكثر عرضةً للتأثر بالتغير المناخي، مقارنةً بنظيراتها الواقعة في المناطق المتأثرة بالفعل بالأنشطة البشرية. وفيما يخص هذه المناطق الأخيرة، فإنَّ تراجُع تنوُّع الأشجار نتيجةً لتدَخُّل البشر يقلل قابلية الغابات للاستجابة للتغير المناخي.

وقد توفَّرت لمؤلفي الدراسة مجموعةٌ ضخمة مذهلة من بيانات بعض المؤسسات التجارية عن الغابات، جُمِعَت من 105 من مناطق الامتياز المُرخَّص فيها بقَطْع الأشجار (وهي مناطق محددة، يُسمح فيها للجهات التجارية بقَطْع أخشابها)، تقع في خمسة بلدان بوسط إفريقيا. وعن طريق تحليل توزيع الوفرة لعددٍ يبلغ 6.1 مليون شجرة منتشرة على 185,665 رقعة أرض، وضع الباحثون خرائط لأنواع الغابات الفريدة في غطائها النباتي، أي التي تتميز باحتوائها على مجموعاتٍ مختلفة من أنواع الأشجار. وقد كان الامتداد المكاني لأنواع الغابات هذه مقيدًا في المقام الأول بتدرجات مناخية، بالإضافة إلى تأثيراتٍ أخرى تنبع من الضغوط الناجمة عن النشاط البشري، والتفاوُت في نوعية التربة.

"هناك تداخلٌ واقع بين الغابات المطيرة في وسط إفريقيا، والخدمات التي توفرها منظومتها الإيكولوجية من ناحية، وبين الأمن الغذائي للبشر ووسائل معيشتهم من ناحية أخرى".

كانت الأبحاث السابقة التي تتناول العلاقة بين توزيع الأنواع الحية والتغير البيئي تَستخدِم مقارَباتٍ، مثل نماذج الدور  الإيكولوجي، 

وهي نماذج للآليات، أو أوجه الارتباط بين الأرصاد الميدانية للأنواع والمتغيرات البيئية، وذلك لتوقُّع مدى ملاءمة موائل الأنواع لها، غير أنَّ هناك شَكًّا كبيرًا فيما توصلت إليه هذه النماذج من توقعاتٍ بشأن كيفية تأثُّر مختلف الأنواع بالتغير المناخي. ويرجع هذا في المقام الأول إلى التحيز في اختيار العينات، ومصاعب معينة، مثل اكتشاف أوجه الارتباط المكاني الطبيعية (التي تجعل المَواقع المتقاربة مكانيًّا تتشابه فيما بينها عادةً، مقارنًة بالمَواقع المتباعدة)7، والتفاوُت الكبير في استجابات كل نوع للعوامل البيئية المؤثرة في توزيعه، بما في ذلك العوامل البيئية الناتجة عن النشاط البشري.

استخدم ريجو-ميشان وفريقه البحثي بدلًا من ذلك مقاربة للنمذجة، تُسمَّى "الانحدار الخطي المعمم للعناصر الخاضعة للتحكم" supervised component generalized linear regression، وهي مقارَبة قادرة على تعيين أهم العوامل التنبؤية من بين طائفةٍ من الاحتمالات. ومَكَّنَتهم هذه المقاربة من رصد أنماط توزع الأنواع على مستوى مجموعاتها في مجتمعات الغابات، بدلًا من التركيز على كل نوعٍ على حدة، كما أتاحت لهم أن يضعوا نماذج لتوزيع الأنواع ومجموعاتها، استجابةً للمتغيرات التنبؤية التي ربما تُبدِي تبعيةً خطيةً لبعضها، كمتغيرات المناخ والضغوط البشرية (ما يُعرَف بالتداخل الخطي). وتُشَكِّل حالة التداخل هذه تحديًا في نماذج الدور الإيكولوجي، وعادةً ما تنشأ بين المتغيرات المناخية، مسفِرةً عن نتائج لا يمكن الوثوق بها، ويصعب تفسيرها.

ومن خلال المزج بين مقاربتهم، وطريقةٍ أخرى، يُطلَق عليها التحليل العنقودي، استطاع ريجو-ميشان وفريقه البحثي أن يوضحوا أنَّ الغابات المطيرة في وسط إفريقيا ليست مجموعةً مُوحَّدة من الغابات، بل تشمل على الأقل عشرة أنواع مختلفة، من بينها أنواع تتأثر بالمناخ، مثل الغابة الأطلسية الساحلية دائمة الخضرة، الواقعة في الجابون، وتؤوي أنواعًا من الأشجار تميل إلى الازدهار في المناطق الباردة المظلمة في المواسم الجافة. وهناك مجموعة أخرى من الغابات شبه النفضية، توجد على طول الحدود الشمالية للمنطقة محل الدراسة بوسط إفريقيا، وتتميز هذه المجموعة بأنواعٍ من الأشجار قادرة على تحمُّل معدلاتٍ أعلى من فقدان المياه وتسرُّبها إلى الغلاف الجوي (النتح التبخري).

وهذا التباين المكاني في تركيبة الأنواع بالغابات المطيرة في وسط إفريقيا له آثارٌ كثيرة. فعلى سبيل المثال، سيؤثر هذا التباين على مدى قابلية الغابات للتأثر بالتغير المناخي، وعلى كيفية تفاعل الاحترار مع الضغوط البشرية، مغيِّرًا بهذا التفاعل من التنوع البيولوجي في المنطقة، كما سيؤثر هذا التباين في كيفية تأثير الاحترار على قدرة هذه الغابات على الحد من زيادة معدلات الكربون بالغلاف الجوي. فمن المتوقع أن يسفر الاحترار العالمي عن زيادة حدة جفاف البيئة وارتفاع حرارتها في وسط إفريقيا. كما أشارت أبحاثٌ سابقة إلى أنَّ الاحترار قد تكون له آثارٌ خطيرة على مصير الغابات المطيرة بالمنطقة8. فربما تستجيب هذه الغابات لتَراجُع وفرة المياه عن طريق مد غطاءها النباتي، وتصبح أكثر عرضةً لخطر الحرائق، وتتراجع كثافتها الكربونية. وبالاستعانة بتوقعات نماذج المناخ لعام 2085، استنتج ريجو-ميشان وفريقه أنَّ الظروف  المناخية الراهنة المرتبطة بأنواع الغابات العشرة التي حددوها قد تختفي، أو تحل في مواقع يصعب على الغابات الوصول إليها عبر نشر بذور الأشجار (عن طريق الرياح، والحيوانات، على سبيل المثال). ومن ثم، لن تتوفر لها هذه الظروف.

إليها عبر نشر بذور الأشجار (عن طريق الرياح، والحيوانات، على سبيل المثال). ومن ثم، لن تتوفر لها هذه الظروف.

ما الذي تعنيه هذه النتائج بالنسبة إلى مستقبل الغابات، وكيف يمكننا إدارتها بحيث نقلص خطر التغير المناخي عليها إلى أدنى حدّ ممكن؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، تناول ريجو-ميشان وفريقه ثلاثة عوامل تحدد قابلية مجموعات أشجار الغابات للتأثر بالاحترار، وهي: مدى حساسيتها للاحترار، وعرضتها لذلك، وقدرتها التكيفية، إذ خلص مؤلفو الدراسة إلى أنَّ بعض المناطق أكثر حساسيةً من غيرها، ما يعني أنَّ أنواع الأشجار السائدة في بعض أنواع الغابات ستكون أقل قدرةً على تحمُّل التغيرات البيئية، مقارنةً بتلك الموجودة في مناطق أخرى، كأنواع الحدود الشمالية والجنوبية الغربية من منطقة الغابة المطيرة. وأشاروا أيضًا إلى أنَّه من المتوقع لبعض المناطق أن تكون أكثر عرضةً لآثار التغير المناخي من غيرها، لا سيما تلك الواقعة في الشرق. وأخيرًا، فإنَّ بعض المناطق، خاصةً تلك التي تشهد ضغوطًا ناتجة عن الأنشطة البشرية، تشهد تراجعًا في تنوعها البيولوجي، ولذا فربما تقل قدرتها على التكيف عن تلك المناطق التي تشهد تنوعًا بيولوجيًّا أكبر.

كما أفاد ريجو-ميشان وزملاؤه بأنَّ المناطق الأكثر عرضةً للتأثر بالتغير المناخي، المتوقع أن تكون شديدة التأثر بالضغوط المستقبلية الناجمة عن الأنشطة البشرية، تضم الغابات الواقعة في منطقة الجابون الساحلية، وجمهورية الكونغو الديموقراطية (شكل 1)، والحدود الشمالية للمنطقة محل الدراسة. وهذا الاستنتاج يكشف لنا المناطق التي ينبغي أن تحظى بالأولوية فيما يخص الإجراءات الموجهة الهادفة إلى حماية الغابات من التغيرات البيئية. وإحدى هذه المناطق التي تعاني من الضغوط البشرية تقع في الكاميرون، وتضم مجموعةً حرجية تسمى الغابة شبة النفضية المتدهورة. وحماية هذا النوع من الغابات تُعَد وسيلةً سريعة لإنتاج أحواض كربون تؤدي وظيفتها على مدى فترةٍ زمنية طويلة9، لأنَّها تتميز باحتوائها على أنواعٍ معمِّرة ممَّا يُعرف بالأنواع الرائدة، التي تستوطن المناطق عقب تعَرُّضها لاضطرابٍ ما، سواء أكان طبيعيًّا، أم ناشئًا عن الأنشطة البشرية. وهذه الأنواع عادةً ما تكون شديدة الاحتياج إلى الضوء، ويمكنها في هذه المنطقة أن تصل إلى ارتفاعاتٍ كبيرة، إنْ لم تتعرض المنطقة لمزيدٍ من الاضطرابات.   

شكل 1 | متنزه كاهوزي-بييجا الوطني في جمهورية الكونغو الديموقراطية. يمثل الطريق حدود هذه الغابة، التي تعد واحدةً من الموائل الحرجية القليلة المتبقية لغوريلا السهول الشرقية (Gorilla beringei graueri). وتتعرض الغابات المطيرة لخطرٍ من الضغوط الناتجة عن الأنشطة البشرية، كأعمال إزالة الغابات التي يمكن ملاحظتها خارج حدود هذا المتنزه. وفي هذه الدراسة يقدم ماكسيم ريجو-ميشان وفريقه البحثي6 خرائط للغابات المطيرة بوسط إفريقيا، يمكن أن تساعد في مساعي المحافظة على هذه الموائل.

شكل 1 | متنزه كاهوزي-بييجا الوطني في جمهورية الكونغو الديموقراطية. يمثل الطريق حدود هذه الغابة، التي تعد واحدةً من الموائل الحرجية القليلة المتبقية لغوريلا السهول الشرقية (Gorilla beringei graueri). وتتعرض الغابات المطيرة لخطرٍ من الضغوط الناتجة عن الأنشطة البشرية، كأعمال إزالة الغابات التي يمكن ملاحظتها خارج حدود هذا المتنزه. وفي هذه الدراسة يقدم ماكسيم ريجو-ميشان وفريقه البحثي6 خرائط للغابات المطيرة بوسط إفريقيا، يمكن أن تساعد في مساعي المحافظة على هذه الموائل.

Credit: Adam Amir

وكما هو الحال بالنسبة إلى باقي مناطق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فإنَّ توقعات التغير المناخي لعام 2085 في منطقة وسط إفريقيا ليست مؤكدة. وعلى الأرجح، فإنَّ توقعات ريجو-ميشان وزملائه لتأثيرات الضغوط البشرية في ذلك العام تقل كثيرًا عن التقديرات الواقعية، لا سيما بالنظر إلى أنَّ توسعات شبكات الطرق غالبًا ما ستواصل دفع حدود رقعة البرية إلى التراجع أكثر فأكثر نحو مناطق الغابات النائية. وبالرغم من ذلك، تقدم الدراسة أدلةً مقنعة تُمكِّن مستخدمي الأراضي والقائمين على إدارتها من اتخاذ إجراءاتٍ حاسمة. وقد تتضمن هذه الإجراءات الجهود الرامية إلى حماية المناطق الأكثر عرضة للتأثر بالتغير المناخي من الضغوط البشرية، كوضع خططٍ لحمايتها مثلًا. وقد يكون من بين هذه الإجراءات أيضًا زيادة اتصال الغابات ببعضها في المناطق التي تعرضت بالفعل لمستوياتٍ مرتفعة من الضغوط البشرية. ولضمان فعالية أية مبادراتٍ تُتَّخَذ في هذا الصدد، لا بد من إشراك السكان المحليين في وضع حلول إدارة الغابات. فالمحافظة على مخزون الكربون في الغابات المطيرة، وإدارته بطريقةٍ مستدامة لهما دورٌ رئيس في تقليل الانبعاثات الكربونية.                   

ولعل الأهم هو التداخل الواقع بين الغابات المطيرة في وسط إفريقيا، والخدمات التي توفرها منظومتها الإيكولوجية من ناحية، وبين الأمن الغذائي للبشر ووسائل معيشتهم من الناحية الأخرى. فلا شك أنَّ وضع خطط الإدارة المستدامة لهذه الغابات، بحيث تأخذ في اعتبارها تنوع الطرق التي يتفاعل بها البشر معها ويعتمدون عليها سوف يكون تحديًا ضخمًا. وهذا المسعى سيتطلب جهودًا عابرة للحدود الوطنية، تتضافر فيها مساعي التخصصات والقطاعات المختلفة. 

References

  1. Hansen, A. J. et al. Nature Ecol. Evol. 4, 1377–1384 (2020). | article
  2. Lewis, S. L. et al. Phil. Trans. R. Soc. B 368, 20120295 (2013). | article
  3. Berzaghi, F. et al. Nature Geosci. 12, 725–729 (2019). | article
  4. Laurance, W. F., Goosem, M. & Laurance, S. G. W. Trends Ecol. Evol. 24, 659–669 (2009). | article
  5. França, F. M. et al. Phil. Trans. R. Soc. B 375, 20190116 (2020). | article
  6. Réjou-Méchain, M. et al. Nature 593, 90–94 (2021). | article
  7. Boakes, E. H. et al. PLoS Biol. 8, e1000385 (2010). | article
  8. James, R., Washington, R. & Rowell, D. P. Phil. Trans. R. Soc. B 368, 20120298 (2013). | article
  9. Giresse, P., Maley, J. & Chepstow-Lusty, A. Glob. Planet. Change 192, 103257 (2020). | article

ماريون فايفر تعمل في كلية العلوم الطبيعية والبيئية بجامعة نيوكاسل، نيوكاسل NE1 7RU، المملكة المتحدة.

ديو دي. شيريما يعمل في قسم النظم الإيكولوجية والمحافظة على البيئة بالمركز الوطني لرصد الكربون، التابع لجامعة سوكويني للزراعة في مدينة موروجورو، صندوق بريد 3010، تنزانيا.

البريد الإلكتروني لكل منهما:

marion.pfeifer@newcastle.ac.uk

dshirima@sua.ac.tz