أنباء وآراء

الميتوكوندريا تحمي الخلايا من الموت

موت الخلايا المبرمَج المعتمِد على الحديد يُعد إحدى صور موت الخلايا، وهو ناتج عن أضرار تأكسد الأغشية الليبيدية. وقد اكتشف فريق من العلماء أن الميوتوكوندريا تملك نظامًا مضادًا للأكسدة، يقاوم هذا النوع موت الخلايا؛ في كشفٍ علميٍّ من شأنه أن يقود إلى ابتكار علاجات جديدة للسرطان.

خافيير جارسيا-بيرموديز، كيفانش بيرسوي
  • Published online:

يُعتقد أن الميتوكوندريا، وهي العُضيَّات التي تُمكِّن خلايانا من إنتاج الطاقة، قد تطورت من كائنات دقيقة، كانت في السابق تعيش مستقلة، معتمِدةً على الأكسجين1. غير أن تكلفة إنتاج الطاقة اعتمادًا على الأكسجين بواسطة عضيات خلويّة محاطة بأغشية ليبيدية هي تكلفة مرتفعة. فمثل هذا النوع من التنفس غالبًا ما يُولِّد مركّبات أكسجين تفاعلية (ROS)، وهي مركّبات يمكن أن تُحدِث ضررًا للبِنَى الخلوية، وتعوق أداءها لوظائفها. فعلى سبيل المثال، تتفاعل هذه المركبات مع ليبيدات الأغشية، في عملية تسمى الأكسدة المضاعَفَة لليبيدات، تَنتُج عنها مركَّبات بروكسيدات ليبيدية شاذة، تُطلِق في النهاية آليّة منتظمة لإماتة الخلايا، أو القضاء عليها. وهذه الآلية – المرتبطة بعنصر بالحديد – يُطلَق عليها «موت الخلايا المبرمَج المعتمِد على الحديد» ferroptosis2. وتَستخدِم الخلايا عدة أنظمة للحماية وإصلاح الأعطاب، لمواجهة الآثار الضارة لهذه الأغشية الليبيدية المؤكسَدة. وفي الدراسة التي نعرض لها في هذا المقال، أفاد الباحث تشاو ماو، ومعه فريقه3، باكتشاف نظام يحمي ليبيدات الميتوكوندريا من أضرار التأكسد.

تَعتمِد خلايا الثدييات على ثلاثة أنظمة رئيسة لإصلاح البروكسيدات الليبيدية. والبروتينات الأساسية الثلاثة التي تعتمد عليها الأنظمة الثلاثة هي، على الترتيب: GPX4، وFSP1، وDHFR2 6، 4-. وتحتوي كل عقدة من عُقَد مضادات الأكسدة المسؤولة عن الإصلاح على جزيء أيضي يوجد في حالات اختزال وأكسدة كيميائية. ومن بين هذه المركّبات، المركّب المعروف باسم «يوبيكينون» ubiquinone (الذي يُعرف أيضًا باسم الإنزيم المساعد Q10)، وهو مركَّب من الليبيدات، يقوم بوظائف معينة في كل من أغشية الميتوكوندريا وغشاء الخلية. وتمتلك الصورة المختزلة من «يوبيكينون»، المعروفة باسم «يوبيكينول» ubiquinol، خصائص مضادة للأكسدة، قادرة على إصلاح البروكسيدات الليبيدية.

وتحتاج الخلايا إلى أن تتزوَّد بمركّب «يوبيكينول» باستمرار، لكي تحتفظ بهذه الوظيفة الوقائية لليبيدات الأغشية. ويقاوم الإنزيم FSP1 تأثير الموت المبرمَج للخلايا المعتمِد على الحديد بإنتاج «اليوبيكينول» من «اليوبيكينون»، لكن نشاط FSP1 ينحصر في غشاء الخلية4، 5. وقد أثار هذا الاكتشاف التساؤل عما إذا كانت الميتوكوندريا تعتمد على آلية مشابِهة في إنتاج «اليوبيكينول»، ومن ثم تُصلِح الضرر التأكسدي لليبيدات الأغشية، أم لا.

افترض ماو وفريقه أن الميتوكوندريا تملك أيضًا نظامًا يقلل من أكسدة الليبيدات. ونظرًا إلى العلاقة الوثيقة بين الأيض الخلوي، وموت الخلايا المبرمَج المعتمِد على الحديد، فقد ركز الباحثون على الجزيئات الأيضية التي تتغير في الخلايا السرطانية، إثر حدوث أكسدة الليبيدات. ومن اللافت أنهم لاحظوا أن عملية الأكسدة ترتبط بتغيرات كبيرة في مدى وفرة الجزيئات الأيضية الداخلة في مسار تخليق القواعد المعروفة باسم البريميدينات، وهي القواعد التي تدخل في تكوين الحمض النووي (DNA)، والحمض النووي الريبي (RNA). وبناءً على هذه الملاحظة، درس الباحثون إمكانية أن يكون أحد المكونات المهمة في هذا المسار التخليقي يلعب دورًا في منع موت الخلايا المبرمَج المعتمِد على الحديد.

توجد أغلب مكونات هذا المسار في السيتوبلازم، لكن أحد الإنزيمات، ويسمَّى إنزيم DHODH، يوجد في الميتوكوندريا. ويحفز هذا الإنزيم تحويل الجزيء المسمى «ثنائي هيدرو أوروتيت» dihydroorotate إلى الملح «أوروتيت» orotate، من خلال تفاعل أكسدة يَستخدِم «اليوبيكينون»، ومن ثم يُنتِج «اليوبيكينول». وقد كشفت تجارب إضافية، أجراها ماو ورفاقه، أن الإنزيم DHODH يحمي الخلايا من أكسدة الليبيدات، عن طريق إعادة إنتاج «اليوبيكينول»، مما يتيح إصلاح الضرر التأكسدي الحادث في ليبيدات الميتوكوندريا بواسطة «اليوبيكينول» (الشكل 1). ولم يؤثر إمداد الخلايا بالنواتج النهائية لمسار تخليق البريميدينات على أكسدة الليبيدات؛ وهو ما يثبت أن دور الإنزيم DHODH، المقاوِم لموت الخلايا المبرمَج المعتمِد على الحديد، ليس مرتبطًا بوظيفة الإنزيم في تخليق البريميدينات.

الشكل 1 | نظام لإصلاح ليبيدات الميتوكوندريا. تُنتِج العمليات المولدة للطاقة في الميتوكوندريا مركبات أكسجين تفاعلية (ROS) يمكنها إتلاف ليبيدات أغشية العضيات من خلال أكسدتها. تؤدي عملية الأكسدة هذه إلى تكوين ليبيدات ضارة، تسمى فوق أكاسيد الليبيدات، يمكنها تحفيز أحد أنواع موت الخلايا، وهو المسمى: موت الخلايا المبرمَج المعتمِد على الحديد. ويشير الباحث تشاو ماو وفريقه1 إلى اكتشافهم نظامًا يحمي عضيات الميتوكوندريا. يقوم الإنزيم المسمى DHODH بتحويل الجزيء المعروف باسم «يوبيكينون» إلى جزيء آخر، هو «اليوبيكينول»، الذي يساعد على مكافحة تأثير أكسدة الليبيدات، وحماية الخلايا من الموت المبرمَج المعتمِد على الحديد.

الشكل 1 | نظام لإصلاح ليبيدات الميتوكوندريا. تُنتِج العمليات المولدة للطاقة في الميتوكوندريا مركبات أكسجين تفاعلية (ROS) يمكنها إتلاف ليبيدات أغشية العضيات من خلال أكسدتها. تؤدي عملية الأكسدة هذه إلى تكوين ليبيدات ضارة، تسمى فوق أكاسيد الليبيدات، يمكنها تحفيز أحد أنواع موت الخلايا، وهو المسمى: موت الخلايا المبرمَج المعتمِد على الحديد. ويشير الباحث تشاو ماو وفريقه1 إلى اكتشافهم نظامًا يحمي عضيات الميتوكوندريا. يقوم الإنزيم المسمى DHODH بتحويل الجزيء المعروف باسم «يوبيكينون» إلى جزيء آخر، هو «اليوبيكينول»، الذي يساعد على مكافحة تأثير أكسدة الليبيدات، وحماية الخلايا من الموت المبرمَج المعتمِد على الحديد.

كبر الصورة

ترسخ هذه النتائج فكرة تحَكُّم الإنزيم DHODH في تنظيم إنتاج «اليوبيكينول»، كنظام فعال للحدّ من أكسدة الليبيدات في الميتوكوندريا حصريًّا، وهي آلية تشبه آلية عمل الإنزيم FSP1. ومن المثير للاهتمام أن نسخة من البروتين GPX4 توجد في ميتوكوندريا بعض الخلايا، وتختلف مستويات إنتاجه في الخلايا السرطانية باختلاف نوع السرطان. وقد أظهرت التجارب المُجراة على الفئران أن البروتين GPX4، الموجود في الميتوكوندريا، ليس ضروريًّا لبقاء الفأر على قيد الحياة7 وهو ما يدل على أن دور هذا البروتين يمكن الاستغناء عنه. وفي المقابل، يُعبِّر هذا البروتين عن الإنزيم DHODH بوفرة، وهو يلعب دورًا في تكاثر الخلايا، بالنظر إلى وظيفته في تخليق النيوكليوتيدات. ولذلك، فإن الخلايا سريعة الانقسام، مثل الخلايا السرطانية، قد تستفيد من هذا المسار النشط، كوسيلة لتثبيط أكسدة الليبيدات.

وجد الباحثون أنه عند زراعة الخلايا الورمية البشرية، التي تنتج مستويات منخفضة من الإنزيم GPX4، في فئران عُولِجَت من قبل بمثبط للإنزيم DHODH، فإن الفقد الناتج في وظيفة الإنزيم DHODH يؤدي إلى موت الخلايا، وإعاقة نمو الورم. ولم يكن هذا التأثير مرتبطًا بدور الإنزيم DHODH في تخليق البريميدينات. ولا تزال ثمة حاجة إلى دراسة مدى إسهام نظام الميتوكوندريا المضاد للأكسدة، الذي يُوقِف الموت المبرمَج المعتمِد على الحديد، في انتشار الخلايا السرطانية8، أو في استجابة الورم للعلاج الإشعاعي9. وتلك هي العمليات التي ربما يساعد فيها تحفيز هذا الموت المبرمَج على إعاقة استفحال الورم. ويجري حاليًّا تطوير مثبّطات قوية للإنزيم DHODH، بوصفها عوامل مكافحة للسرطان، وتخضع في الوقت الراهن للتجارب الإكلينيكية. وربما تكون هذه المثبطات شديدة الفعالية في الخلايا السرطانية التي تتسم بانخفاض مستويات إنتاج الإنزيم GPX4.

وهكذا، فقد اكتشف فريق الباحثين وجود نظام خاص بحماية أغشية الميتوكوندريا، وأشاروا إلى احتمال وجود آليات مخصصة لمقاومة أثر أكسدة الليبيدات في مكونات أخرى من مكونات الخلية. ومما يسترعي النظر أن الجزيء المعروف باسم «سكوالين» squalene، وهو مركّب وسيط في المسار التخليقي المولد للكولستيرول، يحمي الخلايا في الأورام السرطانية (المعروفة بسرطانات الغدد اللمفاوية) من أكسدة الليبيدات، ويوجد بتركيزات مرتفعة في القطرات الليبيدية10. ورغم ذلك، فلم يتضح بعد ما إذا كانت الوظيفة الوقائية لجزيء «السكوالين» ترجع إلى وجوده موضعيًّا في القطرات الليبيدية.

تحتوي بعض العضيات الخلوية أيضًا – مثل الشبكة الإندوبلازمية وأجسام الأكسدة – على تفاعلات ينتُج عنها مركّبات الأكسجين التفاعلية. وكذلك فإن جزيئات «الجلوتاثيون» glutathione و«رباعي هيدروبيوبتيرين» tetrahydrobiopterin هي جزيئات نشطة في تفاعلات الأكسدة والاختزال (ويمكنها تغيير حالة الأكسدة لجزيئات أخرى)، ومن ثم يمكن أن توفر طرقًا بديلة لمكافحة أكسدة الليبيدات في مثل هذه الحالات. إلا أن الآليات الدقيقة، والعناصر التي يمكنها توصيل هذه الجزيئات إلى العضيات، تبقى غير مفهومة فهمًا وافيًا. ومن شأن التقدم المُحرَز في طرق تقدير الجزيئات والتراكيب البروتينية للعضيات – من خلال تقنيات كتلك التي تقيس التفاعلات الأيضية وتفاعلات البروتينات - أن يوفر رؤًى جديدة لهذه القضية المهمة، ويعزز قدرتنا على فهْم دور مضادات الأكسدة في نموُّ الأورام، وتفاقمها.

 

References

  1. Gray, M. W. Mol. Biol. Cell 28, 1285–1287 (2017). | article
  2. Yang, W. S. et alCell 156, 317–331 (2014). | article
  3. Mao, C. et al. Nature 593, 586–590 (2021). | article
  4. Bersuker, K. et al. Nature 575, 688–692 (2019). | article
  5. Doll, S. et al. Nature 575, 693–698 (2019). | article
  6. Soula, M. et alNature Chem. Biol. 16, 1351–1360 (2020). | article
  7. Schneider, M. et alFASEB J. 23, 3233–3242 (2009). | article
  8. Ubellacker, J. M. et al. Nature 585, 113–118 (2020). | article
  9. Lang, X. et alCancer Discov. 9, 1673–1685 (2019). | article
  10. Garcia-Bermudez, J. et al. Nature 567, 118–122 (2019). | article

خافيير جارسيا-بيرموديز، وكيفانش بيرسوي: باحثان بجامعة روكفلر في نيويورك، ولاية نيويورك 10065، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: kbirsoy@rockefeller.edu