افتتاحيات

منظمة الصحة العالمية مُحِقّة في المطالبة بتأجيل الجرعة الثالثة من لقاح «كوفيد»

على الدول الغنية أن توفِّر لقاحات«كوفيد-19» لمليارات الأشخاص الذين ينتظرون الجرعة الأولى.

  • Published online:

دعت منظمة الصحة العالمية إلى التوقف عن إعطاء جرعات معزِّزة (boosters) من لقاحات «كوفيد-19» حتى نهاية الشهر المقبل، في مسعًى إلى ضمان تطعيم ما لا يقل عن 10% من السكان في جميع بلدان العالم، قبل الإقدام على توزيع جرعة إضافية (ثالثة). ولا شكَّ في أن هذه الحُجة التي تسوقها المنظَّمة قوية وجديرة بالاعتبار؛ فحتى موعد نشر هذا العدد من دورية Nature، بلغت نسبة المطعَّمين بجرعة واحدة على الأقل في البلدان ذات الدخل المرتفع 58%، في حين لم تزِد هذه النسبة على 1.3% في البلدان منخفضة الدخل.

وفي مقابل هذه الحُجة، لم تَثبُت حُجج الداعين إلى إعطاء جرعة معزِّزة من اللقاح حتى الآن؛ بالنظر إلى أن معظم اللقاحات المطروحة حاليًا تظل فعَّالة بعد أشهُر من تلقِّيها، خاصةً في مواجهة الأعراض المرضية الحادة، وأخطار الوفاة. وفي وقتٍ تَندُر فيه إمدادات اللقاحات، يجب أن يكون توزيع الجرعات المعزِّزة مرهونًا بوجود أدلة علمية على تحقُّق الفائدة المرجوَّة، مع مراعاة كُلفة تأخير إتاحة اللقاحات للفئات المعرَّضة لأخطار المرض، ومقدِّمي الرعاية الصحية في البلدان الأخرى. وحتى الآن، لا يوجد دليل كافٍ على أن الجرعات المعزِّزة ضرورية لحماية الأشخاص المطعَّمين تطعيمًا كاملًا (بجرعتين من اللقاح).

ومما يُؤسَف له أن نرى عدة بلدان ماضيةً في إعطاء مواطنيها الجرعات المعززة، دون الالتفات إلى كل ما سبق. فقد شرعت إسرائيل في إعطاء جرعة ثالثة من لقاح شركة «فايزر» Pfizer – وهو من اللقاحات القائمة على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) – للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 50 عامًا، وغيرهم من الفئات المعرَّضة لأخطار المرض. كما تعتزم بلدان أخرى، هي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، توفير جرعات معزِّزة لفئات بعينها. وفي الولايات المتحدة، تمكَّن أكثر من مليون شخص من الحصول على جرعة ثالثة بطُرُق غير مشروعة.

"إن التركيز على توفير الجرعات المعزِّزة، في الوقت الذي لا يزال فيه أكثر من نصف سكان العالم بانتظار الجرعة الأولى، إنما يعبِّر عن رؤية قاصرة، لن تؤدي إلا إلى إطالة عُمر هذا الوباء".

في بعض الحالات، قد يكون هناك ما يبرر الحصول على جرعة معززة؛ كأن تشير الأدلة، مثلًا، إلى أن الجرعات المعتادة ليست فعَّالة في حالةٍ بعينها. ففي إحدى الدراسات التي أُجريت على الأشخاص الذين خضعوا لعملية زراعة أعضاء – وهو ما يعني حاجتهم إلى تناول أدوية لتثبيط الجهاز المناعي – وجد الباحثون أن نصف هؤلاء الأشخاص تقريبًا لم تتولَّد لديهم استجابة مناعية من الأجسام المضادة بعد تلقِّي جرعتين من لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (B. J. Boyarsky et al. JAMA 325, 2204–2206; 2021).

وربما دعَت الحاجة أيضًا إلى تلقِّي جرعات معززة إذا ثبت أن اللقاحات المصنَّعة من جزيئات فيروسية معطلة – وعلى وجه التحديد، لقاحَي الشركتين الصينيتين: «سينوفارم» Sinopharm، و«سينوفاك» Sinovac - لا توفر حماية كافية ضد الإصابة الحادة بالمرض، أو الوفاة، عند التعرُّض للسلالات المتحوِّرة من الفيروس، مثل السلالة «دلتا». وقد رأينا قفزةً في أعداد الإصابات بمرض «كوفيد-19» في إندونيسيا، ومن بين المصابين عدد كبير من العاملين في مجال الرعاية الصحية، ممن جرى تطعيمهم بجرعتين من لقاح «سينوفاك» الصيني، كما رأينا قفزات مشابهة في بلدان أخرى تعتمد على اللقاح نفسه؛ الأمر الذي دفع المسؤولين إلى التفكير في إعطاء جرعات معزِّزة من اللقاح، مع الإقرار بأن الارتفاع في معدلات الإصابة بالمرض لا يُعزَى إلى اللقاحات وحدها.

وبخلاف هذين اللقاحين، يبدو أن جميع اللقاحات الأخرى المستخدمة حاليًا فعَّالة بنسبة تزيد على 90% في الحيلولة دون تطوُّر المرض إلى الحد الذي يستدعي تلقِّي العلاج داخل المستشفيات، فضلًا عن الوفاة. وإذا كانت بعض الدراسات قد خلصَتْ إلى أن مستويات الأجسام المضادة الناتجة عن تلقِّي اللقاح تتراجع بعد عدة أشهر، فإن هذه نتيجة طبيعية يلاحظها الباحثون في جميع اللقاحات، ولا تشير بالضرورة إلى ضعف الحماية التي يوفرها اللقاح ضد فيروس كورونا.

والحقُّ أن العلماء لا يعرفون حتى الآن مقدار الحماية الإضافية التي قد توفِّرها الجرعة المعزِّزة، أو المدى الزمني لاستمرار مفعولها. ومع ذلك، فما نستطيع الجزم به هو أن الشخص غير المطعَّم، إذا ما تعرَّض لفيروس كورونا، يكون – في المتوسط – أكثر عرضة للإصابة به، ونشر عدواه إلى الغير، من الشخص الذي تلقَّى التطعيم. وعلاوةً على ذلك، فإن احتمالات تلقِّي غير المطعَّمين العلاج في المستشفيات، أو الموت من جرَّاء المرض، تزيد بنسبة 90% على أقرانهم من المطعَّمين. وأخذًا بهذه المعطيات بعين الاعتبار، فأنْ نختار فائدةً غير مؤكَّدة لشخصٍ ما في دولة غنيّة (وإن كان يُحتمل أن يكون لها أثر إيجابي متصاعد)، على فائدة هائلة لشخص آخر في بقعة أخرى من العالم، من شأنها أن تنقذ حياته، فلا مراء في أن هذه استراتيجية خاسرة؛ لأن المتحورات الجديدة ستظهر حتمًا في الأماكن التي يستمر فيها انتشار «كوفيد-19» بلا هوادة.

وهكذا، فبدلًا من تقديم الدول الغنية جرعات اللقاح المعزِّزة إلى قطاعات عريضة من مواطنيها، حريٌّ بها أن تبذل جهدًا أكبر في العمل على تطعيم سائر بلدان العالم. وهناك طُرق شتّى لتحقيق ذلك.

أولاً، يجب على الدول الغنية الوفاء بتعهداتها بدعم التحالف الدولي لتوفير اللقاحات للبلدان منخفضة الدخل «كوفاكس»COVAX ، الذي لا يزال عاجزًا عن بلوغ هدفه المتواضع، المتمثل في تطعيم 20% من السكان (يملثون الشريحة الأكثر عُرضة لأخطار المرض) بحلول نهاية العام الجاري.

على أنَّ إمدادات اللقاحات محدودة على الصعيد العالمي، وسوف تصبح أكثر محدودية إذا تحوَّل إعطاء الجرعات المعزِّزة إلى ممارَسة شائعة. لذا، فإن التبرع باللقاحات لن يكفي وحده لإصابة الهدف المنشود. يتعين على قادة البلدان التي تلقَّت شركاتها تمويلًا حكوميًا (مثل شركة «بيونتيك» BioNTech الألمانية، وشركة «موديرنا» Moderna الأمريكية) الضغط على تلك الشركات للتوسُّع في إنتاج اللقاحات. كما يتعين على كثير من الدول الغنية الانضمام إلى الولايات المتحدة في تأييد الاقتراح الذي تقوده الهند وجنوب إفريقيا، وينادي بالتنازل المؤقت عن براءات اختراع اللقاحات.

يجب أن يقترن بهذه الصفقات توفير الموارد المالية اللازمة لإعطاء دَفعة لمصنِّعي اللقاحات الجُدُد، بما يمكِّنهم من إنتاجها بسرعة وأمان؛ على أن يكون ذلك مصاحبًا لتمويل البلدان الأخرى، على النحو الذي يتيح لها شراء جرعات اللقاح، وتوزيعها على سكانها. عادةً ما تستغرق هذه العملية سنواتٍ أو عقودًا، لكنَّ الوقت عامل مفصليٌّ في ظل الجائحة، والاحتياجات هائلة. إنَّ التنازل عن براءات الاختراع لن يحل المشكلة وحده، ولا التبرع باللقاحات، أو التوقف المؤقت عن إعطاء الجرعات المعزِّزة؛ لا بديل عن العمل على جميع الجبهات في آنٍ واحد.

بقيَ أن نُذكِّر بأن السماح لجائحة «كوفيد-19» بالانتشار في البلدان منخفضة الدخل، والشريحة الدنيا من البلدان ذات الدخل المتوسط (حيث تقلُّ نسبة المطعَّمين ضد المرض بوجهٍ عام عن 15%)، قد يتسبب في وقوع ملايين الوفيّات، أو مواجهة مضاعفات ممتدَّة من جرّاء الإصابة الحادة بالمرض، كما أنَّ الأنظمة الاقتصادية سوف تتآكل مع استمرار إغلاق المنشآت الاقتصادية والتعليمية. وفضلًا عن ذلك، فإن الارتفاع الحاد في معدلات الإصابة سوف يعزز من فُرَص ظهور المتحوِّرات الجديدة، التي قد تكون أكثر قابلية للانتشار من سلالة «دلتا» المتحوِّرة من الفيروس، أو أشد فتكًا من السلالات القائمة، أو أقدَر على مراوغة الجهاز المناعي. في الشهر الماضي، أطلق صندوق النقد الدولي تحذيرًا قال فيه إن المتحورات سريعة الانتشار قد تعرقل الانتعاش الاقتصادي في جميع بلدان العالم، وتلتهم 4.5 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2025.

ربما كان إعطاء جرعة معزِّزة من اللقاحات سيكون أقلَّ إثارةً للجدل، لولا أنها نادرة. ومن ثم، فإن التركيز على توفير الجرعات المعزِّزة، في الوقت الذي لا يزال فيه أكثر من نصف سكان العالم بانتظار الجرعة الأولى، إنما يعبِّر عن رؤية قاصرة، لن تؤدي إلا إلى إطالة عُمر هذا الوباء. إذا مضَت البلدان الغنية في اتباع هذه الاستراتيجية، فمعنى ذلك أنها سوف تُلاحق الجائحة إلى أجلٍ غير مسمًّى، مع ظهور المتحورات الجديدة واحدًا تلو الآخر. وبالنسبة إلى بقية العالم، سيعني ذلك إطالة أمد المعاناة دونما داعٍ.