أخبار

الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ: درجات حرارة الأرض تصل إلى أعلى معدلاتها منذ 125 ألف عام

يؤكد هذا التقييم بالغ الأهمية على أن غازات الدفيئة هي بلا شك السبب وراء الظروف المناخية القاسية التي يشهدها العالم، موضحًا أنه ما زال بإمكان دول العالم السيطرة على آثارها المدمرة. 

جيف تولفسون

  • Published online:
تسببت الأمطار الغزيرة في فيضانات غير مسبوقة في مدينة تشنجتشو بمقاطعة هِنان بالصين في شهر يوليو الماضي.

تسببت الأمطار الغزيرة في فيضانات غير مسبوقة في مدينة تشنجتشو بمقاطعة هِنان بالصين في شهر يوليو الماضي.

ALY SONG/REUTERS/ALAMY

أوضح تقرير بالغ الأهمية، أعدته منظمة الأمم المتحدة، حول آخِر تطورات علوم المناخ أن استمرار تعويل المجتمعات الحديثة على الوقود الأحفوري قد تَسبَّب في تفاقم ظاهرة احترار كوكب الأرض بوتيرة لم يشهدها الكوكب خلال الألفي عام الماضية. وقد أخذت تداعيات هذه الظاهرة تتجلى بالفعل في موجات الجفاف غير المسبوقة، وحرائق الغابات، والفيضانات التي تدمر المجتمعات العمرانية في شتى أنحاء الأرض. كما ذكر التقرير الذي صدر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC)، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة (UN)، أنه من المتوقع تدهوُر الأوضاع المناخية في حال استمرار انبعاثات غازات الدفيئة، بينما أكد على أن مستقبل كوكب الأرض يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاختيارات التي تقررها البشرية في الوقت الحاضر.

تعقيبًا على ذلك، قال زويبين جانج، اختصاصي علم المناخ من المؤسسة الكندية للبيئة الواقعة في مدينة تورنتو بمقاطعة أونتاريو، وأحد مَن اضطلعوا بدورٍ رئيس في تنسيق التقرير وإعداده ليَصْدُر في التاسع من أغسطس الجاري: "تتوفر أدلة على ذلك في كل البقاع. وإذا لم نتحرك الآن، فإن الوضع سيسلك منحى سيئًا للغاية".

وقد شارك أكثر من 200 باحث في وضْع هذا التقرير، الذي استغرق إعداده عدة سنوات، وأقَرّته 195 دولة خلال اجتماع افتراضي عُقد في الأسبوع الأول من شهر أغسطس. ويُعَد هذا التقرير الأول من بين ثلاثة تقارير تنصرف لتقييم الوضع الراهن للتغيُّر المناخي، والجهود الساعية لتخفيف حدّته، والتكيف معه. وتأتي هذه الوثيقة ضمن التقييم السادس للمناخ الذي تجريه الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ منذ عام 1990. وقد صدرت قبل فترة تقل عن ثلاثة أشهر من القمة الدولية المقبلة للمناخ، المقرر انعقادها في جلاسجو بالمملكة المتحدة، والمزمع أن يُسنح خلالها للحكومات وضْع تعهدات بالحدّ من انبعاثاتها الكربونية، وتصحيح الأوضاع المتردية.

في ذلك الصدد، تقول فاليري مايسون-ديلموت، اختصاصية علم المناخ من مختبر العلوم المناخية والبيئية في بلدية جيف-سور-إيفيت الفرنسية، والمديرة المشارِكة للمجموعة البحثية المتخصصة في العلوم الطبيعية، التي وضعت التقرير الحالي، إنه لو أمكن الوفاء بالتعهدات التي قطعتها عدة دول على نفسها خلال السنوات الماضية بالقضاء على الانبعاثات  الكربونية تمامًا بحلول عام 2050، فسوف يتمكن العالَم من تحقيق الهدف الذي نص عليه اتفاق باريس  للمناخ  في عام  2015، والذي يقضي بتقليص مقدار الاحترار العالمي، ليصل خلال القرن الواحد والعشرين إلى 1.5 درجة مئوية فوق معدلات عصور ما قبل الثورة الصناعية. وتضيف قائلة: "القرارات التي نتخذها الآن ستحسم أي ظروف مناخية سوف نواجهها مستقبلًا".

 احترار كوكب الأرض

ارتفعت درجة حرارة سطح الأرض بمقدار 1.1 درجة مئوية، مقارنةً بمتوسط درجات الحرارة بين عامي 1850 و1900، وهو معدل ارتفاع لم تشهده الأرض منذ 125 ألف عام، أي منذ الفترة التي سبقت العصر الجليدي الحديث. وتُعَد هذه إحدى الحقائق الصادمة التي يوردها الملخص الملحق بتقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ، الذي استهدف صناع السياسات حول العالم.

يشدد التقرير بصفة عامة على أهمية الجهود الرامية إلى تحديد مدى ارتفاع درجات الحرارة المتوقع في حال استمرار انبعاثات غازات الدفيئة بالغلاف الجوي، كما يقدم لعلماء المناخ أدق التنبؤات حتى يومنا هذا للتغيرات التي سوف تطرأ على المناخ خلال القرن الواحد والعشرين. وتُعَد "درجة التغير المناخي" من أهم المؤشرات التي يستخدمها الباحثون في وضع تنبؤاتهم، وهي مقياس يحدد مقدار الاحترار المتوقع على كوكب الأرض على المدى الطويل، نتيجة لتضاعُف تركيز الانبعاثات الكربونية داخل الغلاف الجوي، مقارنة بمستوياته خلال عصور ما قبل الثورة الصناعية. وبالرغم من أن أكثر توقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ تفاؤلًا فيما يخص مقدار هذا الاحترار تنبأ باحترار قدره 3 درجات مئوية، فالتقرير يدحض بعض الشكوك حيال هذا الرقم، إذ يفيد بأن المدى المتوقع  لهذا الاحترار يتراوح بين 2.5 و4 درجات مئوية، استنادًا إلى وسائل متعددة، مثل سجلات المناخ القديمة والحديثة. وفي المقابل، تراوح المدى الأوسع لـ"درجة التغير المناخي"، الذي أوردته الهيئة في تقريرها السابق، الذي صدر في عام 2013، ما بين 1.5 و4.5 درجة مئوية.

أصبحت حرائق الغابات أكثر تواتراً في ولاية أوريجون وأجزاء أخرى من شمال غرب المحيط الهادئ.

أصبحت حرائق الغابات أكثر تواتراً في ولاية أوريجون وأجزاء أخرى من شمال غرب المحيط الهادئ.

OREGON DEPARTMENT OF FORESTRY/AP/SHUTTERSTOCK

ويعزز حصر "درجة التغيّر المناخي" ثقة العلماء في تنبؤاتهم لما سوف يحدث على كوكب الأرض، التي تتمثل في عدة سيناريوهات، أحدها يصف حالةً تَكُون فيها الانبعاثات الكربونية متوسطة، ولا تختلف فيها التطورات المناخية العالمية كثيرًا عما هو حادث الآن. يفيد التقرير على سبيل المثال بأنه في تلك الحالة سوف يرتفع متوسط درجات الحرارة العالمية بمقدار يتراوح ما بين 2.1 و3.5 درجة مئوية، وهو معدل أعلى كثيرًا من المدى الذي يتراوح بين  1.5 درجة مئوية ودرجتين مئويتين، الذي حددته الدول التي وَقَّعت على اتفاقية باريس للمناخ في عام 2015 كهدف لها. وحتى في ظل سيناريو تتخذ فيه الدول إجراءات صارمة للقضاء على انبعاثات غازات الدفيئة فيها، يتوقع التقرير تجاوز درجات الحرارة العالمية للحد الأدنى لهذا المدى البالغ 1.5 درجة مئوية خلال السنوات القادمة، وذلك قبل أن تعاود درجات الحرارة العالمية الانخفاض إلى مستويات أقل مع اقتراب نهاية هذا القرن.

من هنا، تتساءل مايسا روهاس، وهي واحدة ممن اضطلعوا بدور رئيس في تنسيق إعداد التقرير، ومديرة مركز أبحاث التأقلم مع التغيُّر المناخي، التابع لجامعة تشيلي بمدينة سانتياجو: "هل لا يزال بإمكاننا وضع حد لمقدار الاحترار العالمي، بحيث لا يتجاوز 1.5 درجة مئوية؟"، وتضيف قائلة: "لو لم نتخذ خطوات فورية، وسريعة، وواسعة، للحدّ من الانبعاثات الدفيئة كافة، سيصبح من المستحيل خفْض مقدار الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية".

تداعيات خطيرة

يضع التقرير قائمة بالآثار المرعبة التي لحقت بكوكب الأرض جرّاء التغيُّرات المناخية، والتي نلمسها بقوة بالفعل على اتساع الكوكب. فقد انحسرت رُقعة الجليد البحري في القطب الشمالي في أواخر فصول الصيف على مدار العقد الماضي مقارنة بما كانت عليه طيلة ما لا يقل عن 1000 عام. كما أن كوكب الأرض لم يشهد مثل هذا التراجع المطرد في مساحات الأنهار الجليدية خلال الألفي عام الماضية. وقد تسارعت معدلات ارتفاع درجة حرارة المحيطات بوتيرة لم يشهدها الكوكب منذ نهاية العصر الجليدي الحديث قبل حوالي 11 ألف عام.

وإلى جانب هذه الإحصائيات الصادمة، يؤكد تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ أهم الخطوات التي أحرزها العِلْم في فهم التداعيات الإقليمية للتغيرات المناخية. ومن بين هذه الخطوات، تحديد المناطق الأكثر تأثرًا بالارتفاع الحاد في درجات الحرارة، والأمطار، والجفاف. وعلى سبيل المثال، نجد أن موجات الجفاف الشديد قد َضربت مناطق متعددة حول العالم، بيد أن الآثار الأعنف حَلّت في مناطق البحر المتوسط، وجنوب غرب أفريقيا.

وقد صرّح جانج بأنه مع ارتفاع درجات الحرارة في المستقبل، فسوف تزداد حدة الظروف الجوية القاسية. ومع أن مناطق البر قد شهدت تكرار موجات الارتفاع الحاد في درجات الحرارة بمعدل مرة كل خمسين عامًا خلال القرون الماضية، يفيد التقرير بأنه في حال ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين مئويتين فوق المستوى الذي كانت عليه خلال عصور ما قبل الثورة الصناعية، فسوف تحدث هذه الموجات - على الأرجح - بمعدل مرة كل ثلاثة أو أربعة أعوام. وعندئذ، يتحتم على العالم أن يتوقع مواجهة أحداث مناخية مركّبة، مثل تزامن حدوث موجات ارتفاع الحرارة مع فترات الجفاف الطويلة.

وتعقيبًا على ذلك، يقول جانج: "لن نواجه ضربات حدث مناخي واحد، بل ضربات أحداث مناخية متعددة تقع في آن واحد".

تغيرات مناخية يستعصي علاجها

يفيد التقرير بأن تأثير الاحترار العالمي على المساحات التي تتكيف ببطء مع ارتفاع درجات الحرارة، مثل الأنهار الجليدية، والصفائح الجليدية، والمحيطات، سوف يستمر وسوف نظل نلمس آثاره لعدة قرون، بل لعدة ألْفِيّات. فمِن المتوقع أن ترتفع مستويات البحار حول العالم بمقدار يتراوح ما بين مترين إلى 3 أمتار خلال الألفي عام القادمة، حتى لو تمكّنا من الحفاظ على معدل الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، على أن يصل هذا الارتفاع إلى 6 أمتار في حالة وصول معدل الاحترار إلى درجتين مئويتين، وهو ما سوف يغيِّر طبيعة السواحل برمّتها، التي يسكنها في الوقت الحالي مئات الملايين من البشر.

ويُحَذّر التقرير من حتمية نشوء بعض التداعيات الحادة الناجمة عن احترار المناخ، مثل انهيار الصفائح الجليدية، أو الانحسار الحاد في مساحة الغابات، أو التغير المباغت في حركة جريان المحيطات، وهي تداعيات من المتوقع أن تحدث بوجه خاص كجزء من السيناريوهات التي يُتوقع فيها تزايد انبعاثات غازات الدفيئة، وحدوث ارتفاع كبير في درجات الحرارة مع اقتراب نهاية القرن الحالي. بيد أن التقرير يشير كذلك إلى أنّ تأثير تصدِّي البشر للتغيرات المناخية يبقى من أهم النقاط التي لا يمكن الجزْم بها في جميع التنبؤات المناخية.

وبالرغم من أن الهيئة دأبت طيلة ثلاثة عقود على التحذير من مخاطر الاحترار العالمي، لا تزال الحكومات مطالَبة باتخاذ الخطوات اللازمة للتحوُّل نحو مصادر الطاقة النظيفة، والسيطرة على الانبعاثات الكربونية. وفي ذلك الصدد، يقول جانج إن الأوضاع قد تكون على وشك التغير، حتى لو كان الدافع وراء التغيير يُختزل في أن البشر في أنحاء العالم كافة قد بدأوا يلمسون بأنفسهم تداعيات التغيرات المناخية حولهم.

ويستطرد جانج قائلًا: "إن التغيرات المناخية واقع يحدث حولنا، ويشهد البشر آثاره بالفعل"، مضيفًا: "إن التقرير يقدم لعموم الأفراد دلائل علمية ليس إلا، على أنّ ما نشعر به حولنا حقيقة، وليس خيالًا".

ويُورِد التقرير الصادر عن الهيئة مسألة مهمة أيضًا، وهي أنه من الممكن تجنب كثير من الآثار الوخيمة للتغيرات المناخية، لو قمنا باتخاذ خطوات جريئة الآن. فتقول روهاس إنّ أي زيادة في الاحترار، مهما كانت ضئيلة، قد تشكل فارقًا. وتردف قائلة: "هذه نقطة في غاية الأهمية، وهي "أن المستقبل بأيدينا".