رؤية كونية

التحدُّث إلى منكري العلم هو السبيل إلى حملهم على تغيير مواقفهم

الخوف من ردود الأفعال العكسية مبالَغٌ فيه.. ومَن يريد أن يجد أذنًا صاغية بين المشكِّكين في العلم، عليه أن يبدأ بالاستماع إليهم، والتفاعل معهم.

لي ماكلنتاير
  • Published online:

RICK BERN

شاركتُ في فعاليات «مسيرة من أجل العِلم»، التي شهدَتها مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية في الثاني والعشرين من أبريل عام 2017، شأني شأن كثير من العلماء. عندما تجمهر نحو 70 ألفًا من مناصري العلم في ساحة «بوسطون كومون» الشهيرة، كانوا يتظاهرون دفاعًا عن الحقيقة، والوقائع الموثَّقة.

ولكن أين هي جموع العلماء الآن؟ فمنذ ذلك الوقت، تزايدت الأضرار الناجمة عن إنكار العلم، أو الجحود به؛ وقد رأينا كيف اشتدَّت معاناة العالم بسبب التقاعس عن التصدي للتغير المناخي، وارتفعت أعداد المصابين بمرض «كوفيد-19»، مع تصاعُد وتيرة التشكيك في اللقاحات.

لقد حرصتُ على أن يكون لي نشاط على الأرض: فتحدثتُ إلى جماعة من القائلين بسطحية الأرض، في المؤتمر الذي عُقد في مدينة دَنفِر، بولاية كولورادو الأمريكية، وتوجَّهتُ إلى المناطق الريفية بولاية بنسيلفانيا للتحدث إلى عمال مناجم الفحم بشأن التغير المناخي، وطلبت من أصدقائي العلماء القدوم معي، لكنهم لم يجيبوني إلى طلبي. كان ردهم: "لا فائدة من التحدث إلى هؤلاء... ليس في استطاعتي أن أغيّر شيئًا على أية حال". أرى أن هذا خطأ من الناحيتين الواقعية والأخلاقية؛ فهؤلاء الناس يمكن أن يغيروا آراءهم، وإنهم ليغيرونها بالفعل، إلا أن الأمر يتطلب صبرًا على انعدام الثقة.

والحقُّ أن الكثيرين من الخبراء قد انبروا متصدِّين للمعلومات الخاطئة، ومتحملين الإساءات التي وُجِّهَت إليهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل إنهم تلقَّوا تهديدات تمس سلامتهم. ولكن عندما رفض العلماء الاستجابة لدعواتي، لم يكن ذلك بسبب الخوف. في أغلب الأحيان، كانت اعتذاراتهم نابعة من الرغبة في تجنُّب "ردود الأفعال العكسية"؛ وهي نتيجة بحثية غير قابلة للتكرار، جرى التوصل إليها في عام 2010، مفادها أن الأشخاص يكونون في بعض الأحيان أكثر تمسكًا بالمفاهيم المغلوطة عند مواجهتهم بالمعلومات المُصَحِّحة لها؛ بما يعني أن مقاومة المفاهيم الخاطئة تأتي بنتائج عكسية. ومع ذلك، تلزم الإشارة إلى أنَّ حتى الباحثين الذين ضُخِّمَت نتائجهم للترويج لهذه الفكرة، أقلعوا عنها فيما بعد، وباتوا يميلون إلى الاعتقاد بأن التحدي الحقيقي إنما يكمن في معرفة الطريقة المُثلى لتقديم المعلومات المراد بها تصحيح المفاهيم الخاطئة (B. Nyhan Proc. NatlAcad.Sci.USA 118, e1912440117; 2021). (ما زالت النصيحة الأولى، والأكثر أهمية، عند التواصل مع الجمهور هي: بناء الثقة، وحُسن الاستماع).

وفي الأثناء، تتواتر الأدلة على أن دحض المغالطات يمكن أن يكون نهجًا فعّالًا. فمُنكِرو العلم – سواءٌ أكانوا ممن يرفضون اللقاحات، أم لا يصدقون نظرية التطور، أم يتجاهلون التغير المناخي – جميعهم يستخدمون أساليب التفكير المغلوطة نفسها؛ مثل انتقاء الأدلة التي توافق أهواءهم، والاتكاء على نظريات المؤامرة، والاستماع إلى الخبراء الزائفين، والانخراط في الاستدلال غير المنطقي، والإصرار على أن العلم لا بد أن يكون مثاليًا، ولا يحتمل الخطأ. أثبتت دراسة بارزة (P. Schmid & C. Betsch Nature Hum. Behav. 3, 931-939; 2019)، نُشِرَت في عام 2019، أن مواجهة أساليب التفكير الخاطئة بالنقد والتفكيك من شأنها أن تحُدَّ من انتشار المعلومات الزائفة. (ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هذه الدراسة لم تختبِر مدى فعالية هذا النهج في الحوارات التي تجري وجهًا لوجه، أو مع الأشخاص المتطرفين في رفضهم للعلم).

إذن، كيف يكون دحض المغالطات المنهجية على أرض الواقع؟ إليكم تجربتي. عندما شاركتُ في «المؤتمر الدولي للأرض المسطحة»، الذي عُقد في عام 2018، قررتُ أن ألزَم الصمت في اليوم الأول، رُغم ما كابدتُ من صعوبة في الإبقاء على فمي مغلقًا عندما سمعت أن القارة القطبية الجنوبية هي حائط من الجليد يحجز مياه البحر، ويمنعها من أن تغمر اليابسة. وفي اليوم الثاني، جنيتُ ثمرة صمتي في اليوم الأول؛ كنت أعلم أني لو بادرتُ إلى تقديم الأدلة، لقالوا إن الفضاء خدعة، وإن العلماء يكذبون.

صحيحٌ أنني لم أُفلح في إقناع معتنقي فكرة الأرض المسطحة بخطأ معتقدهم ذاك، إلا أنني تعلمت كيف أجعلهم يستمعون إلى ما أقول. كنت أتركهم يتحدثون، حتى إذا انتهوا من إلقاء كلماتهم، بادرتُهم بالأسئلة. وبدلًا من عرض الأدلة التي من شأنها دحض أفكارهم، سألت: "ما الدليل الذي قد يغير رأيك؟"، وإذا قالوا إنهم يريدون إثباتًا، أعود فأسألهم: "لماذا لا تكفي الأدلة المتاحة؟"، وإذا استدعَوا أيًّا من نظريات المؤامرة، أسألهم عن السبب وراء ثقتهم في الأدلة التي تقوم عليها. باتباع هذا الأسلوب، ودون الخوض في سرد الحقائق أو الاستئثار بالحديث، ألقيتُ في نفوسهم الشك، وجعلتُهم يتساءلون: لماذا لا نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة؟

ومن الأمور المُسلَّم بها في مضمار توصيل العلوم، أنَّ الحقائق وحدها لن تُفيدك في إقناع أحد منكري العلم؛ فأغلبهم لا يعاني نقصًا في المعلومات، وإنما ينطوي على أزمة ثقة. والثقة تُبنَى بالصبر، وإظهار الاحترام والتعاطف، وتكوين علاقات شخصية. ولأنني أمضيتُ اليوم الأول مستمعًا، كان منكرو العلم - حتى المتشددون منهم – يتطلعون إلى الاستماع إلى رأيي.

أجرى أرنود جانجور، الباحث والطبيب في جامعة شيربروك في كندا، بمعاونة زملائه، أكثر من ألف مقابلة (مدة المقابلة الواحدة 20 دقيقة) مع الآباء والأمهات الجدد، استمعوا خلالها إلى مخاوفهم بشأن اللقاحات، وأجابوا عن تساؤلاتهم. فكانت نتيجة ذلك أنْ ارتفعت احتمالات تلقِّي أطفال هؤلاء الآباء جميع التطعيمات المقررة بنسبة 9%، مقارنةً بالأطفال الذين لم يخُض آباؤهم المقابلات، ووُلدوا في نفس جناح الولادة (T. Lemaitre et al. Hum. Vaccin. Immunother. 15, 732-739; 2019). ونَقل جانجور عن إحدى الأمهات قولها: "هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها في نقاش كهذا. وإنني لألمس الاحترام في معاملتي، وأثق بك".

إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يتعين على العلماء القيام به؟ عليهم أن يأخذوا بأسلوب دحض المغالطات المنهجية، حتى غير المتخصصين منهم. يمكن لعالم جيولوجيا، مثلًا، أن يستميل جاره المتردد في تلقّي اللقاح. كما يمكن لعالم متخصص في البروتينات الحيوية أن يوجِّه النصح والإرشاد لعمِّه الذي هو في حاجة إلى مزيد من الأدلة على أن التغير المناخي ظاهرة حقيقية. (وكذلك فإن «دحض المضمون» يمكن أن يكون حلًّا فعَّالًا، غير أنه يستلزم شيئًا من الخبرة). وعوضًا عن الانخراط في النقاشات العارضة، لك أن تخوض حوارًا جادًا، على أن يكون قائمًا على الاحترام المتبادَل. وإذا أنفقتَ مزيدًا من الوقت في طرح الأسئلة، بدلًا من الإسهاب في الشرح والتفسير، فسوف تجد الناس أكثر ترحيبًا بما تطرح من تفسيرات، وأكثر إصغاءً إليها.

أين يكون المكان المناسب لفعل ذلك؟ حيثما وُجِدَ منكرو العلم. بادِر ببدء حوار في أثناء انتظارك في طابور في الصيدلية، أو اقترِح على مدرسة أطفالك أن تُلقي فيها كلمةً في هذا الشأن، أو – إذا كنتَ طموحًا – انضمّ إليَّ في المؤتمر المقبل لجماعة القائلين بسطحية الأرض. والحقُّ أن صديقًا، متخصصًا في علم الفيزياء، سوف يصحبني في هذا المؤتمر بالفعل.

مَن يسعى إلى إحداث فارق، عليه أن يتعلم كيف يفعل ذلك. له أن يلتمس ذلك في «مركز آلان ألدا للتوصيل العلمي»، الواقع في قرية ستوني بروك بولاية نيويورك، و«مركز المشاركة المجتمعية في العلوم»، التابع لجامعة سينسيناتي في ولاية أوهايو. ربما لا يحمل لك هذا النهج نفس القدر من الارتياح الذي تشعر به عند الهتاف مع أقرانك المشاركين في مسيرة للدفاع عن العلم، ولكنه يمكن أن يكون أجدى، وأمضَى أثرًا. 

لي ماكلنتاير

باحث حاصل على الزمالة من مركز الفلسفة وتاريخ العلم بجامعة بوسطن، بولاية ماساتشوستس، ومؤلف كتاب سيصدر قريبا تحت عنوان: «كيف تتحدث مع منكري العلم؟ محاورات مع القائلين بسطحية الأرض، ومنكري التغير المناخي، وغيرهم من أعداء العقل» How to Talk to a Science Denier: Conversations with Flat Earthers, Climate Change Deniers, and Other Who Defy Reason (دار نشر «إم آي تي بريس» MIT Press، 2021).