افتتاحيات

حان الوقت لتوسيع مفهوم "صحة المرأة"

تستحق الأبحاث في هذا المجال مزيدًا من الاهتمام، ليس فقط فيما يتعلق بأمراض الصحة الإنجابية.

  • Published online:

يعاني أكثر من ثُمن سكان العالم من حالة مرضية قد تسبِّب الألم، والنزيف الشديد، والحَدّ من الخصوبة، وجميعها عواقب محتمَلة لأورام حميدة، معروفة باسم أورام العضلات الملساء الرحمية، أو أورام الرحم الليفية. وقد تكون الأورام الليفية مُنهِكة، وهي سبب شائع لاستئصال الرحم جراحيًّا.

ومع ذلك، لم يُول العلماءُ الأورامَ الليفية إلا اهتمامًا محدودًا نسبيًّا، سواء في الأوساط الأكاديمية، أَم في شركات الأدوية. وظل السبب الرئيس لتلك الحالة المرضية وكيفية الحدّ من تأثيرها على الخصوبة مثار جدل لعقود، وهو ما ترك الأطباء المعالجين لها في حيرة إزاء أفضل طريقة لعلاج المصابات بها.

لسوء الحظ، لا تُعَد الأورام الليفية سوى واحدٍ من العديد من الجوانب الصحية غير المدروسة في الإناث (ويشمل مصطلح الإناث النساء ممن تتوافق هويتهم الجنسية مع الجنس المعين لهم عند ولادتهم، والرجال المتحولين جنسيًّا، وبعض الأشخاص ضمن النظام الجنسي غير الثنائي، وثنائيِّي الجنس. ويشير مصطلح "النساء" في بقية هذا المقال إلى النساء اللاتي تتوافق هويتهم الجندسية مع الجنس المعين لهم عند ولادتهم). وتميل الدراسات الإكلينيكية وقبل الإكلينيكية على حد سواء إلى التركيز على الرجال، فنجد أن الأشخاص المشاركين في التجارب الإكلينيكية المتعلقة بأمراض القلب والأوعية الدموية لا تمثل النساء إلا ثلثهم، ووجد تحليل لدراسات علم الأعصاب، نُشر في ست دوريات علمية خلال عام 2014 أن 40% من تلك الدراسات شمل الذكور فقط. كما نُشرت دراستان وتحقيق مطوّل في دورية Nature في الخامس من أغسطس الجاري، سلَّطَت الضوء على الإنجازات البحثية في مجال صحة المرأة، والحاجة إلى الكثير من الإنجازات الأخرى في هذا الصدد.

وتبحث إحدى الدراستين سالفتي الذكر في الأصول الجزيئية للأورام الليفية، وتكشف عن آلية محتملة لتكوُّن هذه الأورام. وقد تستطيع الأدوية التي تستهدف العناصر الجزيئية التي تلعب دورًا رئيسًا في هذه العملية – بعد إجراء المزيد من الدراسات –  أن توفر خيارات علاجية جديدة.

أما الدراسة الأخرى، فتتبنى نهجًا متعدد التخصصات في بحث الآليات الوراثية والعوامل الوبائية التي تسهم في عملية شيخوخة المبيض، التي تؤدي إلى انقطاع الطمث وفقدان الخصوبة. ويختلف العمر الذي تتعرض فيه النساء لانقطاع الطمث اختلافًا كبيرًا، حيث يصل مدى هذا الفارق العمري بين النساء الأصحاء إلى حوالي 20 عامًا. وقد تنخفض الخصوبة بشكل كبير لفترة تصل إلى عقد من الزمان قبل هذا الانقطاع.

وقد أدّت هذه الدراسة الأخيرة إلى اتساع قائمة الجينات التي تسهم في شيخوخة المبايض المبكرة، كما تبرز أهمية استخدام آليات إصلاح الحمض النووي في تحديد العمر الذي تشهد فيه النساء انقطاع الطمث.

وتوضح الدراستان التقدم الذي يمكن إحرازه عند إبراز التحديات الصحية التي تواجه المرأة، بيد أن المدافعين عن صحة المرأة يحذِّرون من أن هذا المجال لا يزال ينظر إليه في كثير من الأحيان من زاوية ضيقة للغاية، إذ ينبغي ألا تقتصر دراسة الصحة والمرض عند النساء على الأمراض التي تصيب النساء فقط. وعلى سبيل المثال، تؤثر بعض الحالات المرضية، مثل مرض السكري من النوع الثاني، ومرض ألزهايمر، وأمراض القلب، على الرجال بشكل مختلف عنه بين النساء. ويجب دراسة هذه الأمراض لدى كل من الرجال والنساء، مع إدراك أن تشخيصها واحتمالات تطوُّرها وعلاجها قد تكون مختلفة بين الجنسين.

على سبيل المثال، تُعد النوبات القلبية السبب الرئيس للوفاة بين كل من النساء والرجال، إلا أن النساء لا يعانين دائمًا الأعراض "النموذجية" التي تظهر عادةً عند الرجال. كما أن النساء أكثر عرضة للإصابة بجلطات الدم بعد النوبات القلبية،. ومع ذلك، تكون احتمالية وصف أطبائهن الأدوية المضادة للتجلط لهن أقل. ووفقًا لمؤسسة القلب البريطانية، فإن النساء أكثر عرضة بنسبة 50% من الرجال لتَلَقِّي تشخيص مبدئي خاطئ بعد إصابتهن بالنوبات القلبية، كما إن احتمال وصف الأدوية لهن للحدّ من خطر الإصابة بنوبة ثانية يكون أقل بينهن منه لدى الرجال.

وفيما يتعلق بالرياضة، تواجه النساء خطر التعرض لإصابات خطيرة طويلة الأمد، إذا واصلنا نمذجة التدريبات وعلاج إصابات الرأس بناءً على بيانات من الرجال. فوفقًا لأحد تقاريرنا الإخبارية، بدأ يتجلى بصورة متزايدة أن النساء يختبرن إصابات الرأس ويتعافين منها بشكل مختلف تمامًا عن الرجال. وثمة حاجة إلى إجراء أبحاث في العديد من التخصصات، إذا أردنا أن نفهم السبب الذي يجعل احتمال تعرُّض النساء لارتجاج في المخ أثناء الألعاب الرياضية، مثل كرة القدم، والرجبي، أكبر بمعدل الضعف تقريبًا مقارنةً به بين الرجال، وفهْم سبب استغراق النساء وقتًا أطول للتعافي من هذه الإصابات.

"ينبغي ألا تقتصر دراسة الصحة والمرض عند النساء على الأمراض التي تصيب النساء فقط".

وحتى الآن، تتسم الشواهد الدالة على هذه الأسباب بنُدْرَتها، لكن البيانات الأولية تشير إلى اختلافات بنيوية في الدماغ، إذ يجري توصيل المحاور العصبية في أدمغة النساء بأنابيب دقيقة أقل سمكًا منها لدى الرجال، وهي تتمزق بسهولة أكبر. ويُعتقد أيضًا أن التقلبات الهرمونية تسهم في شدة هذه الإصابات. كما يُحتمل أن الميكانيكا الحيوية تلعب دورًا أيضًا في ذلك. وعلى سبيل المثال، في لعبة الرجبي، يبدو أن النساء يسقطن على نحو مختلف عندما يطرحهن الخصم أرضًا، وهو ما قد يعزز خطر الإصابة بارتجاج في الدماغ. وقد تساعد أنظمة التدريب المصمَّمة خصيصًا للنساء في التخفيف من حدة هذه الإصابات.

إنّ مفاد رسالة الباحثين في مجال الرياضة واضح بما لا يدَع مجالًا للشك، وهو أنه لم يعد من المقبول استخدام بيانات من الرجال فقط في هذه الدراسات. وعندما يجري تضمين النساء في هذه الدراسات، يجب الفصل بين البيانات وتصنيفها حسب الجنس، وإشراك عدد كافٍ من النساء. فجدير بالذكر أن دراسة حديثة تنظر في صور التصوير الشعاعي بالرنين المغناطيسي لصفوة من لاعبي الرجبي تضمنَتْ نساء (K. A. Zimmerman Brain Commun. 3, fcab133; 2021)، إلا أن عددهن بلغ ثلاث نساء فقط من بين 44 لاعبًا.

وفضلًا عن أن النقص النسبي للنساء في لجان مراجعة المِنَح والمجالس الاستشارية العلمية يعني أن القليل من المعنيين بصناعة هذه القرارات لديهم خبرة شخصية مباشرة بالاحتياجات الصحية للمرأة، أو بوجود فجوات بحثية، فهذا يعطي أهمية أكبر لقيام هيئات التمويل بطلب مشورة جماهيرية عند تحديد الأولويات البحثية.

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ عام 2016، طلبت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية من الباحثين إجراء دراسات المراحل قبل الإكلينيكية في كل من الحيوانات والأنسجة والخلايا الخاصة بالذكور والإناث على حد سواء، أو تقديم تفسير لعدم ملاءمة دراسة كلا الجنسين. واليوم، نجد أن الأمر منوط بجهات التمويل الأخرى، والباحثين، والدوريات العلمية، لتعزيز هذا التغيير، من خلال الحرص على الإفادة بالبيانات الخاصة بالنوع الجنسي في الدراسات المنشورة. كما يجب على هيئات التمويل أيضًا دعم توفير الموارد لدراسات الصحة والمرض لدى النساء، وتتبُّع مقدار الأموال التي تُنفق لمساندة هذه الأبحاث في جميع المجالات، وليس مجرد أبحاث أمراض النساء، فبالمعايير تُنجَز المهام.