أخبار

سَحْب مسودة بحثية حول عقار «إيفرمكتين» يكشف التحديات أمام دراسات عقاقير «كوفيد-19»

أشار الباحثون إلى أن سَحْب هذه الدراسة من منصةٍ للمسودات البحثية كان بمثابة ضربة في مقتل، قوّضت فرص نجاح هذا العقار المضاد للطفيليات كعلاجٍ لمرض «كوفيد-19».

سارا ريردون

  • Published online:
في بوليفيا وبلدانٍ أخرى، ظل الناس يشترون عقار "إيفرمكتين" المضاد للطفيليات خلال الجائحة، باعتباره علاجًا واقيًا من مرض "كوفيد-19".

في بوليفيا وبلدانٍ أخرى، ظل الناس يشترون عقار "إيفرمكتين" المضاد للطفيليات خلال الجائحة، باعتباره علاجًا واقيًا من مرض "كوفيد-19".

Credit: Rodrigo Urzagasti/Reuters/Alamy

اجتذب عقار «إيفرمكتين» المضاد للطفيليات كثيرًا من الاهتمام خلال الجائحة، لا سيما في أمريكا اللاتينية، بوصفه علاجًا محتملًا لمرض «كوفيد-19»، بيد أن الباحثين يرون أن الآمال المنعقدة على نجاح العقار في علاج المرض بدأت تضعف، بفعل ما أُسفر النقاب عنه مؤخرًا من مَواطن خللٍ صادمة وهائلة، في بيانات دراسة أولية، أشارت إلى أن العقار يُقلِّل بشدة حالات الوفاة الناجمة عن مرض «كوفيد-19». وقد أدى ذلك إلى تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الدراسات التي تُجرى حول فعالية العقاقير في أثناء الجوائح.

حول ذلك، يقول إدواردو لوبيز مدينا، اختصاصي طب الأطفال من مركز دراسة حالات العدوى بين الأطفال في مدينة كالي الكولومبية، الذي شارك في الدراسة، وبَحَثَ ما إذا كان عقار "إيفرمكتين" يُسهم في تحسين أعراض «كوفيد-19»، أم لا: "صُدمْتُ، شأني في ذلك شأن جميع أفراد المجتمع العلمي على الأرجح". وأضاف قائلًا: "كانت هذه من أولى الدراسات التي دفعت الجميع إلى الاعتقاد بأن عقار «إيفرمكتين» أثبت نُجُوعه [في التجارب الإكلينيكية]".

أوجزت الدراسة نتائج تجربة إكلينيكية أظهرت - على ما يبدو - أن عقار «إيفرمكتين» يمكن أن يُقلل معدلات الوفاة الناجمة عن مرض «كوفيد-19» بنسبة تزيد على 90% (المرجع رقم 1)؛ وهي من بين كبرى الدراسات التي تناولت قدرة العقار على علاج مرض "كوفيد-19" حتى الآن، إلا أنه في الرابع عشر من يوليو الماضي، قررت الجهات المعنية بمنصة "ريسيرش سكوير" Research Square – خادم المسودات البحثية – سَحْب الدراسة المشار إليها، بسبب "إشكاليات أخلاقية"، وذلك بعدما أعربت جهات تحقيق مختصة بالنشر عبر الإنترنت عن مخاوف ذات صلة بارتكاب سرقاتٍ فكرية في الدراسة، وحدوث تلاعب ببياناتها.

وفي تصريحٍ لدورية Nature، قال أحمد الجزار، الباحث من جامعة بنها في جمهورية مصر العربية، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة المذكورة، إنه لم يُمنَح الفرصة للدفاع عن الدراسة قبل حذفها.

وجدير بالذكر أنه في وقتٍ مبكر من الجائحة كان عددٌ من العلماء قد ساق في دراسات مختبرية براهين على أن عقار «إيفرمكتين» يمكن أن يُثبِّط نشاط فيروس كورونا «سارس-كوف-2»2، إلا أن البيانات المتعلقة بفعالية العقار في علاج مرض «كوفيد-19» لا تزال شحيحةً، وثمة تعارُضٌ كبير بين نتائج الدراسة، وهو ما جعل سَحْب المسودة البحثية لنتائج تجربة كبيرة كهذه باعثًا على قدر كبير من الاهتمام.

ومع أن منظمة الصحة العالمية نصحت بعدم استخدام عقار «إيفرمكتين» كعلاجٍ لمرض «كوفيد-19» خارج إطار التجارب الإكلينيكية، شاع استخدام هذا العقار، الذي يُعطى دون وصفة طبية لهذا الغرض في بعض المناطق حول العالم. فبعض البقاع يَعُدّه بديلًا مؤقتًا إلى حين إتاحة اللقاحات به، رغم أن فعاليته لم تثبُت بعد. ويخشى العلماء أن يُنظَر إلى العقار على أنه بديل للقاحات التي تمتاز بدرجة عالية من الفعالية.

تأثيراتٌ متتابعة

اتضحت مَواطن الخلل في الدراسة بشكل جَلِيّ عندما قرأها جاك لورانس، طالب الماجستير من جامعة لندن، في إطار أدائه لفرض دراسي، إذ استرعى انتباهه أن هناك عِبارات كانت مطابِقة لأخرى نُشرت في عمل بحثي آخَر. وعندما تَواصَل مع فريقٍ من الباحثين المتخصصين في اكتشاف ممارسات الغش في المنشورات العلمية، اكتشف الفريق بدوره إشكاليات أخرى باعثة على القلق، من بينها العشراتُ من سجلات المرضى، التي بدا أنها مكررة، فضلًا عن أوجه تضارب بين البيانات الأولية، والمعلومات الواردة في الدراسة، ووجود بيانات لمرضى تُشير سجلاتهم إلى أنهم فارقوا الحياة قبل تاريخ بدء الدراسة، وبعض الإحصاءات التي خرجت بأعداد ثابتة إلى حد مفرط، يبدو معه تَحَقُّقها مصادفةً ضرْبًا من المستحيل.

من هنا، صرّح فريق تحرير منصة «ريسيرتش سكوير» بأنها دشَّنت تحقيقًا رسميًّا بشأن المخاوف التي أعرب عنها لورانس وفريقه البحثي. وذكرت صحيفة «الشروق» Al-Shorouk المصرية أن وزير التعليم العالي والبحث العلمي بجمهورية مصر العربية يتحرّى بدوره تلك المزاعم.

وفي رسالةٍ بعثها الجزار عبر البريد الإلكتروني إلى دورية Nature، كتب يقول: "سُحبت الدراسة من منصة »ريسيرتش سكوير«، دون إبلاغي، أو التوجه بأسئلة إليَّ". ودافع عن الدراسة، معلقًا على مزاعم السرقة الفكرية بأن "العبارات كثيرًا ما يُشاع استخدامها ويُستشهَد بها في الإحالات المرجعية" عندما يقرأ الباحثون أبحاث بعضهم البعض.

وبالرغم من انطلاق عشرات التجارب الإكلينيكية لدراسة عقار «إيفرمكتين» خلال العام الماضي3، اشتهرت دراسة الجزار بسبب إعلانها عن إحدى أولى النتائج الإيجابية فيما يخص علاج «كوفيد-19»، وتأثير «إيفرمكتين» الذي زعمته، إضافة إلى حجم الدراسة؛ إذ شملت 400 شخص ممن واجهوا أعراض «كوفيد-19». ولا يمكن زعم تحقيق هذا الانخفاض المبهر في معدلات الوفيات إلا مع عدد قليلٍ من العلاجات. وفي ذلك الصدد، يقول أندرو هيل، الذي يدرس تغيير استخدام العقاقير، لتوظيفها لأغراض جديدة في جامعة ليفربول بالمملكة المتحدة: "كان الاختلاف بين هذه النتائج وغيرها كبيرًا، ولافتًا. وكان ينبغي أن يخدم كإشارة تحذيرية حتى آنذاك".

ويوافقه لورانس الرأي، إذ يقول: "صُعقتُ من أنّ أحدًا لم يكتشف ذلك".

تجاوَز عدد مرات الاطلاع على الدراسة المذكورة قبل سَحْبها 150 ألف مرة، واستُشهد بها أكثر من 30 مرة، كما جرى إدراجها في عددٍ من التحليلات الإحصائية المجمَّعة، التي تجمع نتائج التجارب وتدمجها في نتيجة واحدة ذات دلالة إحصائية. وفي تحليلٍ إحصائي مجمَّع، ورد مؤخرًا في دورية «أمريكان جورنال أوف ثيرابيوتكس» American Journal of Therapeutics، التي توصلت إلى أن عقار «إيفرمكتين» يُقلل كثيرًا وفيات «كوفيد-19»4، استند هذا التأثير بنسبة 15.5% إلى دراسة الجزار.

وحول ذلك، يقول الإحصائي أندرو بريانت، أحد الباحثين المشاركين في التحليل الإحصائي من جامعة نيوكاسل في المملكة المتحدة، إن فريقه تَواصَل مع الجزار قبل نشر الدراسة، من أجل استيضاح بعض البيانات. وأضاف قائلًا في رسالةٍ بعثها بالبريد الإلكتروني: "لم يكن لدينا ما يدعو إلى التشكك في نزاهة [البروفسير] الجزار". كما ذكر أنه في أثناء الجوائح، لا يمكن لأحدٍ أن يعيد تحليل جميع البيانات الأولية المستقاة من سجلات المرضى عند كتابة مراجعة نقدية. وتابَع بريانت حديثه قائلًا إن فريقه سوف يراجع النتيجة، إذا توصلت التحقيقات إلى عدم موثوقية دراسة الجزار، وإنْ كان يرى أنه حتى في حال حذف ما أوردته دراسة الجزار، ستصمد النتيجة التي أظهرها التحليل الإحصائي، والتي تثبت أن عقار «إيفرمكتين» يُقلل كثيرًا حالات الوفاة الناجمة عن مرض «كوفيد-19».

الحاجة إلى بيانات موثوقة

لا يُعَدّ سَحْب الدراسة المذكورة الفضيحة الأولى التي تلاحق الدراسات التي أُجريت على عقار «إيفرمكتين» ومرض «كوفيد-19»، حيث يرى هيل أن الكثير من أبحاث تجارب عقار «إيفرمكتين» الأخرى التي تحرى دقتها يُحتمل أن تكون به مَواطن خلل أو تحيز إحصائي. فالعديد منها يعتمد على عيناتٍ صغيرة الحجم، أو لا يجري فيها توزيع المرضى على مجموعات بشكل عشوائيّ، أو تفتقر إلى مجموعة مقارنة. كما أنه في عام 2020، تَقَرَّر سَحْب دراسة رصدية حول العقار، بعد أن أعرب علماء عن مخاوف بشأنها، وبشأن بضع دراسات أخرى استخدمت بيانات تخص شركة «سيرجيسفير» Surgisphere الأمريكية التي أجرت دراسات حول عددٍ من العقاقير التي تغير استخدامها لتوظيفها في علاج «كوفيد-19». حول ذلك، يقول هيل: "لاحظنا نمطًا بين الأشخاص الذين يُطْلِقِون معلوماتٍ غير موثوق بها". وأضاف قائلًا: "من الصعوبة بمكانٍ أن تُجْرِي بحثًا بخصوص مرض «كوفيد-19»، وعلاجه دون أن يحرِّف الناس قواعد البيانات".

ويوضح كارلوس شكور، الباحث في مجال الصحة العالمية من معهد برشلونة للصحة العالمية في إسبانيا، أنه كان من الصعب إجراء دراساتٍ تتسم بالدقة بشأن عقار «إيفرمكتين» .ويرجع هذا - في جانبٍ منه - إلى أن الجهات التمويلية والأكاديمية في البلدان الغنية لم تدعم تلك الدراسات، وغالبًا ما كانت تغض الطرف عن إجراء تجارب حول عقار «إيفرمكتين» – على حد اعتقاده – نظرًا إلى أن معظم هذه التجارب كان يُجرى في البلدان ذات الدخل المنخفض. وإضافة إلى ذلك، يقول رودريجو زوني، اختصاصي أمراض القلب من معهد كورينتِس لأمراض القلب في الأرجنتين، إنه من الصعب إلحاق مشاركين في التجارب، لأن الكثيرين، لا سيما في أمريكا اللاتينية، يتعاطون بالفعل هذا العقار المتاح على نطاق واسع، في محاولةٍ للوقاية من مرض «كوفيد-19».

وتزداد صعوبة الموقف بسبب نظريات المؤامرة التي يزعم أصحابها أن عقار «إيفرمكتين» ثبتت فعاليته، وأن شركات الأدوية تسعى لحرمان عموم الأفراد من علاجٍ رخيص الثمن. وتعقيبًا على ذلك، يقول شكور إنه اتُّهم بضلوعه في "إبادةٍ جماعية"، لإجرائه أبحاثًا عن العقار، بدلًا من من اعتماده  فحسب.

وبالرغم من أن التحقيقات بشأن عقار «إيفرمكتين» لا تزال مستمرة، يرى الكثيرون أن سحب الدراسة يدل على صعوبة تقييم الأبحاث خلال الجوائح. يقول جِديون مايروفيتس-كاتس، اختصاصي علم الأوبئة من جامعة ولونجونج الأسترالية، الذي ساعد لورانس في تحليل دراسة الجزار: "لم يعد لديَّ شخصيًّا أي ثقة في نتائج تجارب عقار «إيفرمكتين» التي نُشرت إلى اليوم"، وأضاف قائلًا إنه يستحيل تقييم ما إذا كان عقار «إيفرمكتين» ناجعًا في علاج مرض «كوفيد-19»، أم لا، لأن البيانات المتاحة حاليًّا ليست عالية الجودة بما فيه الكفاية. وأشار إلى أنه يقرأ دراساتٍ أخرى حول هذا العقار في وقت فراغه، باحثًا عن دلائل على أي ضرب من الاحتيال، أو أي إشكاليات أخرى.

ويقول شكور وغيره ممن يدرسون عقار «إيفرمكتين» إن الدليل الذي يُثبِت ما إذا كان العقار فعالًا في علاج «كوفيد-19»، أم لا، يعتمد على عددٍ من الدراسات الضخمة المتواصلة، ومنها تجربة تُجرى في البرازيل، يُشارك فيها أكثر من 3500 شخص. ويقول زوني إنه بحلول نهاية عام 2021، سيكون قد شارك قرابة 33 ألف شخص في تجربةٍ من نوعٍ ما حول عقار «إيفرمكتين».

وختامًا، يقول شكور: "أعتقد أن مهمتنا هي تحقيق أقصى استفادة من كل المزايا المحتملة"، لا سيما إذا أخذنا في الحسبان أن معظم البلدان ليست لديها وفرة كبيرة من اللقاحات". ويضيف قائلًا: "في نهاية المطاف، إذا أجرينا التجارب وفشلت، فلا بأس في ذلك، لأننا نكون قد بذلنا محاولات على الأقل".

References

  1. Elgazzar, A. et al. Preprint at Research Square https://doi.org/10.21203/rs.3.rs-100956/v3 (2020).
  2. Caly, L., Druce, J. D., Catton, M. G., Jans, D. A. & Wagstaff, K. M. Antiviral Res. 178, 104787 (2020). | article
  3. Popp, M. et al. Cochrane Data. System. Rev. https://doi.org/10.1002/14651858.CD015017.pub2 (2021). | article
  4. Bryant, A. et al. Am. J. Ther. 28, e434–e460 (2021). | article
Affiliation