أخبار

الصين تُدشن أكبر سوق للانبعاثات الكربونية في العالم

الخبراء يرحبون بمنظومة تداول الانبعاثات، وفي الوقت نفسه يتساءلون عن جدواها في تمكين الصين من تحقيق أهدافها المناخية.

بيانكا نوجرادي

  • Published online:
محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة هانجتشو بمقاطعة تشجيانج الصينية

محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة هانجتشو بمقاطعة تشجيانج الصينية

Credit: Feature China/Barcroft Media/Getty

أطلقت الصين، التي تتصدَّر دول العالم من حيث حجم انبعاثات غازات الدفيئة، أول منظومة وطنية لتداول الانبعاثات (ETS). وقد سبق إلى تبنِّي هذه المنظومة، القائمة على تسعير الكربون، نحو 45 دولة، إلا أنَّ منظومة الصين، التي دُشِّنَت في السادس عشر من يوليو الماضي، هي الأكبر من نوعها على مستوى العالم.

قبل انطلاق المنظومة الصينية، تَكَرَّر تأجيلها عدة مرات، ويقول الباحثون إنها ليست بالمنظومة الطَّموحة إلى الحد الذي يمكِّن الصين من تحقيق أهدافها ذات الصلة بخفض الانبعاثات، ومنها الوفاء بالموعد الذي حدَّدَتْه موعدًا لذورة الانبعاثات، ومن ثم اتجاه منحنى الانبعاثات نحو الانخفاض (في عام 2030)، وكذا الوصول بصافي الانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول عام 2060.

يقول هونجبو دوان، عالم الاقتصاد في كلية الاقتصاد والإدارة بالأكاديمية الصينية للعلوم في بكين: "ينبغي ألا يوضع البيض كلُّه في سلة واحدة، وألا تصبَّ كل الجهود في هذا الاتجاه دون غيره. ما أحوجنا إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات، مثل تطوير مصادر الطاقة المتجددة، وكذلك احتجاز الكربون وتخزينه".

ومع ذلك، يأمل دوان في أن يكون للمنظومة تأثير كبير بمرور الوقت. وعلى خلاف الآليات الوطنية في البلدان الأخرى، حيث تكون العبرة بحجم الانبعاثات الكلي، تستند الصين إلى كثافة الانبعاثات (أي مقدار الانبعاثات لكل وحدة طاقة متولدة)، آملةً أن تساعدها هذه المنهجية على الحدِّ من آثار تلك الانبعاثات على المناخ. ويقول دوان: "أعتقد أن هذه المنظومة قد يكون لها دور هائل في كبح انبعاثات الكربون في المستقبل".

شرعَتْ الصين في بحث هذه المنهجية في عام 2013، عندما أطلقت سبع منظومات تجريبية في مدن صينية، شملَتْ بكين، وشنجهاي، وشنتشن. وتقول يان تشِن، خبيرة الاقتصاد ومحللة الكربون المقيمة في العاصمة النرويجية أوسلو، والتي تعمل لدى شركة «ريفينيتيف» Refinitiv، وهي شركة عالمية تتيح بيانات عن الأسواق المالية، إن التقارير التي تفيد بأن بعض الشركات كانت تزيف بيانات الانبعاثات هي ما دفعت المنظومة الوطنية إلى إيلاء اهتمامٍ أكبر إلى وضع آلية مُحكَمة للرصد والإبلاغ.

تعتمد المنظومة الصينية نموذجًا يقوم على تحديد الانبعاثات، وتداوُلها؛ حيث يُخصَّص لمصادر الانبعاثات الصناعية – وهي محطات الطاقة التي تعمل بالفحم والغاز فقط بصورة مبدئية – عدد معين من التصاريح، التي تسمح بإطلاق الانبعاثات حتى حدٍّ أقصى معيَّن في تلك التصاريح. إذا لم تتجاوز المحطة حصتها (أي بقيَتْ دون الحد الأقصى المقرَّر لها)، فإنها تكتفي بتسليم تصاريح الانبعاث الممنوحة لها، أما إذا تجاوزت هذا الحد، فلها أن تشتري تصاريح إضافية. وتستهدف الصين توسيع نطاق هذه الخطة لتشمل قطاعاتٍ صناعية أخرى خلال السنوات المقبلة.

وبذلك، تحفِّز الحكومة شركات الطاقة على خفض كثافة الانبعاثات؛ بما يقود إلى إنتاج الكمية نفسها من الطاقة، مع تقليل الانبعاثات الناجمة، أو زيادة إنتاجها من الطاقة، مع الحفاظ على حجم الانبعاثات عند نفس المستوى. ومُفاد ذلك أن الشركات يمكنها – في ظل هذه المنظومة – زيادة الحجم الكلي للانبعاثات، إذا ما تمكَّنَتْ من تقليل حجم الانبعاثات الناجمة عن إنتاج كل وحدة طاقة.

يقول براد كيرين، المدير العام لرابطة «معهد سوق الكربون»Carbon Market Institute ، ومقرها مدينة ملبورن الأسترالية، إن الحد الأقصى الأوَّلي لانبعاثات للشركات يتحدَّد بدالَّة تأخذ في الحسبان عوامل عدَّة، تشمل إنتاجها الحاليَّ من الطاقة، وكثافة الانبعاثات الناتجة عن عملياتها الراهنة. وكثافة الانبعاثات، بدورها، تعتمد على عوامل أخرى، مثل نوع الفحم، والمعدات المستخدمة.

وترى كيرين أن هذه المنهجية تتيح للسلطات المعنية "تقدير عدد التصاريح التي تقدمها في البداية، ثم خَفْضَها بمرور الوقت". في كل عام، يُعاد احتساب قيمة الحد الأقصى، والعمل على تخفيضها، مما يؤدي إلى رفع الكفاءة، وذلك من خلال مطالبة الشركات بتقليل حجم الانبعاثات التي تولِّدها مقابل الطاقة التي تنتجها.

حوافز لرفع الكفاءة

ترى تشِن أن "جوهر منظومة تداوُل الانبعاثات إنما يكمُن في توفير حافز لتوليد الطاقة بكفاءة أكبر، أو بكثافة انبعاثات أقل". كما ترى أن بإمكان شركات الطاقة تطوير المعدات والمرافق لتكون أكثر كفاءة، ثم مقايضة تصاريح الانبعاثات التي تدخرها، وبعد ذلك يمكنها شراء تصاريح لتغطية الانبعاثات الزائدة.

تقول تشِن إن التحدِّي الذي يواجه الصين يتمثل في أنه من المتوقع أن ينمو اقتصادها بنسبة تتراوح بين 4% و5% سنويًا؛ ما يعني زيادةً كبيرة في استهلاك الطاقة، ومن ثم زيادةً في حجم الانبعاثات.

إن الهدف المتمثل في خفض كثافة الانبعاثات يسمح بتحقيق "تنمية اقتصادية مستقبلية"، ويعني – في الوقت نفسه – أن الصين لا يزال بإمكانها "تقليل انبعاثات الكربون لكل وحدة من الناتج الاقتصادي"، على حد قول جيانلي مو، خبير الاقتصاد في مركز أبحاث الطاقة والسياسة البيئية بالأكاديمية الصينية للعلوم في بكين.

ومع ذلك، فهناك مِن الباحثين مَن يخشى من أن تكون الحصص الأولية سخيةً أكثر مما ينبغي، وألا تكون عقوبات عدم الامتثال شديدة بما يكفي. ترى تشِن أن هذا التساهل النسبي المبدئي هو – على الأغلب – تنازُل لمصلحة منتجي الطاقة، والشركات العاملة في مجال الوقود الأحفوري. وتقول: "إننا بحاجة إلى انضمام منتجي الطاقة الحرارية إلى المنظومة، على أن يتم تشديد هذه المنظومة بعد بضع سنوات من الآن".

أما فرانك جوتزو، خبير الاقتصاد البيئي في الجامعة الوطنية الأسترالية بالعاصمة كانبرا، فيرى في بدء العمل بمنظومة تداول الانبعاثات في الصين إشارةً إيجابية. يستبعد جوتزو أن للمنظومة بصورتها الحالية تأثير كبير في الانبعاثات، إلا أنه يستدرك قائلًا: "ومع ذلك، فإنها تُرسي أساسًا للبنية التحتية التي يمكن الاستفادةً منها مستقبلًا في خفض انبعاثات قطاع الطاقة في الصين، بصورة فعالة وكفاءة عالية".

وتشير تشِن إلى تحدٍ آخر يواجه الصين في هذا الصدد، يتمثل في ضمان نزاهة الإبلاغ عن الانبعاثات ورصدها. ولعلاج المشكلات التي ظهرت في مرحلة المنظومات التجريبية، شدَّدت الآلية الوطنية المعايير ذات الصلة بإبلاغ الشركات عن انبعاثاتها، بحيث تُحتِّم عليها تقديم معلومات تقنية مفصلة، مثل البيانات المتعلقة بنوع الفحم، ومعدلات استهلاكه. وإضافةً إلى ذلك، تستعين الصين بجهات مستقلة للتحقق من البيانات.