أنباء وآراء

البحث عن أقوى المُسرِّعات في مجرّتنا

تَمَكَّن العلماء من اكتشاف 12 مُسرِّعًا، مُرشحةً لأنْ تكون أقوى مُسرِّعات الجسيمات الفيزيائية الفلكية في مجرّة درب التبانة. من شأن هذا التقدم أن يُسهم في الكشف عن طبيعة هذه الأجرام العجيبة.

بيترا هيونتيماير
  • Published online:

ما أقوى مُسرِّعات الجسيمات في مجرّتنا؟ وكم يبلغ عددها؟ بالنظر إلى كَمِّ المعلومات التي نعرفها بالفعل عن مجرّة درب التبانة، ربما تندهش عند سماعك أن العلماء لم يتوصَّلوا بعدُ إلى إجابةٍ شافية عن هذين السؤالين. ففي دراسةٍ نشرتها دورية Nature، يُفيد القائمون على المشروع التعاوني1، المشرف على «مرصد وابلات الأشعة الكونية الكبير عالي الارتفاع» LHAASO، باكتشاف عددٍ غير مسبوق من المُسرِّعات المُرشَّحة لاحتلال مكانة أقوى المُسرِّعات، وهو ما يُبشِّر ببداية حقبة جديدة في الفيزياء الفلكية ذات الطاقة العالية للغاية.

تتغلغل البروتونات وغيرها من الأنوية الذَّرية التي تتحرك بسرعة تُقارِب سرعة الضوء في أرجاء الفضاء بين النجوم. وقد اكتشف فيكتور هيس2 عالِم الفيزياء النمساوي الأمريكي، هذه الجسيمات التي يُطلَق عليها الأشعة الكونية للمرة الأولى منذ أكثر من قرن من الزمان. فبالاستعانة بمناطيد طائرة، أطلق هيس أجهزة تسمح بقياس معدل التأيُّن في الغلاف الجوي. واكتشف أن معدل التأين يزداد بزيادة الارتفاع، وخلص إلى أن "الإشعاع الذي يمتلك قدرة عالية جدًّا على الاختراق يَنفُذ من الفضاء إلى غلافنا الجوي". وقد توصَّل العلماء في وقتٍ لاحقٍ إلى أن الأشعة الكونية هي جسيمات مشحونة3.

اكتشفَتْ المراصد الأرضية الحديثة أنَّ بمقدور الأشعة الكونية بلوغَ مستويات من الطاقة تتجاوز 1 بيتا إلكترون فولت (يُشار إلى أن 1 بيتا إلكترون فولت يكافئ 1510 إلكترون فولت). وهذه المستويات من الطاقة تفُوق نحو 100 مرة تلك المتحقِّقة في المُسرِّعات الخاصة بمختبر «مُصادم الهدرونات الكبير»، التابع للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN)، وهي المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات، الواقع على حدود جنيف في سويسرا. ويُطلق على المُسرِّعات الفيزيائية الفلكية التي يمكنها دفع الجسيمات لبلوغ هذه المستويات الهائلة من الطاقة «بيفاترون» Pevatron، نسبةً إلى المُسرِّع «تيفاترون» Tevatron، الذي استمر العمل به حتى عام 2011 في مختبر «فيرميلاب» Fermilab، الواقع على مقربة من شيكاغو بولاية إلينوي.

لم يستطع العلماء إلى الآن التوثُّق من ماهية البيفاترونات، ولا القطع بعددها في مجرتنا. ونظرًا إلى أن الأشعة الكونية مشحونة، فإن أحد التحديات التي تَحُول دون العثور عليها يتمثل في أن المسارات التي تنتقل عليها هذه الجسيمات تتغير بفعل المجالات المغناطيسية بين النجوم. ولذا، ورغم استحالة تحديد مصدر الأشعة الكونية، يوجد سبيل لتجاوُز هذه المشكلة، وهو تعقُّب مسارات أشعة جاما.

تستطيع الأشعة الكونية إنتاج أشعة جاما عندما تصطدم بمادة سابحة بين النجوم (مثل السُّحب، أو الغاز الجزيئي)، أو عندما تتفاعل مع المجالات الكهرومغناطيسية المتولِّدة بين النجوم بالقرب من المُسرِّعات. وبمقدور أشعة جاما هذه أن تحمل نحو عُشر طاقة الأشعة الكونية المُنشِئة لها، وأن تنتقل في خط مستقيم – دون أن تتأثر بالمجالات المغناطيسية – بالنسبة إلى راصدٍ محتمَل. وبالتالي، فإن اكتشاف موقع تنبعث منه أشعة جاما تفوق طاقتها 0.1 بيتا إلكترون فولت يُعَد دليلًا قويًّا على وجود بيفاترون في تلك المنطقة. استخدم القائمون على الدراسة «مرصد وابلات الأشعة الكونية» في مقاطعة سيتشوان الصينية (الشكل 1) من أجل التعرُّف على 12 موقعًا من تلك المواقع، وهو ما يُضاعِف تقريبًا عدد مواقع البيفاترونات المرشَّحة للاكتشاف حتى الآن.

الشكل 1 | «مرصد وابلات الأشعة الكونية الكبير عالي الارتفاع» في سيتشوان بالصين. اعتمد عليه القائمون على المشروع المشرف على هذا المرصد في رصد أشعة جاما التي تولَّدت عن 12 مُسرِّعًا، مرشَّحة لأنْ تكون أقوى مُسرِّعات الجسيمات الفيزيائية الفلكية في مجرتنا.

الشكل 1 | «مرصد وابلات الأشعة الكونية الكبير عالي الارتفاع» في سيتشوان بالصين. اعتمد عليه القائمون على المشروع المشرف على هذا المرصد في رصد أشعة جاما التي تولَّدت عن 12 مُسرِّعًا، مرشَّحة لأنْ تكون أقوى مُسرِّعات الجسيمات الفيزيائية الفلكية في مجرتنا.

Credit: Liu Kun/Xinhua/Alamy

ووفقًا للنموذج القياسي لتسريع الأشعة الكونية، تندفع الجسيمات إلى أعلى بفعل موجة صدمية سريعة الحركة في بقايا انفجار مُستعرٍ أعظم. ويؤدي عدم تجانس المجال المغناطيسي المصاحِب للموجة الصدمية إلى تكرار انعكاس الجسيمات جيئة وذهابًا عبر مقدمة الموجة الصدمية. وهذه العملية – المعروفة بتسارُع الصدمة الانتشارية – تتسبَّب في تسارع الجسيمات، إلا أنه ليس واضحًا ما إذا كانت الجسيمات تظل في منطقة التسارع لوقت كافٍ حتى تصل إلى مستويات طاقة بيتا إلكترون فولت. وإضافةً إلى ذلك، لا يوجد إلى الآن سوى ارتباطٍ محتمَل بين مرشَّح بيفاترون واحد فقط، وبقايا مستعرٍ أعظم4-5.

وثمة أجرام فلكية أخرى، من شأنها تسريع الأشعة الكونية لبلوغ مستويات طاقة بيتا إلكترون فولت. ففي عام 2016، أفاد القائمون على المشروع التعاوني المشرف على «نظام التجسيم عالي الطاقة» HESS، الذي يضطلع بمهمة تشغيل تلسكوبات في نامبيا، باكتشافهم أشعة جاما قادمة من مركز المجرّة6 وقد فسَّروا هذه الأشعة على أنها مُتتبِّعات الأشعة الكونية التي تبلغ بيتا إلكترون فولت، المرتبطة بنشاطٍ سابقٍ للثقب الأسود فائق الضخامة في مركز المجرة. وإضافة إلى ذلك، فإنه منذ عام 2019، سجلت تلسكوبات أخرى عديدة منتشرة حول العالم انبعاث أشعة جاما عند مستويات طاقة تقترب من 0.1 بيتا إلكترون فولت، أو تتجاوزها، من مواقع في مجرّتنا تقع على مقربة من نجوم متراصة سريعة الدوران، وتتمتع بمغناطيسية عالية، ويُطلق عليها النجوم النابضات، أو على مقربة من المناطق التي تتكوَّن فيها النجوم7-12.

لم يبلغ أيٌّ من القياسات السابقة النطاق عالي الطاقة الذي بلغته عمليات رصد أجراها «مرصد وابلات الأشعة الكونية». وفي إطار التهيئة الأخيرة للمرصد، سيصبح لديه ثلاثة أنظمة كواشف فرعية، تُعرَف باسم «مصفوفة كواشف تشيرينكوف المائية»، و«مصفوفة تلسكوبات تشيرينكوف ذات مجال الرؤية الواسع»، و«مصفوفة الكيلومتر المربع». وفي الدراسة التي بين أيدينا، تعرَّف الباحثون على 12 بيفاترونًا مرشَّحًا، وذلك باستخدام البيانات التي جُمعت في أقل من عامٍ اعتمادًا على «مصفوفة الكيلومتر المربع»، التي لم يكتمل سوى نصفها. وعندما تكتمل بِنْية «مرصد وابلات الأشعة الكونية»، لنحصل منها على مزيدٍ من البيانات، سوف يرتفع مستوى دقة عمليات الرصد، مما سيعزز من الثقة في مستويات الطاقة بالغة الارتفاع، المنسوبة إلى أشعة جاما الصادرة عن البيفاترونات المرشَّحة.

وفيما يتعلق بأحد هذه المرشَّحات، رصد الباحثون أشعة جاما ذات مستويات طاقة مرتفعة، تبلغ 1.4 بيتا إلكترون فولت، صادرة من اتجاه «كوكبة الدجاجة». وسوف تستحوذ هذه النتيجة على انتباه الكثير من الباحثين، ومن المحقَّق أن العلماء سوف يتناولونها بالفحص والدراسة من منظور نقدي، داخل وخارج مشروع «مرصد وابلات الأشعة الكونية». المدهش في الأمر أن مشروع «التبت إيه إس جاما» Tibet ASγ12، ومشروع «تشيرينكوف للمياه عالية الارتفاع» HAWC13 كليهما أفاد بوجود انبعاثٍ لأشعة جاما يتجاوز 0.1 بيتا إلكترون فولت، صادرٍ من تلك المنطقة بالسماء. وقد درس باحثو تجربة «تشيرينكوف للمياه عالية الارتفاع» سطوع سطح المنطقة، وربطوا الانبعاث بما يُطلَق «العنقود النجمي» Cygnus OB2، إذ ربما تعمل موجاتٌ صدمية قوية، تولَّدت بفعل رياح نجمية قوية، على تسريع الجسيمات، لتصل إلى مستويات طاقة بيتا إلكترون فولت. وفي المستقبل، يمكن أن يجري مشروع «مرصد وابلات الأشعة الكونية» دراساتٍ مشابِهة، من أجل تقييد القوة القصوى لتسارُع الأشعة الكونية في العناقيد النجمية.

في غضون سنوات قليلة، سوف تدخل الخدمةَ تلسكوباتٌ جديدةٌ، تُضاف إلى غيرها من التلكسوبات قيد التخطيط. وتجدر الإشارة إلى أن مصفوفة «تلسكوبات تشيرينكوف»14 هي مرصد أرضي، سيتولى تشغيلَه ائتلافٌ متعدد الجنسيات في مواقع في تشيلي، وجزر الكناري، وإسبانيا. وتعتزم مجموعةٌ أخرى من علماء الفيزياء الفلكية بناء «مرصد أشعة جاما الجنوبي واسع النطاق» SWGO15 في أمريكا الجنوبية. سيتخذ هذا المرصد، بمجال رؤيته الضخم، موقعًا مثاليًّا يؤهله لمسح قطاعات شاسعة من سماء نصف الكرة الأرضية الجنوبي، بما يمتاز به من إطلالة ممتازة على مركز المجرّة. هذا الجيل الجديد من المراصد سيبحث عن علامات على وجود البيفاترونات، وغيرها من البِنَى المتطرفة غير المتوقعة، من أجل معرفة المزيد عن طبيعة المادة والطاقة في الكون، وكيفية انتقالهما.

References

  1. LHAASO Collaboration. Nature 594, 33–36 (2021). | article
  2. Hess, V. F. Phys. Z. 13, 1084–1091 (1912). English translation at https://arxiv.org/abs/1808.02927.
  3. Clay, J. Proc. R. Acad. Sci. Amsterdam 30, 1115–1127 (1927). 
  4. HAWC Collaboration. Astrophys. J. Lett. 896, L29 (2020). | article
  5. Tibet ASγ Collaboration. Nature Astron. 5, 460–464 (2021). | article
  6. HESS Collaboration. Nature 531, 476–479 (2016). | article
  7. Tibet ASγ Collaboration. Phys. Rev. Lett. 123, 051101 (2019). | article
  8. HAWC Collaboration. Phys. Rev. Lett. 124, 021102 (2020). | article
  9. MAGIC Collaboration. Astron. Astrophys. 635, A158 (2020). | article
  10. HAWC Collaboration. Astrophys. J. Lett. 907, L30 (2021). | article
  11. HAWC Collaboration. Astrophys. J. 911, L27 (2021). | article
  12. Tibet ASγ Collaboration. Phys. Rev. Lett. 126, 141101 (2021). | article
  13. HAWC Collaboration. Nature Astron. 5, 465–471 (2021). | article
  14. Williams, D. et al. Bull. Am. Astron. Soc. 51, 291 (2019).
  15. Huentemeyer, P. et al. Bull. Am. Astron. Soc. 51, 109 (2019).

بيترا هيونتيماير: أستاذة بمعهد علوم الأرض والكواكب والفضاء، قسم الفيزياء، جامعة ميشيجان التقنية، مقاطعة هوتون، ولاية ميشيجان 49931، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: petra@mtu.edu