أنباء وآراء

آلية عصبية محفِّزة للسرطان في الفئران

تنشيط مستحث بالضوء للخلايا العصبية في شبكية العين يحفز تكوين أورام العصب البصري في الفئران المُعرضة للإصابة بالسرطان، وهو ما يكشف عن دور محتمَل للنشاط العصبي في بدء مرض السرطان.

فارون فينكتاراماني، وفرانك فينكلر
  • Published online:

السرطان ليس مرضًا يقتضي انقسامًا غير منضبط لخلايا معزولة؛ وإنما هو حالة تتعاون فيها أنواع مختلفة من الخلايا الطبيعية والخلايا الخبيثة لتحفيز نمو الورم وانتشاره. ومن المثير لدهشة العديد من الباحثين أن الجهاز العصبي - الذي يحتوي على خلايا عصبية، وخلايا غير عصبية في الدماغ، والحبل الشوكي، والأعصاب المنتشرة في جميع أنحاء الجسم – قد يشارك كذلك في تطور السرطان. فتشير يوان بان وفريقها البحثي1في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature إلى أن النشاط العصبي المستحث بالضوء، في نموذج لفئران مصابة بمرض نادر يجعل الأفراد عرضة للإصابة بالأورام على طول العصب البصري، ليس مسؤولًا فقط عن نمو هذه الأورام، ولكن عن الإصابة بها أيضًا.

يصيب الورم الليفي العصبي من النوع الأول (NF1) شخصًا واحدًا من بين كل ثلاثة آلاف شخص حول العالم، وينتج عن طفرة في الجين الذي يحمل الاسم نفسه. ويكون الأفراد المصابون بطفرة في الجين NF1 عرضة للإصابة بأورام بطيئة النمو (منخفضة الدرجة) في مرحلة الطفولة تُسمى الأورام الدبقية على طول المسار البصري؛ وهو المسار العصبي الذي يضم العصب البصري، والذي يحمل المعلومات البصرية من الخلايا المستشعرة للضوء في شبكية العين إلى الدماغ.

كانت نقطة البداية لدراسة بان وفريقها البحثي هي نموذج لفئران تحمل جميع خلايا أجسامها تقريبًا طفرة في جين NF1 الخاص بالفئران، لكنْ الخلايا وحدها التي تتحول إلى أورام دبقية في المسار البصري (الخلايا السلفية العصبية) افتقرت كليًا إلى نسخة وظيفية من الجين NF12. وكلا هذين الشرطين ضروريان لتطور الأورام الدبقية في المسار البصري للفئران في سن مبكرة (حوالي تسعة أسابيع)3 وهو ما يعكس الوضع لدى الأطفال والشباب الذين يعانون من الورم الليفي العصبي من النوع الأول، والذين قد يُصابون بأورام دبقية يظهر فيها نقص في التعبير عن الجين NF1. وقد استخدمت بان وفريقها البحثي نموذج الفئران البسيط هذا، القابل للتحكم فيه نسبيًّا، والمسمى نموذج الجين NF1 للورم الدبقي في المسار البصري (Nf1OPG) للإجابة عن سؤال مثير للاهتمام بشأن ما إذا كان التعرض للضوء - الذي يعزز نشاط الخلايا العصبية في المسار البصري – يحفز تكوين الأورام الدبقية في المسار البصري، أم لا.

أجرى الباحثون اختبارات للتحقق مما إذا كانت تربية فئران النموذج Nf1OPG الصغيرة في الظلام من عمر 6 أسابيع إلى عمر 12 أسبوعًا تمنع تكوين الأورام الدبقية في المسار البصري، أم لا. ومن المدهش أن هذا ما حدث بالفعل. فضلًا عن ذلك، أدى وضع فئران النموذج Nf1OPG التي بدأت تصاب بالأورام بالفعل في الظلام في مرحلة لاحقة من حياتها (من 12 إلى 16 أسبوعًا) إلى تقليل نمو الأورام بشدة. واتساقًا مع هذه النتائج، أدى التنشيط الاصطناعي للخلايا العصبية في العصب البصري - باستخدام تقنية تُعرف باسم البصريات الوراثية - إلى تعزيز نمو الأورام الدبقية في المسار البصري في فئران النموذج Nf1OPG.

بعد ذلك، استكشف الباحثون العوامل الجزيئية الحاسمة الكامنة وراء تأثيرات التعرض البصري للضوء على نمو الأورام الدبقية (الشكل 1). ففي دراسات سابقة لنوع آخر من أورام الدماغ (ورم دبقي شرس عالي الدرجة)، أوضح بعض الباحثين المشاركين في دراسة بان أن الخلايا العصبية المنشطة تفرز بروتينًا يسمى عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ، وبروتينًا آخر يسمى neuroligin-3 يحفز بدوره نمو الأورام الدبقية4 وفي دراسة بان وفريقها البحثي، وجدوا أن التحفيز البصري الوراثي للخلايا العصبية في شبكية العين يرفع مستويات كلا البروتينين في المسار البصري، وأن كلا البروتينين عززا تكاثر خلايا الورم الدبقي منخفض الدرجة في مزرعة  خلوية. وقد تأكد فيما بعد دور neuroligin-3 في تحفيز نمو الورم في فئران النموذج Nf1OPG من خلال إثبات أن فقده الوراثي لدى هذه الفئران – كما في حال الحرمان من الضوء - قلل من حدوث الأورام الدبقية.

الشكل 1 | النشاط العصبي في العصب البصري للفئران المعرضة للإصابة بالسرطان يحفز تكوين الأورام. الورم الليفي العصبي من النوع الأول (NF1) هو متلازمة تجعل الأفراد عرضة للإصابة بأنواع معينة من السرطان. وقد أشارت يوان بان وفريقها البحثي في بحث نشر مؤخرًا1 إلى أن التنشيط الضوئي لخلايا العقد العصبية بالشبكية (RGCs) في نموذج فئران معدل وراثيًا ومصاب بالورم الليفي العصبي من النوع الأول، غير كافٍ لحث تكوين أورام تسمى الأورام الدبقية في العصب البصري، الذي يحتوي على مجموعة من خلايا العقد العصبية بالشبكية التي تنقل المعلومات البصرية إلى الدماغ. وبالمقارنة مع ما يحدث في الفئران العادية، تُطْلِق خلايا العقد العصبية بالشبكية المنشطة في نموذج الفئران الذي درسه الباحثون المزيد من بروتينneuroligin-3 (NLGN3)، الذي ينبثق من غشاء الخلية (غير موضح في الشكل) بواسطة الإنزيم ADAM10. ويعزز بروتين neuroligin-3 تحوُّل الخلايا السلفية العصبية إلى خلايا ورمية، وهو ما يؤدي إلى ظهور الأورام الدبقية في المسار البصري، ويحفز نمو هذه الأورام.

الشكل 1 | النشاط العصبي في العصب البصري للفئران المعرضة للإصابة بالسرطان يحفز تكوين الأورام. الورم الليفي العصبي من النوع الأول (NF1) هو متلازمة تجعل الأفراد عرضة للإصابة بأنواع معينة من السرطان. وقد أشارت يوان بان وفريقها البحثي في بحث نشر مؤخرًا1 إلى أن التنشيط الضوئي لخلايا العقد العصبية بالشبكية (RGCs) في نموذج فئران معدل وراثيًا ومصاب بالورم الليفي العصبي من النوع الأول، غير كافٍ لحث تكوين أورام تسمى الأورام الدبقية في العصب البصري، الذي يحتوي على مجموعة من خلايا العقد العصبية بالشبكية التي تنقل المعلومات البصرية إلى الدماغ. وبالمقارنة مع ما يحدث في الفئران العادية، تُطْلِق خلايا العقد العصبية بالشبكية المنشطة في نموذج الفئران الذي درسه الباحثون المزيد من بروتينneuroligin-3 (NLGN3)، الذي ينبثق من غشاء الخلية (غير موضح في الشكل) بواسطة الإنزيم ADAM10. ويعزز بروتين neuroligin-3 تحوُّل الخلايا السلفية العصبية إلى خلايا ورمية، وهو ما يؤدي إلى ظهور الأورام الدبقية في المسار البصري، ويحفز نمو هذه الأورام.

كبر الصورة

واكتشفت بان وفريقها البحثي أيضًا مستويات عالية من neuroligin-3 في عينات أورام مأخوذة من أشخاص يعانون من نوع من الأورام الدبقية منخفضة الدرجة، المرتبطة بالأورام الدبقية في المسار البصري، يسمى الورم النجمي شعريّ الخلايا، على الرغم من تباين مستويات إفرازه بين العينات. وجدير بالذكر أن عينات الأورام التي أظهرت تعبيرًا مرتفعًا عن بروتين neuroligin-3 أظهرت أيضًا تعبيرًا مرتفعًا عن جينات مرتبطة بتكوين المشابك العصبية، وهي الوصلات بين الخلايا العصبية. وتثير هذه النتيجة تساؤلًا حول ما إذا كانت المشابك العصبية التي عُثِر عليها في الأورام الدبقية عالية الدرجة - حيث تعزز من شراسة الورم5، 6- موجودة أيضًا في الأورام الدبقية منخفضة الدرجة المرتبطة بالأورام الليفية العصبية من النوع الأول، أم لا. وينبغي حسم ذلك من خلال أبحاث مستقبلية.

ومن خلال مزيد من التجارب، أثبت فريق الباحثين أن الخلايا العصبية المنشطة في المسار البصري لفئران النموذج Nf1OPG تُطْلِق كميات أكبر من neuroligin-3، مقارنة بالخلايا العصبية المنشطة في المسار البصري للفئران العادية. ويؤكد هذا آلية لم تكن معروفة سابقًا، يمكن من خلالها لطفرة جين NF1 تفعيل النشاط العصبي المحفِّز لبدء تكوُّن الأورام، وهو ما يجعل الأشخاص الذين يحملون هذه الطفرة عرضة للورم الليفي العصبي من النوع الأول. كما سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان هذا ينطبق أيضًا على أنواع أخرى من الأورام المرتبطة بالورم الليفي العصبي من النوع الأول، مثل أورام الغمد العصبي الطرفي الخبيثة، أم لا. ومن هنا، يظهر تساؤل إضافي عما إذا كانت متلازمات الاستعداد الفطري الأخرى للإصابة بالسرطان تتضمن آليات مماثِلة يؤدي فيها النشاط العصبي إلى تكوين الورم ونموه، أم لا.

وبالبناء على الأبحاث السابقة حول الأورام الدبقية عالية الدرجة4، 7، أوضح الباحثون أن عقارًا يثبط الإنزيم الذي يُطْلِق بروتين neuroligin-3 من الخلايا العصبية يحدِث التأثير نفسه أيضًا في الأعصاب البصرية لفئران النموذج Nf1OPG. من ثم، أدى علاج فئران النموذج Nf1OPG الصغيرة بذلك العقار إلى منع تكوين الأورام الدبقية في المسار البصري، على نحو يضاهي تأثيرات الحرمان من الضوء. وعلى غرار الحرمان من الضوء أيضًا، أدى العلاج لاحقًا بذلك العقار إلى تقليل حجم الورم. ويخضع هذا المركّب حاليًّا للدراسة بالفعل في تجارب إكلينيكية على الأورام الدبقية عالية الدرجة (انظر هذه التجربة الأمريكية التي يديرها ائتلاف مكافحة أورام الدماغ لدى الأطفال؛ go.nature.com/3w3mx44). ولهذا، تعد قدرة هذا المركب على منع الأورام الدبقية المرتبطة بالورم الليفي العصبي من النوع الأول أو علاجها مثيرة للاهتمام.

وتعزز الدراسة التي أجرتها بان وفريقها البحثي فكرة أن النشاط العصبي ليس قادرًا فحسب على أن يحفز نمو الأورام، بل قد يكون عاملًا جوهريًّا أيضًا في بدء تكوُّن الورم السرطاني؛ وهو ما جرت الإشارة إليه سابقًا في حالات الإصابة بسرطان خارج الجهاز العصبي المركزي8. على سبيل المثال، في سرطان البروستاتا، وأنواع أخرى من السرطان، يمكن للخلايا السلفية القادمة من الدماغ أن تتوجه إلى الأورام، حيث تلعب دورًا أساسيًّا في تطور الورم ونموه9. وإضافة إلى ذلك، في الفئران، أدت إزالة الخلايا العصبية التي تحمل معلومات حسية من البنكرياس إلى الجهاز العصبي المركزي إلى منع تكَوُّن أورام البنكرياس10. وفي جلد الفئران، تبيَّن أن الأورام تميل إلى التكوُّن في مجموعات الخلايا ذات التغذية العصبية العالية11. وتُوَسِّع دراسة بان وفريقها البحثي نطاق هذا الارتباط ليشمل الجهاز العصبي المركزي، ومتلازمات الاستعداد الفطري للإصابة بالسرطان.

ما الآثار الإكلينيكية لهذه الدراسة إذَن؟ هل ينبغي أن نخبر الأفراد المصابين بالورم الليفي العصبي من النوع الأول بارتداء نظارات شمسية، أو تغطية أعينهم لفترة معينة؟ أم ينبغي لنا أن نهدف بطريقة ما إلى تقليل النشاط العصبي العام لدى الأفراد المصابين بأورام الدماغ؟ قد يكون من الصعب تنفيذ مثل هذه "الاستراتيجيات" لعدة أسباب عملية، ناهيك عن الأسباب الأخلاقية، غير أن المبادرات الحالية التي تسعى إلى ترجمة فهْمنا للتفاعلات بين الجهاز العصبي والسرطانات تؤيد استخدام الأساليب الدوائية التي تستهدف مسارات جزيئية محددة12. وتدعم هذه الدراسة نهجًا آخر من هذا القبيل للأفراد المصابين بالورم الليفي العصبي من النوع الأول. وسيكون من المثير للاهتمام اكتشاف ما إذا كان علاج السرطان الموَجَّه بعلم الأعصاب سيصبح ركيزة جديدة للعلاج في علم الأورام، أم لا.

References

  1. Pan, Y. et al. Nature 594, 277–282 (2021). | article
  2. Bajenaru, M. L. et al. Cancer Res. 63, 8573–8577 (2003).  | article
  3. Toonen, J. A., Ma, Y. & Gutmann, D. H. Neuro Oncol. 19, 808–819 (2017).  | article
  4. Venkatesh, H. S. et al. Cell 161, 803–816 (2015). | article
  5. Venkataramani, V. et al. Nature 573, 532–538 (2019). | article
  6. Venkatesh, H. S. et al. Nature 573, 539–545 (2019). | article
  7. Venkatesh, H. S. et al. Nature 549, 533–537 (2017). | article
  8. Magnon, C. et al. Science 341, 1236361 (2013). | article
  9. Mauffrey, P. et al. Nature 569, 672–678 (2019). | article
  10. Saloman, J. L. et al. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 3078–3083 (2016). | article
  11. Peterson, S. C. et al. Cell Stem Cell 16, 400–412 (2015). | article
  12. Monje, M. et al. Cell 181, 219–222 (2020). | article

فارون فينكاتاراماني، وفرانك فينكلر يعملان في قسم طب الأعصاب، بمستشفى هايدلبرج الجامعي، وفي المركز الألماني لأبحاث السرطان، 69120 هايدلبرج، ألمانيا. يعمل فينكاتاراماني أيضًا في قسم التشريح العصبي الوظيفي، بمستشفى هايدلبرج الجامعي.

البريد الإلكتروني: frank.winkler@med.uni-heidelberg.de