أخبار

العلاجات الجينية لداء هانتنجتون تفشل في التجارب الإكلينيكية

انعقدت آمال كبيرة على العقاقير المصمَّمة لتقليل مستويات البروتين المتطفر المسبب لهذا الداء، لكن تطويرها توقف.

ديانا كوان

  • Published online:
يتجمع الشكل المتطفر من بروتين «هانتنجتِن» في الخلايا العصبية.

يتجمع الشكل المتطفر من بروتين «هانتنجتِن» في الخلايا العصبية.

Credit: Frederic Sadou, ISM/Science Photo Library

أوقفت شركتا أدوية تجاربهما الإكلينيكية، لتقصِّي فعالية العقاقير العلاجية المستهدِفة للجينات المسببة لداء "هانتنجتون"، بعد الأداء المخيب للآمال لهذه العقاقير.

تعَلَّقَت آمال الباحثين بأنْ تؤدي هذه العلاجات – المعروفة بالعقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ (ASO) – إلى تغيير جذري فيما يخص التصدي لداء هانتنجتون الوراثي العضال، الذي يؤثر على الإدراك، والسلوك, والقدرة الحركية، إلا أن التصاريح المتعاقبة الصادرة عن شركة «روش» Roche، الكائن مقرّها في مدينة بازل السويسرية، وشركة «ويف لايف ساينسِز» Wave Life Sciences في كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، كانت بمثابة ضربة في مقتل، حطمت آمال المصابين بالمرض.

وتقول ماريون، وهي من المصابين بالداء، الذين شاركوا في إحدى تجارب علاجه من لندن عن رد فعلها إزاء هذه الأنباء: "صُعقت وانخرطت في البكاء". وأضافت قائلة: "لم نتوقع هذا على الإطلاق. ولذا، ساورني شعور بالخوف الشديد والقلق حيال مستقبلي". وقد طلبت ماريون عدم الإفصاح عن اسم عائلتها حمايةً لخصوصيتها.

وفي منتصف مارس الماضي، أعلنت شركة «روش» إيقاف المرحلة الثالثة من دراستها للعقار قليل النيوكليوتيدات المضاد لاتجاه النسخ "تومينيرسين" Tominersen. وبعد أسبوع، صرحت شركة "ويف لايف ساينسِز" بأنها ستوقف تطوير اثنين من عقاقيرها قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ، كانا في المرحلتين الأولى والثانية من التجارب الإكلينيكية، واستهدفا علاج داء "هانتنجتون".

وتعقيبًا على ذلك، تقول كاث ستانلي، المديرة التنفيذية لرابطة داء هانتنجتون، وهي جماعة ضغط بريطانية تدعم المصابين بالمرض: "إن إيقاف تجربة شركة «روش» بالأخص حطم آمال مجتمع المعنيين بهذا الداء". وتعلل لذلك بقولها: "أثار الباحثون والأطباء وشركة الأدوية نفسها ضجة كبيرة وآمالًا عريضة فيما يخص نتائج هذه التجربة. وأظن أن مجتمع المعنيين بالداء كانت قد غمرته تلك الآمال".

بروتينات معيبة

تتألف العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ من شريطٌ صغير من الحمض النووي، أو الحمض النووي الريبي، يُعدِّل عملية إنتاج بروتينات معينة، عبر الارتباط بسلاسل من الحمض النووي الريبي تنتجها جينات معيبة، إذ يرمِّز الجين المسبب لداء هانتنجتون بروتينًا يُسمى "هانتنجتِن"، ينشط في الدماغ. ويعمل هذا الجين في المصابين بداء هانتنجتون على تكرار قطعة قصيرة في تسلسل حمضه النووي – هي مجموعة السيتوزين والأدينين والجوانين (CAG) النيوكليوتيدية – بصورة مفرطة. وكانت شركتا «روش»، و«ويف لايف ساينسِز» تطوران مركبات تهدف إلى تقليل مستويات الصيغة المتطفرة من بروتين "هانتنجتِن".

وبلغ التفاؤل بعقار "تومينيرسين" الخاص بشركة «روش» حدًّا هائلًا، بعد أن أظهرت تجربة الشركة حوله في مرحلتيها الأولى والثانية أنه قلل بدرجة كبيرة مستويات بروتين «هانتنجتِن» المتطفر في السائل الدماغي النخاعي، دون أعراض جانبية خطيرة، لكنْ بعد مراجعة مقررة لبيانات التجربة في بداية العام الحالي، أوصت لجنة مستقلة من الخبراء بإيقاف التجربة مبكرًا، وخلصت إلى أن المنافع المحتمَلة للعقار أقل من مخاطره.

وفي السابع والعشرين من إبريل الماضي، في مؤتمر عقدته «مبادرة علاج داء هانتنجتون»، (المعروفة اختصارًا باسم CHDI)، وهي منظمة بحثية أمريكية متخصصة في علاج هذا الداء، كشفت شركة «روش» أن التجربة جرى إيقافها، لأن عقار «تومينرسين» لم يُظْهِر فعالية أعلى من العقار المموِّه، وأنه أدى إلى نتائج أسوأ حين أُعطِي للمرضى بمعدل أعلى.

"أكثر نتيجة مؤسفة"

اختبرت المرحلة الثالثة من تجربة عقار "تومينرسين" فعالية نظامين لجرعات العقار، يتمثلان في إعطاء 120 ملِّيجرامًا منه إمّا كل 8 أسابيع، أو كل 16 أسبوعًا؛ وهي أعلى جرعة آمنة من العقار، استنادًا إلى التجارب السابقة.

وقد أفادت شركة «روش» Roche أنه بعد 69 أسبوعًا، تدهورت على نحو ملحوظ حالة مَن خضعوا لنظام إعطاء الجرعات كل ثمانية أسابيع أكثر منها في مجموعة العلاج التمويهي، وجاءت نتائج فحوصهم أسوأ فيما يتعلق بوظائف الحركة والإدراك. من جهة أخرى، كانت نتائج المشاركين في مجموعة الجرعات التي تُعطى كل ستة عشر أسبوعًا أفضل منها في مجموعة الجرعات التي تُعطى كل ثمانية أسابيع، لكن تحسُّن حالتهم الإجمالي لم يكن أفضل من ذلك الذي شهدته مجموعة العلاج بالعقار المموِّه. كما ظهر بالأفراد في مجموعة العلاج بالعقار زيادة أكبر في حجم فجوات مملوءة بسوائل في الدماغ، تُعرف باسم البطينات، مقارنةً بمَن تلَقّوا العلاج التمويهي؛ وهو ما يحدث عادةً عند المصابين بداء هانتنجتون عند عدم تَلَقّيهم علاجًا.

وحول ذلك، تقول كلوديا تستا، طبيبة الأمراض العصبية من جامعة كومنولث فرجينيا في ريتشموند، التي تَلَقّت أتعابًا من مؤسسة «ويف لايف ساينسز» نظير تقديم خدمات استشارية لها: "إنها أكثر نتيجة مؤسفة ممكنة"، بيد أنها استدركت قائلة: "لا شك أن قرار إيقاف إعطاء جرعات العقار كان صائبًا، حتى لو لم تكن تلك النتيجة التي أمل الجميع فيها".

وتقول سارة تابريزي، طبيبة الأمراض العصبية بكلية لندن الجامعية، وواحدة من بين الباحثين في تجربة شركة «روش»، إن عدة عوامل ربما تكون قد أسهمت في فشل عقار «تومينرسين». فالعقار يكبح إنتاج كلٍّ من الصيغة السليمة والمتحورة من بروتين هانتنجتِن، وربما أدى هذا إلى حدوث مشكلات اعترضت فعاليته. ومن بين الاحتمالات الأخرى، أن هذا العقار قليل النيوكليوتيدات المضاد لاتجاه النسخ لم يصل إلى الأجزاء الصحيحة من الدماغ، أو أن المرض قد تطور ببساطة إلى حد يجعل العقار غير مُجْد. وسيتطلب تحديد مكمن المشكلة تحليلًا يمتد إلى بضعة أشهر، وفقًا لتابريزي. فنتائج شركة «روش» كانت أولية، وما زالت عملية تقييم البيانات المهمة مستمرة.

تفاؤل مشوب بالحذر

كانت تجارب شركة «ويف لايف ساينسز» تختبر فعالية عقاقير قليلة النيوكليوتيدات مضادة لاتجاه النسخ، لا تضر بالنسخة السليمة من بروتين «هانتنجتِن»، عبر استهداف طفرات بسيطة، تُعرف بطفرات تعدد أشكال النيوكليوتيدات المفردة، وهي طفرات تحدث فقط في الجين المعيب في مجموعة فرعية من المصابين بداء هانتنجتون. بيد أن اثنين من هذه العقاقير المركبَّة فشلا في تقليل مستويات الصورة المتطفرة من بروتين «هانتنجتِن» في التجارب المبكرة من المرحلتين الأولى والثانية، وهو ما جعل الشركة تتوقف عن تطويرهما. وتُشير نتائج هذه التجارب إلى أن "العقار لم يصل بكمية كافية إلى المناطق المطلوبة كي تظهر فعاليته"، على حد قول مايك بانزارا، المدير الطبي بالشركة. وهذه مشكلة مختلفة عما شهدناه في حال عقار «تومينرسين»، الذي نجح في تقليل مستويات البروتين المتطفر، لكنْ لم يَبْدُ أنه قد أبطأ تطور المرض. وتُطَوِّر شركة «ويف لايف ساينسز»  عقارًا ثالثًا من العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ، يستهدف طفرة مختلفة من طفرات تَعَدُّد أشكال النيوكليوتيدات المفردة، وقد أُجريت عليه تعديلات كيميائية حسنت فاعليته وقدرته على الوصول إلى أهدافه.

ومع أن الأمل في العلاج الجيني لداء هانتنجتون قد تحطم (على الأقل مؤقتًا)، ينتظر الباحثون بشعف نتائج تجربة ضخمة من المرحلة الثالثة لأحد العقاقير قليلة النيوكليوتيدات المضادة لاتجاه النسخ لعلاج داء عصبي حركي (يُعرف باسم التصلب الجانبي الضموري، أو اختصارًا ALS). وما حدث في حال عقار «تومينرسين» ليس مثار قلق في هذه التجربة، وفقًا لقول دون كليفلاند، أستاذ علم الأعصاب من جامعة كاليفورنيا بولاية سان دييجو الأمريكية، واستشاري شركة «أيونيس للمستحضرات الصيدلانية» Ionis Pharmaceuticals، بمدينة كارلسباد بولاية كاليفورنيا الأمريكية، التي طورت هذا العقار وعقار «تومينرسين». ويرجع السبب إلى أن عقار التصلب الجانبي الضموري ذاك أظهر بالفعل في التجارب من المرحلتين الأولى والثانية علامات على فعاليته في إبطاء تطوُّر المرض عند المصابين بالطور سريع التدهور منه، على عكس ما حدث في التجارب المبكرة لعقار «تومينرسين».

من هنا، يقول كليفلاند: "أظن أن لدينا سببًا يدعو إلى التحلي بتفاؤل مشوب بالحذر".