كتب وفنون

فيرا روبن: سيدةُ المادة المظلمة

عالمة الفلَك الاستثنائية التي بفضلها تأكَّد وجود المادة المظلمة، وسبرت أغوار المجرات الحلزونية، وكافحت انعدام المساواة.

أليسون أبوت
  • Published online:
عالمة الفلك فيرا روبن أثناء تفحصها ألواحًا فوتوغرافية عام 1974.

عالمة الفلك فيرا روبن أثناء تفحصها ألواحًا فوتوغرافية عام 1974.

Credit: Carnegie Institution for Science

كتاب «فيرا روبن: سيرة حياة» Vera Rubin: A Life، من تأليف جاكلين ميتون وسيمون ميتون. الناشر: بلكناب برس (2021)

لا يزال «مرصد فيرا سي. روبن» قيد الإنشاء في دولة تشيلي، ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ مهامه العلمية عام 2023. ويأمل مشروع «المسح المكاني والزماني التراكمي» Legacy Survey of Space and Time، التابع للمرصد، والذي سوف يستغرق عشر سنوات، أن "يرصد مساحات أوسع من الكون، بما يفوق كل ما رصدته التلسكوبات السابقة مجتمعة".   

 ويا له من طموح يليق بالاسم الذي يحمله المركز! فقد كرَّست روبن (التي عاشت بين عامَي 1928 و2016) حياتها العملية لرصد أكثر النجوم خفوتًا في أبعد المجرات مسافةً، مستعينةً في البداية بتلسكوبات تتضاءل إمكانياتها أمام طموحاتها في الفوز برؤية جلية لما وراء مجرتنا «درب التبانة». وأكثر ما تشتهر به هي ملاحظاتها الرصدية المتأنية، عالية الاستبانة، التي قدمت أدلة على وجود المادة المظلمة، وهي المادة الغامضة التي تشكل 85% من كتلة الكون.  

ولا يفوتُنا أيضًا التذكير بأن روبن، بوصفها أول امرأة يُطلَق اسمها على مرصد فلكي كبير، كانت إحدى أهم المدافِعات عن مبدأ المساواة بين الجنسين في علم الفلك، وفي الحياة بوجهٍ عام. وقد اتُّخذت مثالًا يُحتذى من قِبل الكثيرين؛ إذ تمكنت من تخطي حواجز ثقافية غير هينة، بُغية إصابة نجاح في مجال علم الفلك الرصدي.

ويعرض كتاب جديد، بعنوان «فيرا روبن: سيرة حياة» Vera Rubin: A Life، سيرة حياة العالمة، موثِّقًا إنجازاتها العديدة. ففي هذا الكتاب، يسرد المؤلفان جاكلين ميتون وسيمون ميتون – وهما متخصصان في علم الفلك – كيف وُلدت روبن في مدينة فيلادلفيا، بولاية بنسلفانيا الأمريكية، لأسرة من المهاجرين. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، ذاقت أسرتها مرارة الفقر إثر حدوث الكساد العظيم، الذي عانت منه الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك. ورغم ذلك، نعمت روبن بطفولة سعيدة في كنف والديها، اللذَين كانا يدعمان مواهبها العلمية الفطرية. وفي سنوات المراهقة المبكرة، حرصَتْ على حضور اللقاءات التي كان يعقدها نادي علم الفلك المحلي للهواة. ودفعها شغفها بعلم الفلك إلى صناعة تلسكوبها الخاص، باستخدام أنبوب كبير من الورق المقوى، حصلت عليه من محل لبيع مشمع الأرضيات، وعدسة شيئية صغيرة، اشترتها من متجر لبيع المستلزمات العلمية. 

ويؤرخ الكتاب اختيارات روبن على مدار مسيرتها المهنية، بدءًا من دراستها في كلية فاسار، ومقرها مدينة بوكيبسي بولاية نيويورك، وهي إحدى الجامعات النسائية القليلة التي كانت تُعنَى بتدريس علم الفلك للطالبات الجامعيات في أربعينيات القرن العشرين، وحتى تعيينها عام 1965 في «معهد كارنيجي للعلوم»، الكائن في واشنطن، والذي ظلت تعمل فيه إلى أن تقاعدت. أما آخر أوراقها العلمية، فقد نشرتها في مجلة «ذي آستروفيزيكال جورنال» The Astrophysical Journal عام 2005، وهي في السابعة والسبعين من عمرها. 

كان الشغف الأكبر لدى روبن يتمحور حول المجرات الحلزونية. ومما تجدر الإشارة إليه أن أهم إسهاماتها في هذا المجال يتمثل في قياس السرعات المختلفة التي تدور بها النجوم حول مراكز المجرات، وهي القياسات التي أكدت النظريات الخاصة بالمادة المظلمة. كان يُفترض لفترة طويلة أن سرعة هذا الدوران تتباطأ كلما بعدت النجوم عن مركز المجرة، مثلما تدور الكواكب بسرعة أقل كلما ابتعدت عن الشمس في مجرة «درب التبانة».  

تحدَّت روبن هذه الفرضية القديمة في إحدى أُولَيَات أوراقها العلمية، التي نُشرت عام 1962، واستُخدمت فيها بيانات جُمعت من قوائم بيانات النجوم التي كانت متاحة وقتذاك. (ومن المواقف التي اشتُهرَتْ بها روبن أنها هددت بسحب هذه الورقة العلمية إذا لم تتمكن من إضافة أسماء طلابها باعتبارهم مؤلفين مشاركين). برهنَتْ العالِمة في هذه الورقة على أن سرعة دوران الأجسام حول مراكز المجرات تظل ثابتة إلى حد ما، حتى عند أبعد مسافة عن المركز مسجَّلة في السجلات. بالشك قوبلَتْ فرضيتها في بادئ الأمر، قبل أن تثبُت صحتها بعد ذلك.

بعد مرور بضع سنوات، نفذت روبن عمليات رصد تأكيدية، بالاشتراك مع زميلها كِنت فورد، الذي كان قد طوَّر تقنية إلكترونية تحسَّن بسببها أداء التلسكوبات، حتى متوسط الإمكانيات منها. قدمت هذه القياسات التدقيقية الدليل الذي احتاجه علماء الكونيات على وجود المادة المظلمة، وكيف أنها قابعة فيما حول المجرَّات على هيئة هالات حول المجرات، مُحدِثةً قوة السحب الجاذبة التي إليها يُعزَى ثبات هذه المجرات.

وإبّان عقدَي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، رصدت روبن أيضًا النجوم الزائفة، واهتمت لبعض الوقت بعلم الكونيات الرصدي، حيث بحثت ظاهرة عدم الانتظام في التمدد الكوني. ويعقِّب المؤلفان قائلين إن روبن لم تستمتع بدراسة مثل هذه المجالات، التي تنطوي على منافسة لا تعرف الرحمة. ولذا، فسرعان ما عادت إلى دراسة مجالها الأثير: المجرات الحلزونية. وقد حازت عددًا لا يحصى من الجوائز والتكريمات، كان من أبرزها الميدالية الذهبية من الجمعية الفلكية الملكية، ومقرُّها لندن.

تُرى ما الذي ساعد روبن على تحقيق كل هذه الإنجازات في عصر ندر فيه إبداء التفهم أو تقديم الدعم للنساء في مجال العلوم؟ تؤكد سيرة حياتها أن السر يتلخص في كلمتين، هما: التصميم، والأسرة. فعلى سبيل المثال، صُدمت روبن عندما أخبرها أحد الأساتذة المشرفين على أبحاثها أنه يعتزم تقديم رسالة الماجستير الخاص بها في الاجتماع الذي ستعقده الجمعية الفلكية الأمريكية في ديسمبر باسمه بدلًا من اسمها، لأنها كانت تنتظر ميلاد أول أطفالها في نوفمبر. فما كان من والدَيها إلا أن أقلَّاها ورضيعها بالسيارة، وسط عواصف ديسمبر الثلجية، إلى مقر الاجتماع، الذي كان يبعد حوالي 500 كيلومترًا عن المنزل، ثم اعتنيا بالرضيع حتى تتمكن ابنتهما من مناقشة رسالتها بنفسها.  

يتناول أمثلة كثيرة مشابهة، تعرِض روبن من خلالها ما واجهته من صنوف التمييز ضدها، بوصفها امرأة. ففي مثال آخر، تعرَّضت روبن لاستنكار هائل من قِبَل مود ماكمسون – رئيسة قسم الفلك بكلية فاسار، وأول أستاذة لها – بشأن زواجها في سن العشرين. والحقُّ أن روبن لم ترَ أي وجاهةٍ في التخلى عن الأسرة من أجل العلم، وهو مصير تصوَّرت الكثيرات من بنات عصرها أنه محتوم، لا فكاك منه. وتمكنت من تربية أربعة أطفال أصبحوا بدورهم علماء. ومن الأمثلة التي يأتي عليها الكتاب، تلك الحكاية تُدووِلت كثيرًا عن سعي روبن لكسب الدعم من أجل القيام بمهام الرصد الفلكي في «مرصد جبل بالومار»، التابع لمعهد كارنيجي، ومقره كاليفورنيا، وهو المرصد الذي لم يقبل عالمات الفلك، لا لشيء إلا لاحتوائه على مرحاض واحد.  

في مبتدأ الأمر، كانت روبن تبحث عن الحلول التي من شأنها أن تمكّنها من تجاوز هذه العقبات بدون مواجهةٍ مباشرة. ولكن لم تكد تثبِّت قدميها في مسيرتها المهنية حتى بدأت في إعلان غضبها. حينئذ، شنَّت حملات من أجل تمثيل المرأة في اللجان العلمية، وإدراجها على قوائم المتحدثين في المؤتمرات. ولم تكتف بذلك، إذ انضمت أيضًا إلى المظاهرات والحملات التي نادت بحصول المرأة على المساواة في الحقوق بوجهٍ عام.  

وامتد نشاط روبن في هذا المجال ليشمل المجلات العلمية. ففي عام 1970، بعثَتْ بخطاب إلى جون مادوكس – رئيس تحرير دورية  Natureفي ذلك الحين - تشكو فيه من ورود إعلان بالمجلة عن وظيفة تميز بين النساء والرجال في المرتب لصالح الرجال. اقترحت روبن في الخطاب إما خفض الراتب المعروض للرجال، أسوةً بالنساء، أو أن "تتوقف المجلة عن نشر تلك الإعلانات التي تنطوي على تمييز". فما كان من مادوكس إلا أن ردَّ قائلًا: "نحن نناصر تحرير المرأة، ولكن لا يشترك جميع قرّاءنا معكِ في وجهات نظرك". 

ورغم هذه الطرائف الشيّقة التي تزخر بها صفحات الكتاب، لا يشعر القارئ بأن روبن تعيش فيها كإنسانة من لحم ودم؛ حيث أخفق المؤلفان في أن يجعلاه يتصور كما لو يصحب العالِمة في رحلتها. لكنها نجحا، رغم ذلك، في سرد قصة روبن في إطار السياق التاريخي المذهل لعلم الفيزياء في القرن العشرين؛ فقد كان لكل من الحربين العالميتين، والحرب الباردة، وظروف العلماء الفارّين من بطش النظم النازية والشيوعية دوره في إطلاق علم الفلك الأمريكي نحو الفضاء. إن سرد هذا السياق التاريخي لا يقل إثارةً للاهتمام عن سرد قصة حياة روبن. ورغم ذلك، لا يجد القارئ أي ذكر لآرائها حول الأحداث السياسية الجسام التي شكَّلت المجال العام في عصرها. ولكن ربما يكفي أن نفسح المجال أمام الحقائق الخاصة بالإنجازات الاستثنائية التي حققتها روبن لتتحدث عن نفسها.     
أليسون أبوت كاتبة تقيم في ميونيخ بألمانيا