أنباء وآراء

ببتيدات بكتيرية تكشف الأورام للخلايا التائية

قد تظهر الشظايا البروتينية من بعض أنواع البكتيريا التي تغزو الخلايا الورمية على سطح تلك الخلايا، ليتعرف عليها الجهاز المناعي، وهو اكتشاف قد تكون له تداعيات في العلاجات المناعية للسرطان. 

أنجليكا بي. رايمر

  • Published online:

تستوطن كائناتُ دقيقةُ1 الأورامَ التي تصيب البشر، ويمكن لتلك الكائنات، التي يُطلق عليها مجتمعةً اسم مِجهريات البقعة الورمية، أن تؤثر في البيئة الميكروية للورم، على سبيل المثال، عن طريق التسبب في حدوث التهابات أو تثبيط المناعة موضعيًا2. ويمكن أن يؤدي هذا إلى حدوث تغيرات في كيفية استجابة الجهاز المناعي بالجسم للورم، كما يمكن أن يُغيِّر الاستجابة لعلاجات الورم3. فهل يتعرف الجهاز المناعي على البكتيريا نفسها الموجودة داخل الورم؟ في ذلك الصدد، توضح شيلي كالاورا وزملاؤها4 في بحث نشروه مؤخرًا أن شظايا من بروتينات بكتيرية تُسمَّى الببتيدات تَظهر للجهاز المناعي على سطح الخلايا السرطانية، وتتعرَّف عليها الخلايا المناعية المُسمَّاة بالخلايا التائية، وهو اكتشاف يمكن استغلاله في تطوير العلاجات المناعية للسرطان.

إذ تسهم جزيئات تُسمَّى المستضدات الورمية في تمكين الجهاز المناعي من التمييز بين الخلايا السرطانية والخلايا السليمة. وتحتوي كل خلية على آلية لمعالجة بيانات المستضدات، وهي التي تُمكِّن الببتيدات الناجمة عن هذه المستضدات من الظهور للجهاز المناعي على سطح الخلية عن طريق جزيئات متخصصة تسمى مستضدات الكُريات البيضاء البشرية (HLAs). ويُطلَق على الببتيدات التي تُظهرها مستضدات الكُريات البيضاء البشرية والتي تتعرف عليها الخلايا المناعية اسم المُحدِّدات المُستضدِّيَة.

وتنقسم المستضدات الورمية إلى فئتين رئيستين: مستضدات مرتبطة بالورم وأخرى منحصرة في الورم5. والمستضدات المرتبطة بالورم يتم التعبير عنها في كل من الأورام والأنسجة الطبيعية، ومن ثمَّ لا تثير استجابات مناعية بسهولة. مع ذلك، فإذا انطلقت هذه الاستجابات، فثمَّة احتمال لحدوث تفاعلات مناعية ذاتية مضادة للأنسجة الطبيعية التي تعبِّر عن المستضد. لكن نظرًا إلى أن المستضدات المرتبطة بالورم غالبًا ما تظهر في أنواع متعددة من الأورام، ولدى كثير من الأشخاص المصابين بالسرطان، فإنها قد تكون أهدافًا جيدة للعلاجات المناعية القابلة للاستخدام على نطاق واسع. على النقيض من ذلك، يُعَبَّر عن المستضدات المنحصرة في الورم في الخلايا السرطانية فقط. ومن ثم، تُعد هذه المستضدات مثالية لاستهدافها في هجوم مناعي يستهدف الأورام وحدها. وينشأ نوع فرعي واحد من هذه المستضدات - هو المستضدات المستحدثة - من طفرات جينية مُعينة بالورم. ومن ثمَّ، فإن المستضدات المستحدثة تختلف عادة باختلاف الورم والمريض. لذا، فإن استهداف الببتيدات الناجمة عن المستضدات المستحدثة (التي تسمى بالمحدّدات المستضدية الحديثة) يتطلب علاجات مناعية مواءَمة حسب المريض.

في ذلك الصدد، تجدر الإشارة إلى أن الورم الميلانيني - وهو أحد أنواع سرطان الجلد - يحتوي على ثلاث فئات معروفة من المستضدات المرتبطة بالورم، وتحمل خلاياه عادةً عديدًا من الطفرات الجينية، مما يؤدي إلى زيادة احتمالية تكوُّن المستضدات المستحدثة6. لذا، يأتي هذا الورم في الصدارة في ما يخص اكتشاف المستضدات به وتطوير العلاجات المناعية ضده7-9. من هنا، كان من المناسب أن تستخدم كالاورا وفريقها البحثي عيناتٍ من الورم الميلانيني لتوصيف فئة محتملة أخرى من المستضدات الورمية.

شرع هذا الفريق البحثي في دراسة المحتوى البكتيري في 17 ورمًا نقيليًّا ميلانيًّا (وهي أورام تتكوَّن عندما ينتشر الورم السرطاني من موقعه الأصلي إلى مناطق أخرى في الجسم). وقد جمع الفريق هذه العينات الورمية من تسعة مرضى. ووجد أن محتواها البكتيري كان متشابهًا للغاية في النقائل المختلفة المأخوذة من الشخص نفسه، وأحيانًا في عينات حصلوا عليها من أشخاص مختلفين. ويشير هذا الاكتشاف إلى أن أنواعًا بكتيرية معينة تُعدّ شائعة في الأورام الميلانينية، وهو ما يتماشى مع نتائج دراسة سابقة أفادت بوجود مجهريات بقعة ورمية تميِّز أنواعًا محددة ومختلفة من السرطان1. كما أكد المؤلفون أيضًا أن تلك الأنواع البكتيرية كانت موجودة في خلايا الورم الميلانيني، وليس في البيئة الميكروية المحيطة خارج الخلايا.

انتقلت كالاورا وفريقها البحثي بعد ذلك إلى دراسة ما إذا كانت الببتيدات الناجمة عن هذه الأنواع البكتيرية الموجودة داخل الخلايا السرطانية، تظهر للجهاز المناعي بالطريقة ذاتها التي تظهر بها المستضدات الأخرى الموجودة داخل الخلايا. ولتحقيق هذه الغاية، استخدم الباحثون نهجًا يعتمد على قياس الطيف الكتلي يسمى التحليل الببتيدي المناعي الشامل. ويتيح ذلك النهج الرصد المباشر للببتيدات التي تُظهِرها مستضدات الكُريات البيضاء البشرية. وقد وجد الباحثون ما يقرب من 300 ببتيد في العينات التي حصلوا عليها من 33 نوعًا من البكتيريا. كذلك عثر الفريق على عديد من الببتيدات في أكثر من ورم لدى الشخص نفسه، وفي أورام مأخوذة من أشخاص مختلفين.

تساءل الباحثون بعد ذلك عما إذا كانت هذه الببتيدات البكتيرية تَظهرها حقًا خلايا الورم الميلانيني، وليس الخلايا المناعية المُسمَّاة الخلايا المُقدِّمة للمستضد (APCs)، والتي ترصد المُمرِضات وتتصدَّى لها وتُظهِرها لخلايا أخرى من خلايا الجهاز المناعي. واستخدم الباحثون بروتينًا واسمًا للخلايا المناعية لفصل الخلايا من عينتين من الورم الميلانيني إلى خلايا مُقدِّمة للمستضد وخلايا ورمية. وكشف التحليل الببتيدي المناعي الشامل أن كلتا المجموعتين من الخلايا قد أظهرتا ببتيدات بكتيرية. إذ ظهرت مجموعة فرعية من الببتيدات سالفة الذكر في كلٍ من الخلايا المُقدِّمة للمستضدّ والخلايا الورمية، وهو ما يشير إلى أن الببتيد نفسه يمكنه في الوقت ذاته أن يُطلق استجابة مناعية من خلال الظهور على الخلايا المُقدِّمة للمستضد وأن يكون هدفًا للهجوم المناعي على الخلايا الورمية. وأوضح الباحثون بعد ذلك أن الخلايا التائية المعزولة من الأورام الميلانينية (والتي تتعرف على الببتيدات التي تُظهِرها مستضدات الكُريات البيضاء البشرية) قد استجابت للببتيدات البكتيرية التي اكتُشفت، بما في ذلك بعض الببتيدات المشتركة بين أورام متباينة وأشخاص مختلفين.

وإجمالًا، تشير النتائج التي توصلت إليها كالاورا وفريقها البحثي إلى احتمال أن تكون الببتيدات البكتيرية التي يُظهِرها الورم تمثل فئة لم تكن معروفة سابقًا من مستضدات الأورام (الشكل 1). بيد أن هناك عدة أسئلة لا تزال عالقة بلا جواب. على سبيل المثال، لكي تكوِّن الأنواع البكتيرية المُكتشفة مستضدات أورام حقيقية، يجب ألا تغزو الأنسجة غير الورمية. كما أن الببتيدات الخاصة بها يجب ألا تَظهر على مستضدات الكُريات البيضاء البشرية في الخلايا غير الورمية. وإذا اكتُشِف ظهور تلك الببتيدات، فإنها حينئذٍ لا تصلح لاستهدافها في العلاجات المناعية. إضافة إلى ذلك، يبدو أن هذه الببتيدات البكتيرية تظهر بأعداد كبيرة (على الأقل، مقارنة بأعداد المحدّدات المستضدية المستحدثة المُكتشفة بالورم الميلانيني7)، فلماذا إذن لا يعمل الجسم على إطلاق استجابة مناعية فعَّالة في مواجهة الأورام الميلانينية؟ وثمة حاجة إلى إجراء مزيد من الدراسات عن الببتيدات البكتيرية التي تظهرها الأورام، إلى جانب دراسة بيانات المرضى، لتوضيح الدور الإكلينيكي المحتمل للببتيدات. وربما تساعد مثل هذه البيانات الباحثين على اختيار أنواع بكتيرية مناسبة لاستهدافها في مقاربات العلاج المناعي للسرطان.

الشكل 1: مسار الاستجابة المناعية المضادة للأورام والمُستحثَّة بواسطة البكتيريا. أفادت كالاورا وزملاؤها4 أن أنواعًا معينة من البكتيريا بمقدورها أن تغزو خلايا تنتمي إلى نوع من الأورام يُطلَق عليه الورم الميلانيني. وتَظهر شظايا ببتيدية من الجزيئات الناجمة عن هذه الأنواع البكتيرية على سطح الخلية الورمية من خلال بروتينات تسمى مستضدات الكُريات البيضاء البشرية. بعد ذلك، تتعرف خلايا مناعية تُسمَّى الخلايا التائية على هذه الببتيدات وتنشط في مواجهتها. وعليه، قد تُمثل الببتيدات البكتيرية فئة غير معروفة سابقًا من المستضدات الورمية، وهي نوع من الجزيئات التي تُمكِّن الخلايا التائية من التمييز بين الخلايا الورمية والأنسجة الطبيعية.

الشكل 1: مسار الاستجابة المناعية المضادة للأورام والمُستحثَّة بواسطة البكتيريا. أفادت كالاورا وزملاؤها4 أن أنواعًا معينة من البكتيريا بمقدورها أن تغزو خلايا تنتمي إلى نوع من الأورام يُطلَق عليه الورم الميلانيني. وتَظهر شظايا ببتيدية من الجزيئات الناجمة عن هذه الأنواع البكتيرية على سطح الخلية الورمية من خلال بروتينات تسمى مستضدات الكُريات البيضاء البشرية. بعد ذلك، تتعرف خلايا مناعية تُسمَّى الخلايا التائية على هذه الببتيدات وتنشط في مواجهتها. وعليه، قد تُمثل الببتيدات البكتيرية فئة غير معروفة سابقًا من المستضدات الورمية، وهي نوع من الجزيئات التي تُمكِّن الخلايا التائية من التمييز بين الخلايا الورمية والأنسجة الطبيعية.

كبر الصورة

وختامًا، قد تخدم الببتيدات البكتيرية التي تعرفت عليها كالاورا وفريقها البحثي كأهداف واعدة في العلاج المناعي للسرطان. ونظرًا إلى أن الببتيدات البكتيرية هي أجسام غريبة، يُفترض أن يكون تحفيز استجابات مناعية قوية في مواجهتها أمرًا يسيرًا بدرجة نسبية، كما لن تكون هناك مخاوف من نشوء استجابة مناعة ذاتية إذا تأكد عدم ظهورها على أي نسيج طبيعي. وعليه، يمكن للببتيدات البكتيرية التي تُظهِرها الأورام أن تعمل كمستضدات ينحصر وجودها في الأورام ومشتركة بين الأشخاص، وهو مزيج نادر من المزايا ، يُعد مفيدًا في المقاربات العلاجية، ولم يُلحظ إلا في الأورام المُستحثَّة بالفيروسات، التي يمكن أن تنجم فيها المحددات المستضدية عن البروتينات الفيروسية المُسبِّبة للسرطان5. وتشير البيانات الحديثة إلى أن البكتيريا الغازية للأورام ربما تكون ظاهرة شائعة2،1. لذا، فإن الدراسة التي أجرتها كالاورا وفريقها البحثي يمكن أن تخدم كأساس للتعرف على المستضدات المشتركة المنحصرة بالورم ضمن طيفٍ واسع من أنواع الأورام.

References

  1. Nejman, D. et al. Science 368, 973–980 (2020). | article
  2. Xavier, J. B. et al. Trends Cancer 6, 192–204 (2020). | article
  3. Geller, L. T. et al. Science 357, 1156–1160 (2017). | article
  4. Kalaora, S. et al. Nature 592, 138–143 (2021). | article
  5. Coulie, P. G., Van den Eynde, B. J., van der Bruggen, P. & Boon, T. Nature Rev. Cancer 14, 135–146 (2014). | article
  6. Schumacher, T. N. & Schreiber, R. D. Science 348, 69–74 (2015). | article
  7. van der Bruggen, P. et al. Science 254, 1643–1647 (1991). | article
  8. Bassani-Sternberg, M. et al. Nature Commun. 7, 13404 (2016). Waldman, A. D., Fritz, J. M. & Lenardo, M. J. Nature Rev. Immunol. 20, 651–668 (2020). | article
  9. Waldman, A. D., Fritz, J. M. & Lenardo, M. J. Nature Rev. Immunol. 20, 651–668 (2020). | article 

أنجليكا بي. رايمر تعمل في مركز أبحاث السرطان الألماني (DKFZ)، والعلاج المناعي والوقاية المناعية، وفي المركز الألماني لأبحاث العدوى (DZIF)، في قسم تصميم اللقاحات الجزيئية، 69120 هايدلبرج، ألمانيا.

وعنوان بريدها الإلكتروني: a.riemer@dkfz.de