رؤية كونية

ما أسباب بطء البنك الدولي في رصد مِنَح لجهود التطعيم العالمية؟

ترى المؤسسات المالية الدولية أن اللقاحات هي الاستثمار الأعلى عائدًا على وجه الأرض، وقد تأخر تمويله. 

جاستين ساندفور
  • Published online:

CENTER FOR GLOBAL DEVELOPMENT

يومًا ما، سوف يقرأ أحفادي كيف نجحَتْ فَرَق من العلماء حول العالم في تطوير لقاحات للوقاية من مرض "كوفيد-19" في غضون عام، بيد أنهم سوف يقرأون أيضًا قصة محزنة، تسرد كيف لقي ملايين من الأشخاص حتفهم في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بعد وصول تلك اللقاحات إلى الأسواق. ويُعزى ذلك في جانب منه - كما سوف يدرك أحفادي - إلى نقص التمويل اللازم لشراء تلك اللقاحات.

في شهر يونيو الماضي، سارع قادة مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) بوضع خطة للتبرع بمليار جرعة من اللقاحات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط (LMICs). ومع ذلك، يبقى تساؤل محير عالقًا في الأذهان بلا جواب: لِم لَمْ يُقْدِم البنك الدولي على هذه الخطوة قبل عدة شهور؟

خاض البنك معركة الجائحة مسلحًا بالأموال، ومخولًا بالتكليف اللازم للإسراع في تمويل حملة تطعيمات عالمية، إذ حاز منحًا تبلغ قيمتها زهاء 50 مليار دولار، فضلًا عن قروض بقيمة 100 مليار دولار أخرى لتحقيق هذا الهدف، إلا أنه افتقر إلى القيادة والمرونة اللازمتين لربح المعركة. ففي شهر أكتوبر من العام الماضي، تعهَّد بمَنْح قروض قيمتها 12 مليار دولار من أجل شراء اللقاحات، وأدوات إجراء فحوص الكشف عن المرض وعلاجاته، وتوزيع هذه الموارد، بيد أنه بعد مرور ثمانية أشهر تبيّن أنه لم يُقْرِض سوى 3.6 مليار دولار، إذ تخوفت البلدان الفقيرة الغارقة في الديون من تحَمُّل المزيد من أعباء القروض. ومع أن مِن المفترَض أن البنك الدولي منظمة دولية لديها من السرعة والمرونة والذكاء ما يؤهلها للتصرف إبّان الأزمات، إلا أن البنك استغرق شهورًا لاتخاذ اللازم، وهو ما أسفر عن خسائر في الأرواح، وجاء على حساب مكانة البنك نفسه.

جدير بالذكر أنّ قبل أكثر من عام، أطلقت منظمة الصحة العالمية (WHO) بالتعاوُن مع عدة منظمات عالمية أخرى في مجال الصحة مبادرة "إتاحة لقاحات كوفيد-19 على الصعيد العالمي"، (المعروفة اختصارًا باسم "كوفاكس" COVAX)، وذلك في إطار برنامجها الأوسع نطاقًا "مسرع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" ACT-A، بهدف توفير اختبارات الكشف عن الفيروس المسبب للمرض، وإتاحة علاجاته، ولقاحاته، للبلدان الغنية والفقيرة على حد سواء، غير أن هذين البرنامجين كانا بمثابة صندوقين لجمع الهبات والتبرعات، وليسا مصدرَي تمويل. وقد أعلن برنامج "مسرع الوصول إلى أدوات مكافحة كوفيد-19" أنه لا يزال في حاجة إلى 21 مليار دولار إضافية.

في الوقت نفسه، بدا أن البنك الدولي يحْجِم عن صرف أموال لشراء اللقاحات. فقد فرض على مدار شهور قيودًا على ذلك، فاقت في صرامتها المعايير التي تشترط استيفاءها أيةُ جهة تنظيمية صارمة، بما في ذلك النظام الذي وضعته منظمة الصحة العالمية، المعنِيّ بالاختبار المسبَق لصلاحية المنتجات الصحية. وعلى سبيل المثال، لم يكن شراء اللقاح الذي أُنتج بالتعاون بين جامعة أكسفورد وشركة "أسترازينيكا" Astrazeneca أهلًا لدعم البنك الدولي إلا منذ شهرين تقريبًا، بعد أن شرعت المملكة المتحدة في طرح اللقاح، وهو ما أسفر عن إهدار وقت ثمين. (خفف البنك الدولي اشتراطاته في إبريل الماضي بعد مراجعة للوضع).

وتلك الإخفاقات تبدد ثمار الجهود البحثية، فالإسهامات الضخمة التي يمكن للعِلم أن يقدمها خدمة للصحة العامة، والحدّ من الفقر، وتحقيق التنمية تأتي في الأغلب في صورة سلع عامة، أي أفكار وتقنيات تحقق فوائد عالمية كبيرة، لكن قد تتردد دولة بمفردها – خاصة البلدان الفقيرة – في تمويلها وحدها. ومن خلال جائحة "كوفيد-19"، بدأ يتكشف عجز البنك الدولي، أو ربما غياب إرادته فيما يخص الاستثمار في تلك السلع.    

اضطلع البنك مؤخرًا بوضع خطة لتصحيح الوضع. ففي الواحد والثلاثين من مايو الماضي، صاغ رئيسه ديفيد مالباس بيانًا مشتركًا مع رؤساء صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمة الصحة العالمية. ودعا البيان إلى رصد نفقات عامة بقيمة 50 مليار دولار؛ لإسراع وتيرة التطعيمات بلقاحات "كوفيد-19" في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، يُخصص 35 مليار دولار على الأقل منها كمنح لتلك البلدان من أجل شراء اللقاحات، وتأسيس الأنظمة الصحية اللازمة لها. وفي إحدى الأوراق الرسمية التي تُقدِّم خلفية عن البيان، وصف كبير الاقتصادين بصندوق النقد الدولي جيتا جوبيناث تلك الخطة قائلًا إنها: "قد تكون الاستثمار العام الأعلى عائدًا حتى يومنا هذا"، وقد توفر 9 تريليونات دولار، تُضخ في قنوات استثمار أخرى، وتضاف على رأس قائمة الفوائد الصحية المباشرة الناتجة عن الخطة.

ورغم ذلك، انطوت الخطة المقترحة على ضَعْف قد يصيبها في مقتل، إذ لم تتطوع بها أي من المؤسسات المذكورة لتمويل هذه الأهداف.

وتوخيًا للإنصاف، فإن رئيس البنك الدولي لا يستطيع مَنْح 50 مليار دولار بكل بساطة، لأن ذلك سوف يحدّ من قدرة البنك على الاستمرار في الإقراض في عام 2022، وفيما بعد ذلك، وهو ما قد يثير غضب البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط أيضًا. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كبرى الجهات التي تُسهم في تمويل البنك، ومنها الولايات المتحدة، وغيرها من البلدان الغنية، سيتعين عليها الانضمام إلى هذه المبادرة. وفي هذه الحالة، إزاء تباطؤ قيادة البنك في اتخاذ خطوات بحسم، قد تَعْمَد تلك البلدان إلى شراء اللقاحات مباشرة، وفقًا للخطة الأخيرة التي وضعتها مجموعة الدول الصناعية السبع.

إذَن، ما العمل الآن؟ على البنك الدولي تيسير شروطه في مَنْح القروض بغرض تهيئة النظم الصحية. كما يتعين عليه صرف المزيد من مبلغ الـ12 مليار الدولار الذي رصده كمِنَح مخصصة لشراء اللقاحات. فكلما انتظر وقتًا أطول، قَلَّت الفائدة التي يمكن أن تحققها أمواله.

وينبغي ألا يتوقف مصير العالم على إرادة كينيا - على سبيل المثال - في تحمُّل المزيد من الديون، فالأوبئة المتفشية التي نخفق في السيطرة عليها تودي بأرواح، وتتركنا مكتوفي الأيدي، كما تُعَد أرضًا خصبة لظهور طفرات جديدة للفيروس، لا تقف الحدود بين الدول عائقًا أمامها. وحتى في أضيق الحدود الاقتصادية، فإن صندوق النقد الدولي يُقدِّر أن مقترحه بضخ تمويلات بقيمة 50 مليار دولار لزيادة نسبة التطعيمات المستهدفة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط من 30% إلى 40% مع حلول نهاية العام الحالي (2021) سيعزز النشاط الاقتصادي العالمي، ليدرّ تريليون دولار للاقتصادات المتقدمة، تنتج كإيرادات ضريبية إضافية. وتَوقُّع تحرُّك البلدان ذات الدخل المنخفض لتمويل ذلك المقترح مناف للمنطق، ناهيك عن أنه غير منصف.

وتحقيق أعلى معدلات الإقبال على تَلَقِّي اللقاحات يتطلب إتاحتها مجانًا للأفراد، ويسري المنطق ذاته على البلدان بدرجةٍ ما على الأقل. وسوف تظل قيود أخرى لا حصر لها - مثل شح إمدادات اللقاحات، وأشكال حظر تصديرها، وضعف النظم الصحية في بعض البلدان – تحدّ من وصول البلدان ذات الدخل المنخفض إلى لقاحات "كوفيد-19" في عام 2022 أيضًا، لكنْ يجب على البنك الدولي أن يحرص على ألا يكون نقص التمويلات ضمن هذه العقبات.

ويَزعُم البنك أنه يبذل كل طاقاته. ولعل هذا صحيح في الظروف العادية، لكن ثمّة قطاعات أخرى تمكنَتْ من الإبداع، ومن توظيف قدراتها إلى أقصى حد خلال هذا التحدي الاستثنائي الذي نواجهه. فإذا كان ثمة وقت لتحطيم السياسات التي درجت عليها هذه المنظومة البنكية، فليكن الآن.

   

يعلن كاتب المقال عن تضارب مصالح. ولمزيد من التفاصيل، انظر: go.nature.com/2sptupa 

جاستين ساندفور

من كبار أعضاء زمالة مركز التنمية العالمية في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: jsandefur@cgdev.org