افتتاحيات

التصدي للتحيُّز ضد المرأة في التغطية الصحفية بدورية  Nature

تحليل خارجي للمواد الصحفية المنشورة بالمجلة طوال 15 عامًا يخبرنا أن نسبة الرجال الذين استُعين بهم كمصادر صحفية تبلغ ضعف نسبة النساء.

  • Published online:

ثمة نتيجة تنتهي إليها جميع الدراسات التي تُجرَى على وسائل الإعلام الإخبارية، وهي أن نسبة النساء اللاتي يُستعان بهنَّ كمصادر صحفية تقل كثيرًا عن نسبة الرجال. فقد نجح فريق من الباحثين بجامعة سايمون فريزر، ومقرها مدينة برنابي الكندية، في تطوير نظام آلي (مؤتمت)، أطلقوا عليه اسم: «نظام تتبُّع التفاوت بين الجنسين» Gender Gap Tracker (GGT)، واعتمدوا عليه في تحليل المواد المنشورة على سبعة مواقع إخبارية كندية منذ أكتوبر 2018. خلُص هذا التحليل إلى أن نسبة الرجال الذين استعانت بهم المواقع المذكورة كمصادر صحفية بلغت 71% من إجمالي المصادر (F. T. Asr et al. PLoS ONE 16, e0245533; 2021).

وعلى أثر ذلك، استعانت أربع جهات إعلامية عالمية بهذا النظام لتقييم خمسة أيام من التغطية الإخبارية التي قدمتها خلال شهر نوفمبر الماضي، ووجدت أن 73% من الاقتباسات الواردة في المقالات كانت مصادرها من الرجال. وفي شهر مارس الماضي، أعلن «مشروع رصد وسائل الإعلام العالمية» Global Media Monitoring Project أن نسبة مشاركة النساء كمصادر أو شخوص في الموضوعات الصحفية لم تتعدَّ 25% خلال عام 2020، كما أفادت بأن هذا يُعَدّ تحسنًا نسبيًّا، حيث لم تزِد هذه النسبة في عام 1995، حين بدأ العمل في هذا المشروع، على 17%.

وفي السياق ذاته، أقدمَت باحثتان في الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا على تحليل التغطية الصحفية بدورية Nature، وجاءت النتائج دالة وكاشفة.

في عام 2020، أعلنت الباحثتان أن نسبة الاقتباسات المباشرة (لا التعليقات التي تنطوي على إعادة صياغة، أو نقل غير مباشر) بلغت 69% في المقالات الصحفية المنشورة في دورية Nature، وفقًا لتحليل برمجي لجنس الأشخاص الذين أجرت الدورية مقابلات صحفية معهم في 16 ألف مقال، شملت أقسام «الأخبار»، و«التحقيقات»، و«المهن العلمية»، نُشرَت بين عامَي 2005 و2020. وأوضح البحث أن نسبة النقل عن الرجال - مقارنةً بالنقل عن النساء - آخذة في الانخفاض بوجه عام، حيث بلغت 80% قُبيل عام 2017، و87% في عام 2005.

تحمل نتائج هذا البحث في طيَّاتها تذكيرًا مهمًّا بوجود تحيُّز ضد المرأة في التغطيات الصحفية؛ وهي القضية التي تسعى هيئة التحرير في دورية Nature إلى التصدي لها. كما تكشف لنا هذه الأرقام عن الإمكانات التي تتيحها البرمجيات لهيئات التحرير والكُتَّاب، من أجل الكشف عن أشكال التمييز التي يتعين علينا – نحن العاملين في Nature – القضاءُ عليها.

"صحفيّو Nature يميلون إلى الاقتباس من الباحثين ذوي الأسماء المألوفة في الثقافات المتحدثة بالإنجليزية".

استعانت الباحثتان بأداة برمجية آلية لإنجاز هذه الدراسة التحليلية، التي نُشرَت مسوَّدتها على منصة «بيو أركايف» bioRxiv قبل خضوعها لمراجعة الأقران (N. R. Davidsone and C. S. Greene Preprint at bioRxiv http://doi.org/10.1101/2021.06.21.449261;2021). بدأت الباحثتان بإجراء حصر شامل للمقالات التي كتبها صحفيون ونُشرت على موقع الدورية (nature.com)، ثم وضعتا كودًا برمجيًّا يتيح لهما التقاط أسماء الأشخاص الذين أورد الصحفيون اقتباسات من كلامهم، حيث قامتا بحساب عدد الأشخاص الذين نُقلَت اقتباساتهم بين علامتَي تنصيص. وبعد ذلك، استعانتا بخوارزمية أخرى تسمى «جِنْدَرايز آي أُوه» genderize.io، لتحديد جنس الشخص المقتبَس منه، مُتَّبِعَتَين في ذلك منهجًا شائع الاستخدام في تحليل الاستشهادات المرجعية الضخمة.

وقد وُضعت هذه الدراسة بعد التشاور مع دورية Nature، إلا أن مؤلِّفتيها – ناتالي ديفيدسون وكايسي جرين، الباحثتين في مجال البيولوجيا الحوسبية في كلية الطب بمدينة أورورا، التابعة لجامعة كولورادو الأمريكية – قامتا بإعداد خطة الدراسة، وتنفيذها، بشكل مستقل.

لم يشذّ عن النتيجة العامة التي خلُصت إليها الباحثتان من دراسة التحيز ضد المرأة في التغطية الصحفية بالدورية سوى المقالات المُدرَجة في قسم «تحقيقات المهن العلمية»؛ حيث بدا أن الاقتباسات موزعة بالتساوي بين الرجال والنساء في مقالات هذا القسم، الذي يتضمن تحقيقات صحفية تغطي الجوانب المختلفة من المِهَن البحثية.

وهنا يلزَم التذكير بأن الدراسة لا تشمل جميع المواد الصحفية المنشورة بدورية Nature (أي المواد التي لا تتناول نتائج الأبحاث بشكل مباشر)؛ حيث لا تتضمن، على سبيل المثال، المواد التي يكتبها خبراء، تُوَجَّه إليهم الدعوة للكتابة في موضوع اختصاصهم، بالنظر إلى أن هذا النوع من المحتوى الصحفي لا يعتمد – في الأغلب – على النقل المباشر عن آخرين.

ورغم ذلك، عمدَتْ دورية Nature على مدار السنوات الخمس الماضية إلى تجميع البيانات ذات الصلة بتحقيق التعدُّدية بين الجنسين (أو التعددية الجِنْدَرِيَّة) فيما يتعلق بالمؤلفين الذين تُوكَل إليهم كتابة هذا النوع من المحتوى. ففي العام الماضي، على سبيل المثال، شكَّلَت النساء 85% من كُتَّاب المقالات في قسم «رؤية كونية»، علمًا بأن هذه النسبة بلغت 35% في عام 2017، بينما لم تزِد في عام 2016 على 18%. أما في قسم «أنباء وآراء»، الذي يُعنى بشرح وتحليل الأبحاث العلمية الجديدة، فقد بلغَتْ نسبة النساء من المؤلفين 34% في عام 2020، بعدما كانت تبلغ 26% في عام 2017، و12% في عام 2012. ومن بين المواد الصحفية لدينا أيضًا، تلك المقالات القصيرة، المصحوبة بصورة لكاتب المقال، التي تُنشَر في قسم «حيث أعمل»؛ وهو القسم الذي يقدم لمحات عن الباحثين والباحثات في مواقع عملهم البحثي. وقد بلغت نسبة الباحثات اللاتي شاركن في هذا القسم، منذ إنشائه في عام 2019، نسبةً مقدارها 56%.

محاذير ومعوقات

كما هو الحال مع أية دراسة، لم تخلُ هذه الدراسة من المعوقات. فلم يكن في الإمكان، مثلًا، تحليل كافة الأسماء التي تَيسَّر جمعها؛ إذ تقول الباحثتان إنهما لاحظتا أن البرنامج المستخدَم قد أظهر شيئًا من الانحياز للرجال خلال عملية فرز أسماء الباحثين، لتحديد نوع كل منهم. على سبيل المثال، أثناء تحليل عينة من المقالات التي نُشرت خلال الفترة بين عامَي 2005 و2015، انتهى البرنامج أن 78% من الاقتباسات منقولة عن مصادر من الرجال، في حين أوضحت المراجَعة التي أجرتها الباحثتان أن النسبة الحقيقية كانت 75%. كما أن البرنامج لا يتعرف على أسماء الأشخاص ذوي الهويات الجنسية الأخرى (بخلاف الرجال والنساء).

وقد استعانت الباحثتان بعدة وسائل تمكنهما من قياس النسبة الكلية لمشاركة النساء في البحث العلمي، وذلك بهدف وضع النتائج التي توصلتا إليها في سياقها. فعلى سبيل المثال، جاء في «تقرير البحث العلمي العالمي»، الذي صدَرَ في مستهَل شهر يونيو الماضي عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أن نسبة مشاركة النساء بلغَتْ 33% خلال عام 2018 (go.nature.com/3zl0jva). وفي مقابل ذلك، وجدت الباحثتان أن النساء اللاتي شاركن في الأبحاث المنشورة على دورية Nature ضمن قائمة «المؤلفين الأواخر» شكَّلن نحو 20%، بينما بلغت نسبتهنَّ 25% من «المؤلفين الأوائل». كما كشف تحليل عيِّنة أوسع من الأوراق البحثية المنشورة في مختلف الدوريات التي تصدرها شركة «سبرنجر نيتشر» Springer Nature أن نسبة المؤلفين الأواخر من النساء في هذه الأبحاث بلغت 25%، بينما بلغت نسبة المؤلفين الأوائل منهن 37%.

وإضافةً إلى ذلك، أجرَت الباحثتان تحليلًا لأسماء الأشخاص المقتبَس منهم في المواد الصحفية المنشورة بدورية Nature، أطلقتا عليه تحليل «أصل الاسم»، وهو عبارة عن دراسة لغوية تقسِّم العالَم إلى مناطق واسعة، وتربط الاسم بالمنطقة التي يشيع فيها استخدامه. كما استخدمت الباحثتان خوارزمية لتحليل الأسماء حسب النوع والأصول العِرقية، تسمى «نيم بريزم» NamePrism، وهي تستبعد كلًّا من الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا من العينات التي خضعت للبحث، نظرًا إلى ما تتَّسم به هذه الدول من تنوع كبير في أصول الأسماء.

تشير الدراسة إلى أن صحفيِّي Nature يميلون إلى الاقتباس من الباحثين ذوي الأسماء المألوفة في الثقافات المتحدثة بالإنجليزية، بينما يقلُّ اقتباسهم من الباحثين ذوي الأسماء التي صنَّفَتْها الخوارزمية على أنها تنتمي إلى أصول شرق-آسيوية (بما في ذلك الصين، وسنغافورة، وفيتنام، وغيرها من الدول في جنوب شرق آسيا). كما كشفت الدراسة أن هذا التفاوت في أصول الأسماء يتجاوز حجم التفاوت بين الأسماء التي وردت كمؤلف أخير في الأوراق البحثية المنشورة في دوريات شركة «سبرنجر نيتشر».

ولعلَّ من المناسب هنا أن نشير إلى تلك الجهود الكبيرة التي بذلها فريق الصحفيين العاملين بدورية Nature – ولا يزال – في مراجعة السياسات المتَّبَعة في قياس نسبة تمثيل جميع الفئات غير الممثَّلة تمثيلًا كافيًا، وفي العمل على رفع هذه النسبة. غير أن هذه الجهود لم تكن تتمُّ فيما مضى وفق نهجٍ مركزي، وذلك على خلاف ما جرى العام الماضي؛ إذ أقدم فريق البحث على تطوير وتجربة نموذج أوَّلي لنظامٍ يهدف إلى جمع معلومات عن الأشخاص الذين يُعتمد عليهم بوصفهم مصادر صحفية، فضلًا عن المؤلفين المتخصصين، وغيرهم من المشاركين في الكتابة في الدورية (مع عدم الإخلال بقواعد سِرّية البيانات)، وتصنيفِهم على حسب الجنس، والدرجة الوظيفية، ومكان العمل. ونأمل أن تفيدنا هذه البيانات في التوصُّل إلى وضع مجموعة من القِيَم المعيارية، لتكون بمثابة الحدود الدنيا المسموح بها لتمثيل هذه الفئات، ومن ثم العمل على تحسينها وزيادتها. كما أننا لا نألو جهدًا في استقدام مزيد من الأصوات التي تنتمي إلى جميع المجموعات غير الممثَّلة في ميدان البحث العلمي التمثيل الأوفى.

من بين أعضاء فريق الصحفيين في Nature، تشكِّل النساء أكثر من النصف. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى منهم تنتمي إلى أوروبا، والولايات المتحدة، وأستراليا. ومن هنا، ندرك أهمية بذل مزيدٍ من الجهد في السعي إلى العثور على مصادر متنوعة من شتَّى أنحاء العالم.

بين أيدينا مجموعة من الكتيبات الإرشادية عظيمة النفع، التي أعدَّها صحفيون، ومنظمات غير هادفة للربح، وعلماء، توضح كيفية تحقيق التنوع والتعدُّدية في المصادر الصحفية، ومن هذه الكتيِّبات، ذلك المسمَّى «ذي أوبن نوتبوك» The Open Notebook (أو «الكراسة المفتوحة») (go.nature.com/3czei0k). يُضاف ذلك إلى ما قامت به هذه الجهات من إنشاء قواعد بيانات تضم خبراء متخصصين في مجالات علمية متعددة، وتتسم بتنوُّع المشاركين فيها. وتدلُّنا الشهادات الشخصية الواردة من الصحفيين العلميين، وغيرهم من الصحفيين، على أن عمليات المتابعة الإحصائية، مثل تلك التي تجريها الباحثتان ديفيدسون وجرين، تُعَد جزءًا لا يتجزأ من هذا المسعى. وفي هذا تذكيرٌ لنا بحجم العمل الذي ينبغي علينا استكماله.