افتتاحيات

حتى في ظل الجائحة.. يجب أن تظل الرعاية الصحية الشاملة أولوية

أدى التركيز على أمراض بعينها فيما سبق إلى عرقلة الجهود الرامية إلى توفير الرعاية الصحية الشاملة، لكن يجب ألا يكرر العالم الخطأ نفسه مع جائحة «كوفيد-19».

  • Published online:

لا يزال التطعيم ضد مرض «كوفيد-19» يحتل مرتبة متقدمة في قائمة أولويات الصحة العالمية. ولكن من الضروري ألا تطغى هذه الجهود على الحاجة إلى ضمان حصول الجميع، في كل مكان، على الرعاية الصحية الأساسية.

فعلى الرغم من الطبيعة الملحة للأزمة الحالية، يظل توفير الرعاية الصحية الشاملة ضمن أولويات تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية. يُضاف إلى ذلك أن أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة تنص على أن الصحة من بين المتطلَّبات الأساسية للنمو الاقتصادي. وعليه، يجب على الحكومات، والعلماء، وعامة المجتمع الدفع باتجاه تحقيق هذا الهدف، لأنه يصب في مصلحة الجميع. وسوف تسنح الفرصة لذلك الأسبوع المقبل، عند انعقاد «جمعية الصحة العالمية» عن بُعد، عبر الإنترنت.

أظهرت الجائحة بجلاء كيف أنَّ الافتقار إلى منظومة رعاية صحية مُحكَمة يمكن أن يُفضي إلى إضعاف المجتمعات. ومع أن الحصول على الرعاية الصحية ليس العامل الوحيد الذي يحدد مدى نجاح البلدان، فمن الواضح أن غياب هذا العامل أدى إلى تدهور الأوضاع، وتفاقم الأزمات. ففي الهند، حصد الموت أرواحًا كثيرةً نتيجةً لاكتظاظ المستشفيات. وفي الولايات المتحدة، كانت الوفيات الناجمة عن الإصابة بمرض «كوفيد-19» أعلى بين أصحاب الدخل المنخفض، الذين تقلُّ احتمالات استفادتهم من خدمات التأمين الصحي، ومن ثم يصعب عليهم التماس الرعاية الطبية على الفور. ولوحظ نمط مماثل في سائر البلدان؛ فقد رصدَتْ إحدى الدراسات أن نسبةً تربو على 90% من وفيات المرض في الأحياء الفقيرة بالعاصمة التشيلية، سانتياجو، قد فارقوا الحياة خارج مؤسسات الرعاية الصحية (G. E. Mena et al. Science https://doi.org/f9b4; 2021). أضف إلى ذلك أن الأشخاص الذين لا يتلقَّون خدمات رعاية صحية جيدة قد يكونون أكثر عُرضةً لمضاعفات «كوفيد-19»، وبخاصة المصابون بأمراض مزمنة، بسبب عدم السيطرة على هذه الأمراض على النحو اللائق.

وفي غياب منظومة رعاية صحية يسهل الاستفادة من خدماتها، وأنظمة صحية لتبادل المعلومات، تعثَّرت جهود الكشف عن الإصابات، ومتابعتها. ومُفاد ذلك أنه إذا ظهر فيروس قاتل آخر في منطقة تفتقر إلى الرعاية الصحية اللائقة، فلا يبعُد أن يبدِّد العالم وقتًا ثمينًا قبل أن يتسنَّى له احتواء التفشي الوبائي. فعلى سبيل المثال، ظل فيروس إيبولا ينتشر على مدى فترةٍ تتراوح بين أسابيع وشهور في منطقة غرب إفريقيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، قبل التمكُّن من الكشف عنه، لتصبح حادثتا التفشِّي الفيروسي في هاتين المنطقتين هما الأكبر على الإطلاق لهذا الفيروس.

وعلى الرغم من مرور ما يقرب من قرن على إطلاق الدعوات المنادية بتوفير الرعاية الصحية للجميع، أُحبِطَت هذه المحاولات بفعل الأزمات، والإجراءات التي أقدمت عليها الدول للتعامل مع أمراض بعينها. ففي أعقاب الكساد الاقتصادي الذي ضرب العالَم في ثلاثينيات القرن الماضي، نادى مسؤولو صحة دوليون، كانوا يعملون في عصبة الأمم، بتوفير الخدمات الصحية الأساسية عبر شبكات من العيادات تُنشأ في كل بلد، وتنتشر في جميع ربوعه. ثم كان أن وقعت الحرب العالمية الثانية، فحالَتْ دون وضع هذه الرؤية موضع التنفيذ. إلا أنها بُعثَتْ من جديد في عام 1946، عندما عُقد اجتماع منظمة الأمم المتحدة، التي كانت حينئذ حديثة الإنشاء، من أجل كتابة دستور لمنظمة الصحة العالمية. ونص الدستور على أن الصحة حق من حقوق الإنسان، وأن الحكومات مسؤولة عن صحة شعوبها.

غير أن موقف الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية، ودستورها، كان أقرب ما يكون إلى الرفض الصريح. ففي ذلك الوقت، ربط معارضو توفير الرعاية الصحية الوطنية في البلاد هذا الإجراء بالاشتراكية والشيوعية. وصحيحٌ أن الولايات المتحدة وقَّعت في النهاية، لكنها أدرجت فقرة تبيح لها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية في أي وقت؛ ما يعني أن الدولة التي تمثل تبرعاتها حصة الأسد من موارد المنظمة (حيث تختلف مساهمة كل بلد باختلاف حجم اقتصاده) يمكن أن تنسحب حال حدوث تعارُض بينها وبين التوجُّه الأيديولوجي للمنظمة.

وسط أزمة كالتي يمرُّ بها العالم، قد تبدو الرعاية الصحية الشاملة هدفًا بعيد المنال، لكن إذا لم ندفع باتجاه التغيير الآن، فسوف نندم على فوات الفرصة فيما بعد.

ومع ذلك، فإن العشرين عامًا التالية على إعلان الدستور (وهي الفترة التي شهدت وضع برامج للتعامل مع الأمراض كلًّا على حدة، تحت قيادة منظمة الصحة العالمية، والجهات الدولية المعنية بتمويل البرامج الصحية) اتَّسمت بأنها فترة غير ملوَّنة أيديولوجيًا. وثمة مفارقة أخرى، تتمثل في أن هذه الفترة شهدت موجة من القفزات العلمية، التي قدمت حلولًا تكنولوجية بسيطة لمشاكل صحية بعينها، مثل استخدام المبيد الحشري «دي دي تي» DDT لمكافحة الملاريا، والمضادات الحيوية لمكافحة العدوى.

كان ذلك حتى عام 1978، حين استُؤنفَتْ جهود بناء منظومات صحية في مؤتمر دولي حول توفير الرعاية الصحية الأولية للجميع، عُقد بمدينة ألما آتا، فيما كان يُعرف آنذاك بالاتحاد السوفيتي. وفي «إعلان ألما آتا»، الذي تمخض عنه المؤتمر تحت رعاية منظمة الصحة العالمية، تعهَّد المؤتمرون بتوفير الرعاية الصحية الأساسية على مستوى الأحياء بحلول عام 2000.

غير أن مدير منظمة الصحة العالمية، ومعه عدد من خبراء سياسات الصحة، يشيرون إلى جملة من العوامل التي أدَّت إلى إضعاف «إعلان ألما آتا»، تشمل وهن القيادة السياسية، وتتابُع الأزمات الاقتصادية، والاضطرابات السياسية، والإفراط في الإنفاق على علاج الأمراض كلًا على حدة (T. A. Ghebreyesus et al. Lancet 392,P1371–P1372; 2018). وأشار آخرون إلى أن مسار الإعلان افتقر إلى خطوات محددة، مدعومة بالأدلة، وإلى تقييمات للجدوى الاقتصادية. ولْنعقد مقارنة بين هذا الإعلان، وما تمَّ في حالة منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، التي تعهدت في ثمانينيات القرن الماضي بإنقاذ حياة أربعة إلى خمسة ملايين طفل سنويًا، عبر برامج تحصين واضحة المعالم، ومدرجة في الميزانية، كان هدفها تطعيم الأطفال ضد أمراضٍ تشمل الحصبة، والكزاز (التيتانوس)، وشلل الأطفال. وعلى الفور، تلقَّفت هذه الفكرة الجهات المانحة، التابعة للحكومات والمؤسسات الخيرية على السواء، وسرعان ما أصبحت «اليونيسف» واحدة من كبريات المنظمات التابعة للأمم المتحدة. وفي عام 2019، بلغت ميزانيتها ما يقرب من ثلاثة أضعاف ميزانية منظمة الصحة العالمية.

لا شك أن برامج تطعيم الأطفال تلعب دورًا بارزًا في إنقاذ الأرواح، ولكن لا شك كذلك في أن ضَعف الاستثمار في تعزيز النظم الصحية للبلدان قد أدَّى إلى إزهاق أرواح أخرى كثيرة. والحل، إذن، لا يكمن في إيقاف برامج التطعيم، وإنما في استقاء الدروس من نجاح حملة «اليونيسف»، وإخفاقات إعلان «ألما آتا».

في عام 2019، ركزت منظمة الصحة العالمية على إحياء مبدأ إتاحة الرعاية الصحية للجميع، هذه المرة في أول اجتماع رفيع المستوى للأمم المتحدة حول الرعاية الصحية الشاملة. وفي التقرير الذي صدر حول فعاليات هذا الاجتماع، وَرَد أن توفير الرعاية الصحية الأولية للجميع يستلزم من البلدان زيادة الميزانية المرصودة لهذا القطاع بنسبةٍ تبلغ ف المتوسط 1% من ناتجها القومي الإجمالي. ووقع زعماء العالم إعلانًا يتعهدون فيه بالعمل على تقديم الرعاية الصحية الشاملة في بلدانهم، وتقديم خدمات صحية أساسية لجميع المواطنين، بتكلفة ميسورة. ولأغراض المساءلة، أنشأ باحثون متخصصون في مجال الصحة العالمية بوابة إلكترونية لتتبُّع مقدار التقدم المُحرَز نحو تحقيق هذا الهدف بحلول عام 2030. على سبيل المثال، يفتقر قرابة 15% من سكان الولايات المتحدة وكوبا إلى الخدمات الصحية الأساسية، بحسب أداة التتبُّع التي أنشأها الباحثون، بينما تصل هذه النسبة إلى 20% في الصين، و45% في الهند وكينيا.

وضعت منظمة الصحة العالمية شعار «الصحة للجميع» على رأس جدول أعمال اجتماع الأسبوع المقبل، أملًا في دفع الحكومات نحو التقيُّد بالتزامات سياسية ومالية في هذا المضمار. وربما لإدراك جيبريسوس، مدير المنظمة، ما اعترى المساعي السابقة من أوجه القصور، فقد أنشأ مجلسًا جديدًا من خبراء الاقتصاد الصحة والتنمية لتقديم المشورة بشأن الجوانب الاقتصادية المتصلة بإتاحة الرعاية الصحية الأساسية للجميع، ويشمل ذلك طرقًا لتقدير قيمتها.

وسط أزمة كالتي يمرُّ بها العالم، قد تبدو الرعاية الصحية الشاملة هدفًا بعيد المنال، لكن إذا لم ندفع باتجاه التغيير الآن، فسوف نندم على فوات الفرصة فيما بعد. لقد أدت الجائحة إلى زيادة أعداد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع، ما جعلهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، فضلًا عما تسببت فيه من إصابةٍ وقتلٍ وترويع لمقدمي الرعاية الصحية في شتى أنحاء العالم. أما أثرها على المناطق التي تفتقر بالفعل إلى الرعاية الصحية اللازمة، فكان مدمرًا بحق. ولعلَّ من المناسب هنا أن نتذكر حديث جيبريسوس في أكتوبر من عام 2019، حين قال: "إخفاقنا في الاستثمار في النظم الصحية يعرِّض الأفراد والأسر والمجتمعات لخطر داهم، بل ويجعل العالم أيضًا عُرضةً لتفشي الأمراض، وغيرها من الطوارئ الصحية". وأضاف: "إن جائحةً واحدة كفيلة بأن تعصف باقتصاداتٍ ودولٍ بأكملها". ولم تمض بضعة أشهر حتى وقع المحظور. وعلينا ألا نَدَع ذلك يحدث مرة أخرى.