أخبار

لقاح «فايزر» يقي من بعض سلالات كورونا الخطيرة

تزوِّدنا البيانات الواردة من قطر بأدلةٍ قوية على أن اللقاحات الحالية بمقدورها التصدي لاثنتين على الأقل من سلالات فيروس "سارس-كوف-2" المتحوِّرة. 

إيوين كالاواي

  • Published online:

Credit: Steve Russell/Toronto Star/Getty

عندما حلَّت الموجة الثانية من جائحة "كوفيد-19" بدولة قطر، وجَّهَتْ إليها ضربةً مزدوجةً موجِعة. ففي شهر يناير الماضي، بعد شهورٍ من الانخفاض النسبي في أعداد الإصابات والوفيات، شهدت تلك الدولة الخليجية ارتفاعًا حادًّا في أعداد المصابين، مدفوعًا بظهور سلالة فيروس كورونا المتحوِّرة B.1.1.7 سريعة الانتشار، التي اكتُشفت للمرة الأولى في المملكة المتحدة. ثم لم تمضِ بضعة أسابيع حتى ظهرت السلالة B.1.351، التي يُعتقَد أنها أقدر على إصابة المتعافين من المرض (فيما يُعرف بظاهرة "تكرار الإصابة" reinfection)، فضلًا عن ضعف فعّالية اللقاحات حيالها.

وسط هذه الموجة العاتية، توصَّل العلماء إلى أحد أقوى البراهين – حتى تاريخ نشر هذا المقال، في العشرين من مايو الماضي – التي تفيد بأنَّ في مقدور اللقاحات الحالية الحدَّ من مخاطر سلالات الفيروس المتحورة، ومنها السلالة B.1.351. فقد تبيَّن للعلماء أن الأفراد الذي تلقَّوا جرعتين من لقاح "فايزر-بيونتك" Pfizer-BioNTech في قطر كانوا أقلَّ عُرضةً للإصابة بالمرض الذي تسببه السلالة B.1.351، مقارنةً بمَن لم يتلقوا اللقاح، بنسبةٍ بلغَتْ 75%، كما أنهم اكتسبوا وقايةً شبه تامة من المضاعفات الخطيرة التي قد تنجُم عن الإصابة بتلك السلالة. وتشير النتائج – المنشورة في الخامس من مايو الماضي بدورية "ذا نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسِن" The New England Journal of Medicine – إلى أنَّ اللقاحات الحالية القائمة على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) تعد بمثابة سلاحٍ فعّالٍ في وجه أشد تلك السلالات مراوَغةً للجهاز المناعي، وأدعاها إلى القلق (L. J. Abu-Raddad et al. N. Engl. J. Med. https://doi. org/gjzcxb; 2021). وفي الوقت الراهن، تتعاون شركة "فايزر"، التي يقع مقرُّها في مدينة نيويورك، مع شركة "بيونتك"، ومقرُّها مدينة ماينتس الألمانية، على تصنيع لقاح مُحدَّث قائم على الحمض النووي الريبي المرسال لمُجابهة السلالة B.1.351، في الوقت الذي تعكف فيه شركة "موديرنا" Moderna، الكائنة في مدينة كامبردج بولاية ماساتشوستش الأمريكية، على الأمر نفسه. وتُظهر النتائج الأولية لمساعي شركة "موديرنا" أن إعطاء جرعة "معزِّزة" من لقاحها المُحدَّث يحسِّن الوقاية من السلالة B.1.351.

وفي تصريح أدلى به ليث جمال أبو رداد، عالم وبائيات الأمراض المُعدية في كلية وايل كورنيل للطب في العاصمة القَطَرية، الدوحة، الذي تولّى قيادة الدراسة المشار إليها، قال: "أعتقد أن هذه السلالة هي أشد السلالات المعروفة ضراوة. ومع ذلك، فإننا نمتلك الأدوات التي تمكّننا، على الأقل، من كبح شدَّة المرض، بحيث لا يتطوَّر إلى إصابة حادَّة؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن ينعكس كذلك على معدَّلات انتشار العدوى". 

في أواخر عام 2020، اكتشف الباحثون في جنوب إفريقيا السلالة B.1.351، التي أصبحت فيما بعدُ السلالة الأكثر انتشارًا هناك. وبحسب الدراسات المعملية، تنطوي هذه السلالة على طفراتٍ تثبِّط مفعول الأجسام المضادة القادرة على صدِّ الفيروسات. كما تشير التجارب الإكلينيكية إلى أن بعضًا من لقاحات "كوفيد-19" يقل مفعولُها كثيرًا في مجابهة هذه السلالة، مقارنةً بغيرها من السلالات المتحوِّرة من فيروس "سارس-كوف-2".

أشارت الدراسات المعملية الأولية إلى أن اللقاحات القائمة على الحمض النووي الريبي المرسال، ومنها لقاح "فايزر-بيونتك"، قد تخفُت قدرتها على صد السلالة الجنوب إفريقية إلى حدٍّ ما، إلا أنَّ مفعولها لا ينعدم. وقد أجرى فريق أبو رداد تحليلًا لعشرات الآلاف من الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس خلال الفترة الممتدة من تاريخ انطلاق حملة التطعيم في قطر، في أواخر ديسمبر الماضي، حتى نهاية شهر مارس. وعن طريق تعيين التسلسل الجينومي للفيروس في العينات المأخوذة من المصابين، تبيَّن أن السلالتين B.1.1.7 و B.1.351 كانتا الأكثر شيوعًا إبّان تلك الفترة. ومنذ أواسط شهر فبراير الماضي، استأثرت كل سلالةٍ منهما بنصف عدد الإصابات في أرجاء البلاد.

وبالمقارنة بين معدلات الإصابة بفيروس كورونا "سارس-كوف-2" بين الأفراد المطعَّمين ضد المرض، وغير المطعَّمين، تبيَّن للباحثين أن الأفراد الذين تلقوا جرعتين من اللقاح قلَّت احتمالية إصابتهم بالعدوى التي تسببها السلالة B.1.17 بنسبةٍ تقارب 90%، لتتطابق تلك النتائج بذلك مع النتائج الواردة من إسرائيل، والمملكة المتحدة، وغيرهما من دول العالم. أما السلالة B.1.351، فقد أظهرت قدرةً أكبر على "اختراق" الحماية التي توفرها اللقاحات، إذ أحدثَتْ 1500 إصابة في صفوف المطعَّمين، إلا أن عدد الإصابات التي وقعت بعد انقضاء أكثر من أسبوعين على موعد تلقِّي الجرعة الثانية لم يزد على 179 إصابة. ولم يُرصَد وقوع حالات إصابة حادَّة بالمرض، بسبب أيٍّ من السلالتين المذكورتين، بين الأشخاص الذين تلقَّوا جرعتين من اللقاح إلا في القليل النادر.

بيانات مبشِّرة

 يقول شَبِير مادي، عالم اللقاحات بجامعة ويتواترسراند في مدينة جوهانسبرج الجنوب إفريقية، إن النتائج التي خرج بها الباحثون في قطر مبشِّرة وواعدة. ولعلَّ المعدلات المرتفعة نسبيًا من الأجسام المضادة المحيِّدة للفيروس، التي تنتُج عن تلقِّي جرعتين من اللقاح القائم على الحمض النووي الريبي المرسال، هي ما تفسِّر ارتفاع مستويات الحماية التي يوفرها هذا النوع من اللقاحات ضد السلالة B.1.351، مقارنةً بغيره من اللقاحات، ومنها اللقاح الذي طوَّرته جامعة أكسفورد بالتعاون مع شركة الأدوية "أسترازينيكا" AstraZeneca، ومقرها مدينة كامبريدج بالمملكة المتحدة.

وعلى ذلك، يتوقع مادي أَنْ تقي اللقاحاتُ الأخرى من الإصابة الحادة التي قد تسببها تلك السلالة. ففي دراسة أخرى منشورة بدورية "ذا نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسِن" في الخامس من مايو الماضي، أفاد فريق مادي بأن اللقاح الذي أنتجته شركة التكنولوجيا الحيوية "نوفافاكس" Novavax، التي يقع مقرها في مدينة جايثرسبيرج بولاية ماريلاند، قلَّص احتمالات الإصابة بمرض "كوفيد-19" بنسبة 60% بين المشاركين غير المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، في التجربة التي أُجريت في دولة جنوب إفريقيا، وضمَّت ما يربو على 6 آلاف مشارك (V. Shinde et al. N. Engl. J. Med. https://doi.org/gjzcxc; 2021). وتكشف البيانات – التي لم تُنشر بعد – عن فعالية اللقاح الكبيرة في الوقاية من تطوُّر مرض "كوفيد-19"، الناجم عن الإصابة بالسلالة B.1.351، إلى مرحلة الإصابة الحادة؛ حيث لم تُرصد أيٌّ من هذه الحالات بين المطعَّمين، في حين ظهرت خمس حالاتٍ بين أفراد المجموعة الضابطة (الذين تلقوا لقاحًا وهميًا).

لعلَّ البيانات الواردة من قطر – التي تلقَّى أكثر من ثلث سكانها جرعة واحدة على الأقل من اللقاح حتى شهر مايو الماضي – تعطينا لمحةً مبكرة عن سُبُل مكافحة السلالات الأشد ضراوةً من بين سلالات كورونا المتحورة. ويقول أبو رداد إن لقاح "فايزر-بيونتك" قد يكون له أيضًا تأثير هائل في الحيلولة دون انتشار السلالة B.1.351؛ فبعدما شهدت معدلات الإصابة صعودًا كبيرًا في منتصف إبريل الماضي، "تسير الأمور منذ ذلك الحين على أفضل ما يُرام، فأعداد الإصابات آخذة في الانحسار بسرعة لافتة".