أخبار

استجابات مناعية نادرة قد تفتح باب تطوير لقاحات ضد سلالات «كوفيد» العنيدة

يكوّن بعض الأشخاص استجابة مناعية تتصدّى لطائفة متنوعة من سلالات فيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2.

إوين كالاواي

  • Published online:
رسم توضيحي للبروتينات الشوكية التي يستخدمها فيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2 لاختراق الخلايا البشرية.

رسم توضيحي للبروتينات الشوكية التي يستخدمها فيروس «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2 لاختراق الخلايا البشرية.

Credit: Design Cells/Science Photo Library

كانت عالمة الفيروسات بيني مور من أوائل العلماء الذين أشاروا إلى أن سلالة فيروس كورونا المُكتشَفة في جنوب أفريقيا قادرة على مراوغة الجهاز المناعي. من ثم، كانت العالمة تترقّب ورود المزيد من الأخبار السيئة عندما فحصت استجابات المرضى الذين أصيبوا بهذه السلالة المعروفة باسم "B.1.351".

بيد أنه بدلًا من ذلك، وجد فريقها بارقة أمل، فالإصابة بالسلالة المتحورة "B.1.351" حفّزت أجسامًا مضادة تصدّت للسلالات السابقة والحديثة معًا. وحول ذلك، تقول مور، التي تعمل في المعهد الوطني للأمراض المُعدية، وفي جامعة فيتفاترسراند في جوهانسبرج: "كانت هذه مفاجأة".

يُضاف هذا الاكتشاف، الذي نُشر في موقع "بايو أركايف" BioRxiv شهر مارس الماضي1، إلى مجموعة واسعة من الأبحاث التي أُجريت مؤخرًا، والتي تشير إلى أن لقاحات "كوفيد-19" قد تقاوِم السلالات الحالية، وربما بعض السلالات المستقبلية، من الفيروس.

ويقول بول بيناش، عالِم الفيروسات من جامعة روكفلر بمدينة نيويورك، الذي يدرس مختبره سلالات الفيروس المتحورة: "الحصول على لقاحات تقاوِم السلالات المتحورة المنتشرة حاليًّا هو تحدٍّ يمكن التغلب عليه بدرجة كبيرة، بل قد يكون لدينا الحلّ لمواجهته بالفعل."

وقد رصد باحثون في جنوب أفريقيا السلالة "B.1.351" في أواخر عام 2020. وهي تتسبب حاليًّا في أغلب الإصابات في البلد، فضلًا عن انتشارها حول العالم. وقد استحوذت على اهتمام العلماء، لأنها ارتبطت بتفشي المرض في مناطق كانت قد تضرّرت كثيرًا من الموجة الأولى من الجائحة التي شهدتها جنوب أفريقيا في وقت سابق من العام نفسه، ولأنها حملت تغييرات جينية قللت من فاعلية بعض الأجسام المضادة التي عادةً ما تُحيّد فيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2.

وقد أثار البحث الذي قاده كلٌّ من بيني مور، وأليكس سيجال، من معهد أبحاث الصحّة الأفريقي في ديربان، مخاوف مبكرة بشأن السلالة "B.1.351" في شهر يناير من العام الحالي23،؛ إذ أوضحت أبحاثهما أن هذه السلالة قد راوغت الأجسام المضادة المسؤولة عن تحييد الفيروس، والتي كَوَّنها عدد كبير ممن أصيبوا بسلالات الموجة الأولى. وبعد أسابيع، أظهرت نتائج التجارب الإكلينيكية أن السلالة قلّلت فعالية اللقاح المضاد للفيروس الذي طورته شركة "جونسون آند جونسون" Johnson & Johnson، وذلك الذي أنتجته شركة "نوفافاكس" Novavax4، وأنها ربما تكون قد تسبّبت في إبطال قدر كبير من المفعول الوقائي الذي يوفره لقاح شركة "أسترازينيكا" AstraZeneca5.

مفاجأة "الفيروس الزائف"

أمِلت مور أن تكون الإصابة بسلالة "B.1.351" محفّزًا لحدوث استجابات مناعية قوية، لكنها لم تستبعد احتمالية أن تكون هذه السلالة أقل ظهورًا للجهاز المناعي من السلالات الأخرى. ولكي تتحقّق من ذلك، حلّل فريقها أجسامًا مضادة من 89 شخصًا أُودِعوا مستشفيات بسبب العدوى بالسلالة، ثم استخدم الفريق "فيروسًا زائفًا" – هو نسخة معدّلة من فيروس نقص المناعة البشرية "HIV"، تصيب الخلايا باستخدام البروتين الشوكي لفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2 – بهدف قياس قدرة الأجسام المضادة على درء العدو بهذا الفيروس الزائف.

وكان مما طمأن الباحثين أنهم اكتشفوا أن الأشخاص الذين تعافوا من الإصابة بالسلالة "B.1.351" قد كوّنوا أجسامًا مضادة بالقدر نفسه الذي كوّنه المصابون بالسلالات المتحورة التي انتشرت في السابق. ونجحت هذه الأجسام المضادة في التصدي للفيروسات الزائفة التي تحتوي على طفرات "B.1.351". وفوجئت مور بأن هذه الأجسام المضادة نجحت في صد سلالات أخرى، منها سلالة "P.1" التي اكتُشفت في البرازيل، والتي تشترك في عدة طفرات مع السلالة "B.1.351". وقد أعلن فريق سيجال عن نتائج مشابهة في شهر فبراير الماضي3.

لا تعرف مور سبب تحفيز الإصابة بسلالة " B.1.351" لهذه الاستجابة المناعية الواسعة، لكنها تعمل على اكتشاف ذلك، فتقول: "يكاد يكون هذا هو شغلي الشاغل حاليًّا". ومن المحتمل أن تكون الأجسام المضادة قادرة على التعرف على سمات البروتين الشوكي للفيروس، وهو ما لا يختلف بين سلالة وأخرى.

وتعزِّز هذه النتائج الجهود النامية لتطوير لقاحات تتصدّى لسلالات مثل "B.1.351". ففي منتصف شهر مارس الماضي، وللمرة الأولى، أُعطيَ المشاركون في تجارب لقاح "مودرنا" Moderna، نسخة حُدِّثت وفقًا للتسلسل الجيني لسلالة "B.1.351". وتخطط جهات تطوير لقاحات أخرى، مثل شركتَي "فايزر" Pfizer، وبيونتك" BioNTech، لاختبار قدرة لقاحاتها بالاستناد إلى الاستجابة المناعية التي تولّدها ضد السلالة "B.1.351".

ويمكن أن يتباين تحفيز سلالات فيروس كورونا المختلفة للاستجابات المناعية. فجدير بالذكر، أن الباحثين بدأوا للتوّ في حصر تنوُّع هذه السلالات. واستنادًا إلى بحثٍ قاده عالِم المناعة جورج كاسيوتيس من معهد فرانسيس كريك في لندن، وعالمة الفيروسات إيليني ناستولي من جامعة كوليدج لندن، يبدو أن الإصابة بالسلالة سريعة الانتشار التي رُصدت في المملكة المتحدة، والمعروفة باسم "B.1.1.7"، تحفّز تكوين أجسام مضادة ذات فعالية ضئيلة في التصدي للسلالة "B.1.351" وما سبقها من سلالات متحورة6.

ومرةً أخرى، لم يتضح للباحثين سبب تحفيز سلالة "B.1.1.7" لهذه الاستجابة المناعية المحدودة. ويشير كاسيوتيس إلى أنه رغم استخدام اللقاحات الحالية - المستندة إلى الفيروس الذي ظهر في مدينة ووهان بالصين في أواخر عام 2019 – للتصدي لهذه السلالة، فهناك حاجة ملحّة إلى تحديد ما إذا كانت اللقاحات المستندة إلى السلالة "B.1.351" قادرة على التصدي للسلالة "B.1.1.7" أيضًا، أم لا. وإذا ثبت عدم قدرتها على ذلك، فربما يجب أن توفر اللقاحات المستقبلية تحصينًا ضد عدّة سلالات في الوقت نفسه، كما هو الحال مع لقاحات الإنفلونزا الموسمية.

مرونة اللقاحات

إعادة تصميم اللقاحات ليست بالضرورة الطريقة الوحيدة للتعامل مع السلالات المتحورة لفيروس كورونا؛ إذ يدرس الباحثون عوامل أخرى، من شأنها زيادة مرونة اللقاحات الحالية، مثل محاكاة آلية عمل الاستجابة المناعية الطبيعية، التي تولِّدها العدوى، لتوفير حماية واسعة النطاق في بعض الأحيان. على سبيل المثال، وجد فريق بيناش أن بعض الأشخاص الذين يتعافون من عدوى "كوفيد-19" يكوّنون أجسامًا مضادة تصبح، بمرور الوقت، أكثر قدرة على التصدي لسلالات مختلفة من فيروس كورونا7.

ويمكن أن تتطور الخلايا البائية المنتجة للأجسام المضادة عبر الانتخاب الطبيعي لتكوين أجسام مضادة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهدفها، في عملية تُعرف باسم النُضوج. فقد عزل فريق بيناش خلايا بائية، على فترات امتدت إلى عدة أشهر، من أشخاص تعافوا من العدوى، ورصدوا كيفية تغيُّر فاعلية الأجسام المضادة مع نضوج سلالات الخلايا البائية التي كوّنت هذه الأجسام.

وفي بعض الحالات، تعرّفت الأجسام المضادة "الناضجة" على السلالات المتحورة، بما في ذلك سلالة "B.1.351"، التي لم تتمكن النسخ السابقة من هذه الأجسام المضادة من التعرّف عليها؛ بل إن أحد هذه الأنواع الناضجة قد حيّد بعض فيروسات كورونا الأخرى.

ولم يتضح للباحثين بعد كيفية تصنيع لقاحات تحفّز مثل هذه الأجسام المضادة. فعملية نضوج الخلايا البائية تَحْدُث عندما تبقى الجزيئات الفيروسية المعروفة باسم المستضدات، والتي تتعرف عليها الأجسام المضادة، داخل الجسم. ويقول بيناش: "تتمثل آلية تحفيز هذه العملية في الحفاظ على استمرار المستضد قدر الإمكان". وربما يكون تصنيع اللقاحات باستخدام عوامل مساعدة – وهي جزيئات خارجية تزيد من فعالية اللقاحات – إحدى طرق تحقيق ذلك.

كما قد تحفِّز بعض اللقاحاتٌ الحالية استجابات مناعية تتصدّى لعدد من السلالات. ففي دراسة طويلة الأمد عن "كوفيد-19" في سياتل بولاية واشنطن، ذكرت مسودة بحثية للدراسة في مارس الماضي أنه بعد تلَقِّي جرعة واحدة من لقاح أُنتِج من الحمض النووي الريبي المرسال  (mRNA)للفيروس، كوّن المشاركون الذين أصيبوا سابقًا به كمية كبيرة من الأجسام المضادة القادرة على تحييد السلالة "B.1.351"، وسلالة أخرى كانت منتشرة في وقت سابق8.

ويفترض ليونيداس ستاماتاتوس، عالِم المناعة من مركز فريد هتشنسون لأبحاث السرطان في مدينة سياتل، الذي شارك في الإشراف على الدراسة، أن جرعة اللقاح الواحدة هذه قد عزّزت مستويات الأجسام المضادة الموجودة مسبقًا، والتي لديها القدرة على التعرّف على مجموعة متنوعة من السلالات. ولم تتضح بعد كيفية محاكاة هذه الاستجابة لدى الأشخاص الذين لم يصابوا بعدوى "كوفيد-19" من قبل، لكنّ أحد الاحتمالات يشير إلى أن ترك فترة زمنية مدتها عدة أشهر بين حدوث العدوى وتَلَقّي اللقاح هو ما يسبّب هذه الاستجابة، وأنه يمكن تكرار هذا التأثير باستخدام جرعة لقاح أخرى تُعطى للشخص بعد ستة أشهر أو سنة من حصوله على أول جرعتين، حسبما أشار آندي ماكجواير، اختصاصي المناعة في مركز فريد هتشنسون لأبحاث السرطان، الذي شارك في الإشراف على الدراسة.

ومن خلال إظهار هذه الاستجابة المناعية واسعة النطاق ضد السلالات المتحورة، تثير البيانات الأخيرة تفاؤلًا مشوبًا بالحذر لدى الباحثين بشأن قدرة اللقاحات على الوقاية من مجموعة متنوعة من السلالات. تقول مورجان رولاند، وهي عالمة فيروسات تعمل في معهد والتر ريد العسكري للأبحاث في سيلفر سبرينج بولاية ميريلاند الأمريكية: "أعتقد أنها أخبار سارّة للغاية في سعينا لتطوير لقاحات أفضل".

وتضيف رولاند قائلة إنّ تطوير الفيروس للطفرات نفسها، للتهرب من الجهاز المناعي، ربما يرجع إلى أن البروتين الشوكي للفيروس لديه قدرة محدودة على التحوّر. لكنّ مور ليست متأكدة من ذلك؛ فتقول إنه بمرور الوقت أصبح لديها "يقين مطلق بشأن قدرة الفيروس على التهرب من الاستجابة المناعية"، مضيفةً: "يجب علينا تقليل عدد الإصابات على مستوى العالم إلى الحدّ الذي لا يملك معه الفيروس فرصًا كثيرة للهرب".

References

  1. Moyo-Gwete, T. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2021.03.06.434193 (2021).
  2. Xie, X. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2021.01.07.425740 (2021). 
  3. Cele, S. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2021.01.26.21250224 (2021). 
  4. Shinde, V. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2021.02.25.21252477 (2021). 
  5. Madhi, S. A. et al. New Eng. J. Med. https://doi.org/10.1056/NEJMoa2102214 (2021).  | article
  6. Faulkner, N. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2021.03.01.433314 (2021).
  7. Muecksch, F. et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2021.03.07.434227 (2021). 
  8. Stamatatos, L. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2021.02.05.21251182 (2021).