أخبار

وقود أكبر مفاعل اندماجي في العالم يقترب من التشغيل التجريبي

تعدّ تجارب الاندماج النووي باستخدام الديوتيريوم والتريتيوم في مفاعل توروس الأوروبي المشترك تدريبًا نهائيًا مهمًا قبيل إجراء التجربة العملاقة.

إليزابيث جيبني

  • Published online:
بدأ مفاعل توروس الأوروبي المشترك إجراء التجارب باستخدام وقود التريتيوم.

بدأ مفاعل توروس الأوروبي المشترك إجراء التجارب باستخدام وقود التريتيوم.

Credit: EUROfusion (CC BY 4.0)

يتأهب أحد المفاعلات الرائدة في بريطانيا لبدء اختبارات محورية لخليط الوقود الجديد الذي سيمُد بدوره المفاعل التجريبي الحراري النووي الدولي "إيتر"  (ITER)بالطاقة، فيما يعد أكبر تجربة اندماج نووي في العالم. إن الاندماج النووي هو الظاهرة التي تمد الشمس بالطاقة، ولو نجح الفيزيائيون في استغلالها على كوكب الأرض، فستصبح مصدرًا لطاقة تكاد تكون لا نهائية.

في شهر ديسمبر الماضي، بدأ الباحثون العاملون في مفاعل توروس الأوروبي المشترك "جيت" (JET)،  إجراء تجارب الاندماج باستخدام التريتيوم، وهو نظير مُشعّ ونادر للهيدروجين. يمثل هذا المفاعل نموذجًا مصغرًا لمشروع مفاعل "إيتر" -إذ يبلغ عُشْر حجمه- والذي تبلغ قيمته 22 مليار دولار أمريكي، وله تصميم حلقي الشكل يماثل تصميم جهاز "توكاماك" (tokamak) الذي يشبه قطعة حلوى الدونتس، والذي يعتبر أكثر أساليب توليد الطاقة الاندماجية تطورًا في العالم. تعد هذه هي المرة الأولى منذ عام 1997 التي يجري الباحثون فيها تجارب في أحد أجهزة التوكاماك باستخدام أي كميات كبيرة من التريتيوم.

وفي شهر يونيو، سيشرع مفاعل "جيت" في دمج كميات متساوية من التريتيوم والديوتيريوم، وهو نظير آخر للهيدروجين. سوف يستخدم مفاعل "إيتر" خليط الوقود هذا في محاولته لإنتاج طاقة من تفاعل الاندماج أكبر من تلك الطاقة المستخدمة في إجراء التفاعل، وهي محاولة لم يسبق قط إثباتها بالتجربة العملية. ويفترض للمفاعل أن يرفع درجة حرارة بلازما الديوتيريوم والتريتيوم ويحبسها لينتج اندماج النظيرين مع الهيليوم حرارة كافية لدعم مزيد من تفاعلات الاندماج.

وفي هذا الصدد، تقول جويل مايو، أحد المشاركين في إدارة البرنامج العلمي في مفاعل "جيت" إن: "وصولنا أخيرًا إلى المرحلة التي نستطيع خلالها تنفيذ ما كنا نعمل عليه طيلة السنوات الماضية لأمر مثير للحماس بشدة. نحن على أتم الاستعداد لهذه المرحلة".

سوف تساعد تجارب مفاعل "جيت" العلماء على التنبؤ بسلوك البلازما في توكاماك مفاعل "إيتر" وعلى ضبط إعدادات التشغيل الخاصة بالتجربة العملاقة. وبخصوص ذلك يقول تيم لوس، كبير علماء مفاعل "إيتر" الواقع قرب كاداراش بفرنسا: "نحن نقترب من تحقيق شروط مفاعل "إيتر" باستخدام الآلات المتاحة حاليًا". هذه التجارب هي نتاج قرابة عِقدين من العمل الدؤوب، بحسب تعبير لوس. من المقرر أن يبدأ مفاعل "إيتر" تنفيذ عملياته باستخدام تفاعلات الهيدروجين منخفضة الطاقة بدءًا من عام 2025، ولكن بدءًا من عام 2035 سيعمل باستخدام مزيج من الديوتيريوم والتريتيوم بنسبة 50:50.

يستخدم كلا المفاعلين "إيتر" و"جيت" -الكائن في مركز كولُم للطاقة الاندماجية  (CCFE)بالقرب من مدينة أكسفورد- مجالات مغناطيسية قوية للغاية لحبس البلازما داخل حلقة، ورفع درجة حرارتها إلى أن يحدث الاندماج. قد تصل درجات الحرارة داخل مفاعل "جيت" إلى مئة مليون درجة مئوية، أي ما يفوق درجة حرارة لُبّ الشمس عدة مرات.

تجدر الإشارة إلى أن آخر تجارب الاندماج باستخدام تقنية التوكماك والتريتيوم تمت في مفاعل "جيت" أيضًا، وكان الهدف حينها الوصول إلى أقصى درجات الطاقة، وقد نجح المفاعل في تحقيق رقم قياسي في نسبة الطاقة الناتجة إلى الطاقة الداخلة (والمعروفة بـقيمة Q)، والتي بلغت 0.67. وهذا الرقم القياسي لا يزال قائمًا حتى الآن، إذا بلغت النسبة 1، فإنها تعد نقطة تعادل. لكن الهدف هذا العام المحافظة على مستوى مشابه من طاقة الاندماج لمدة خمس ثوان أو أكثر، واستخراج أكبر قدر ممكن من البيانات من التجارب وفهم سلوك البلازما الأطول بقاءً.

 إن العمل باستخدام التريتيوم يخلق تحديات فريدة من نوعها، فقد أمضى باحثو مفاعل "جيت" أكثر من عامين في إعادة ضبط مكونات مفاعلهم والاستعداد للتعامل مع العنصر المشع، فهذا النظير المشع يتحلل بسرعة ولهذا فإنه لا يوجد إلا بكميات ضئيلة في الطبيعة، وعادةً ما يتكون كناتج ثانوي في المفاعلات النووية الاندماجية، ويبلغ حجم الإمداد العالمي منه عشرين كيلوجرامًا فحسب.

ضخات التريتيوم

واحدةٌ من تلك التحديات في استخدام التريتيوم أن تفاعلاته مع الديوتيريوم تُنتج نيوترونات بمعدل أعلى بكثير من تفاعلات الديوتيريوم بمفرده. بالنسبة للمفاعلات التجارية، فإنها تلتقط الطاقة الناجمة عن هذه النيوترونات لتوليد الكهرباء، أما مفاعل "جيت" فإن الجسيمات عالية الطاقة سوف تنتشر في جميع أنحاء الجزء الداخلي من المفاعل وتتسبب في تلف الأنظمة التشخيصية. يعني ذلك أن فريق مفاعل "جيت" سيضطر إلى نقل الكاميرات وبقية المعدات خلف درع خراساني، بحسب ما أشار إيان تشابمان، مدير مركز كولُم للطاقة الاندماجية.

يستطرد تشابمان حديثه قائلًا: "سنضطر إلى تحديث كل عملياتنا وتجديدها"، بدءًا من التخزين وانتهاءً بالمعالجة. بمجرد أن تبدأ تجارب التريتيوم فإن قصف النيوترونات سيجعل الجزء الداخلي من المفاعل مشعًا مما يعني أنه سيكون منطقة يحظر على البشر دخولها لمدة ثمانية عشر شهرًا. نتيجًة لذلك، سيكون على فريق العمل أن يعتادوا التفكير بطريقة تشابه طريقة المهندسين الذين يبعثون بالمركبات الفضائية إلى الفضاء، والتي يوضحها تشابمان قائلًا: "لا تستطيع أن تذهب وتعالج الأمور، بل ينبغي أن تنجح محاولتك من المرة الأولى".

سيستخدم مفاعل "جيت" في هذه العملية أقل من ستين جرامًا من التريتيوم، والذي سيعاد تدويره. سيضخ الوقود المحتوي على جزء من جرام من التريتيوم داخل التوكاماك من ثلاث إلى أربع عشرة مرة في اليوم. ستكون كل ضخة من هذه الضخات تجربة منفردة ذات بارامترات مختلفة قليلًا، وستولد ما بين ثلاث إلى عشر ثوانٍ من البيانات المفيدة، بحسب تصريح مايو، والتي استطردت بقولها: "ما نحن بصدد الحصول عليه هو معلومات فيزيائية يمكننا استخدامها في التحقق من فهمنا لهذه العملية، ثم سنكون قادرين على تطبيق هذا الفهم في إعداد الآلة المستقبلية".

سيستخدم بعض التجارب التريتيوم فقط، في حين أن بعضها الآخر سيجمع بين الديوتيريوم والتريتيوم بنسبٍ متساوية، وكلا النوعين من التجارب مهم، لأن من الأهداف الرئيسية فهم تأثير كتلة التريتيوم الأكبر على سلوك البلازما (يحتوي التريتيوم على اثنين من النيترونات داخل نواته، بينما يحتوي الديوتيريوم على نيوترون واحد فقط، أما الهيدروجين فلا يحتوي على أي نيوترونات.) من المتوقع أن يساعدنا ذلك على التنبؤ بتأثير استخدام نظائر مختلفة في مفاعل "إيتر". تؤثر كتلة النظائر على الشروط  -مثل المجال المغناطيسي والتيار والحرارة الخارجية- اللازمة لكي تصل البلازما إلى حالة حرجة في ما يُعرف بحبس البلازما. (في هذه  الحالة، تظل الجسيمات الأعلى طاقًة داخل الغاز المتأين وهذا ضروري لضمان الحفاظ على درجة حرارة البلازما.) تقول آن وايت، عالمة الفيزياء المتخصصة في البلازما بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج: "نريد أن نستكشف هذه الظاهرة ونفهم سببها".

تختلف هذه التجربة عن التجارب التي أجريت عام 1997 في وجه آخر مهم، هو أن مفاعل "جيت" أُعيد تجهيزه لتصبح المواد الداخلية التي تحمي الآلة من تأثيرات الحرارة وقصف النيوترونات وتزيل الشوائب من البلازما تضاهي المواد المستخدمة في تصميم مفاعل "إيتر". نظرًا إلى أن هذه المواد قد تنعكس مرتدًة إلى البلازما ومن ثم تبردها، فمن الأهمية بمكان فهم كيفية تفاعلها مع عملية الاندماج.

يختتم تشابمان حديثه قائلًا إن الجيل الحديث من علماء الطاقة الاندماجية لم يتعاملوا من قبل مع التريتيوم، مما يزيد من أهمية إجراء التجارب. يعلِّق لوس بقوله: "إنه لحدث جلل، فأنظار العالم موجهة نحونا".