أنباء وآراء

سبر أغوار التاريخ الجينومي للماموث

نجح الباحثون في استخراج الحمض النووي لحيوان الماموث من عيناتٍ له يتجاوز عمرها مليون سنة. ومن خلال عقد مقارناتٍ بين جينومات هذه الحيوانات، وجينومات السلالات المنحدرة منها، يمكن الوصول إلى رؤى كاشفة بخصوص التغيّرات التي طرأت عليها في أثناء تطوُّر أحد الأنواع ليصير نوعًا آخر. 

ألفريد إل. روكا

  • Published online:

في عام 2013، أمكن تحديد تسلسل الحمض النووي لأحد الخيول التي عاشت قبل فترة تتراوح بين 560 ألفًا و780 ألفًا من الأعوام1 وكانت تلك أقدم عينة حمض نووي يجرى تحليلها على الإطلاق. غير أن هذا الرقم القياسي لم يلبث أن تحطم على يد الباحث توم فان دير فولك وفريقه البحثي2 إذ نجح هؤلاء الباحثون في استخراج حمض نووي من أضراس ثلاثة من حيوانات الماموث، عُثِر عليها شمال شرق سيبيريا، وعاش اثنان منها قبل ما يزيد على مليون سنة.

استطاع الفريق البحثي عزل الحمض النووي من هذه الأضراس التي كانوا قد جمعوها في السابق من التربة الصقيعية في سيبيريا، بالاعتماد على أساليب تُمكِّنهم من استخراج أكبر قدرٍ ممكن من شظايا قصيرة من بقايا الحمض النووي. وكان انخفاض درجات الحرارة قد ساعد على الحد من تحلل هذا الحمض عبر مختلف الأزمنة الجيولوجية.

فضلًا عن ذلك، تمكَّن هؤلاء الباحثون من تحديد عمر أفراد الماموث هذه عن طريق دراسة الطبقات الحيوية التي وُجِدت فيها، إذ اكتشفوا علاقة بين البقايا الحيوانية الموجودة في المواقع التي جُمِعَت منها الأضراس وحيوانات في مواقع أخرى تأكدت أعمارها. إضافةٌ إلى ذلك، وضع الباحثون تقديراتٍ لمدى قِدَم العينات بالاعتماد على تأريخ جزيئات الحمض النووي الموجودة في عضيَّات خلوية تسمى الميتوكوندريا، إذ وُجِد جينوم الميتوكوندريا، الذي خضع لعملية تحديد التسلسل الجيني، بنسبة أكبر من الحمض النووي للنوى الذي خضع للعملية ذاتها (وإن كان الفريق قد خلص إلى تواريخ تقديرية مشابهة باستخدام الحمض النووي للنوى المستخلصة من العينتين الأحدث عمرًا).

وقد أظهرت بيانات جينوم الميتوكوندريا أن العينة الأحدث بين عينات الماموث الثلاث، والتي أُطلِق عليها اسم "شوكوتشيا"، جاءت من حيوانات عاشت قبل أكثر من 680 ألف سنةٍ (على سبيل المقارنة، ظهر الماموث الصوفي الأيقوني Mammuthus primigenius، للمرة الأولى في السجل الأحفوري قبل نحو 700 ألف سنةٍ 3). وعند نمذجة شجرة تطوُّر حيوان الماموث باستخدام الحمض النووي للنوى، تبين أن ماموث "شوكوتشيا" كان خارج مجموعة ضمَّت جميع حيوانات الماموث الصوفي المنتمية إلى العصر البليستوسيني المتأخر (قبل فترة تتراوح ما بين 129 ألف و12 ألف سنةٍ). وقد كان هذا الاكتشاف متسقًا مع المورفولوجيا المميِّزة لضرس ماموث "شوكوتشيا"، وهي مورفولوجيا كشفت انتماءه لأحد الأشكال الأُولى من الماموث الصوفي.

أما ثاني أقدم ماموث، ويسمى "أديشا"، فقد عاش قبل نحو 1.34 مليون سنة خلال العصر البليستوسيني المبكر (والذي امتدّ من فترة تتراوح بين ما يقرب من 2.58 مليون سنة إلى 773 ألف سنة مضت). وقد تبيَّن للباحثين أن ماموث "أديشا" كان ينتمي إلى مجموعة من أسلاف الماموث الصوفي، التي عاشت قبل ماموث "شوكوتشيا". ووُجدت فروقٌ جوهرية بين ضرس ماموث "أديشا"، وأضراس ماموث "شوكوتشيا"، وحيوانات الماموث الصوفي الأحدث عهدًا، في ما يتعلّق بسمك المينا، وعدد صفائح المينا، وكثافتها، وارتفاع تيجان الضروس، لكن لا يزال بعض القصور يشوب فهمنا للنسق الوراثي التطوري الكامن وراء هذه السمات، وغيرها من السمات المورفولوجية. من ثمَّ، ما زلنا عاجزين عن تحديد التغيُّرات الجينومية المسؤولة عنها4. وبالمضي قدمًا في تقصي هذا المبحث، يمكن أن يتبلور لدى الباحثين فهمٌ أفضل للخصائص الوراثية لتطور جمجمة هذا الكائن وأسنانه، وهو ما قد يُسهم في التوفيق بدرجة أكبر بين دراسة جينوم الماموث ودراسات الحفريات القديمة4.

وقد انتقل الفريق البحثي بعد ذلك إلى عقد مقارنة بين جينومات هذه العينات القديمة، وجينومات الحيوانات المنحدرة من الماموث الصوفي، بهدف دراسة الكيفية التي تمكَّنت بها حيوانات الماموث من التكيُّف مع البيئة السيبيرية الباردة. ورصد الفريق في الماموث الصوفي كثيرًا من المتغيرات الوراثية التي يُعتَقد أنها كانت نتاجًا لتكيُّف تلك الحيوانات مع بيئة المناطق الواقعة في دوائر العرض الشمالية. وقد تسنَّى للباحثين ذلك عن طريق مقارنة جينومات الماموث الصوفي بجينومات فيلة السافانا الإفريقية Loxodonta africana والآسيوية maximus Elephas، وكلاهما ينتمي إلى الفصيلة ذاتها من الثدييات5 وأوضح فان دير فولك وفريقه البحثي أن 87% من هذه المتغيرات كان موجودًا بالفعل في ماموث "أديشا" و89% منها كان موجودًا في ماموث "شوكوتشيا". وهذا غير مستغرب، إذ إن أي سلالة حُفِظَت في التربة الصقيعية لا بدَّ أنها قد تكيَّفت بالفعل مع المناخات قارسة البرودة. غير أن الباحثين وجدوا أيضًا أدلةً على حدوث مزيد من عمليات التكيُّف مع تطور سلالة الماموث؛ فعلى سبيل المثال، كانت المتغيرات التي حملها جين TRPV3، المرتبط باستشعار الحرارة، في أفراد الماموث الصوفي خلال العصر البليستوسيني المتأخر5تفوق عددًا تلك التي حملها هذا الجين في أسلافهم من أفراد ماموث "شوكوتشيا".

أما ماموث "كريستوفكا"، فكان الأكثر قدمًا، إذ عاش بحسب تقديرات التأريخ الجينومي للميتوكوندريا  قبل نحو 1.65 مليون سنة (وإن كانت دراسة الطبقات الحيوية تشير إلى أنه يرجع لتاريخ أحدث قليلًا). وقد دلَّت شجرة تطوّر حيوان الماموث على أن ماموث "كريستوفكا" لم يكن ينتمي إلى مجموعة ينحدر منها الماموث الصوفي، بل كان جزءًا من سلالة انفصلت عن سلالتي الماموث الصوفي "أديشا" و"شوكوتشيا" قبل قرابة مليوني سنة. ويشير الباحثون إلى أن ماموث "كريستوفكا" كان سلفًا لحيوان ماموث وطئ قارة أمريكا الشمالية قبل نحو 1.5 مليون سنة6 وانحدر منه الماموث الكولومبي (Mammuthus columbiالذي استوطن المناطق ذات المناخ المعتدل في أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى (شكل 1).

شكل 1| تسلسلٌ زمني لتطوُّر الماموث. تعود أصول أسلاف الماموث والفيل الآسيوي Elephas Maximus إلى إفريقيا (المُشار إليها باللون الأصفر). وقد هاجرت هاتان السلالتان إلى أوراسيا (المُشار إليها باللون الأحمر) بعد تشعبها من السلالة التي انحدرا منها (تاريخ هذا التشعُب غير مؤكّد).  وقد تمكَّن الباحث فان دير فولك وزملاؤه2 من تحديد تسلسل الحمض النووي المستخرَج من ثلاث عيناتٍ قديمة للماموث جُمِعَت من سيبيريا، وأُطلِق عليها "كريستوفكا" و"أديشا" و"شوكوتشيا" على الترتيب. وأظهرت التحليلات الجينومية أن نوعي "أديشا" و"شوكوتشيا" كانا يُمثِّلان جزءًا من سلالةٍ انحدر منها الماموث الصوفي. وفي المقابل، لم يكن لماموث "كريستوفكا" إسهامٌ في جينوم الماموث الصوفي، بل انحدر من سلالةٍ منفصلة عنه، قبل مليوني سنة تقريبًا، ثم هاجر إلى أمريكا الشمالية (المُشار إليها باللون الأزرق). وتشير التحليلات الجينومية إلى أن تهجينًا حدث بين سلالتي ماموث "كريستوفكا" والماموث الصوفي، إذ أسهم كلٌ منهما بنسبة 50% في أصول الماموث الكولومبي الذي استوطن أمريكا الشمالية (Mammuthus columbi). وبعد دخول الماموث الصوفي إلى أمريكا الشمالية قبل ما يقرب من 100 ألف سنة، حدث تهجين بينه وبين الماموث الكولومبي، فحلَّ حمضه النووي محل 12% من جينوم الماموث الكولومبي. والتسلسل الزمني المُبيَّن قائمٌ على التأريخ الوراثي. (الشكل مأخوذ بتصرفٍ من الشكل 2جـ في المرجع 2.)

شكل 1| تسلسلٌ زمني لتطوُّر الماموث. تعود أصول أسلاف الماموث والفيل الآسيوي Elephas Maximus إلى إفريقيا (المُشار إليها باللون الأصفر). وقد هاجرت هاتان السلالتان إلى أوراسيا (المُشار إليها باللون الأحمر) بعد تشعبها من السلالة التي انحدرا منها (تاريخ هذا التشعُب غير مؤكّد).  وقد تمكَّن الباحث فان دير فولك وزملاؤه2 من تحديد تسلسل الحمض النووي المستخرَج من ثلاث عيناتٍ قديمة للماموث جُمِعَت من سيبيريا، وأُطلِق عليها "كريستوفكا" و"أديشا" و"شوكوتشيا" على الترتيب. وأظهرت التحليلات الجينومية أن نوعي "أديشا" و"شوكوتشيا" كانا يُمثِّلان جزءًا من سلالةٍ انحدر منها الماموث الصوفي. وفي المقابل، لم يكن لماموث "كريستوفكا" إسهامٌ في جينوم الماموث الصوفي، بل انحدر من سلالةٍ منفصلة عنه، قبل مليوني سنة تقريبًا، ثم هاجر إلى أمريكا الشمالية (المُشار إليها باللون الأزرق). وتشير التحليلات الجينومية إلى أن تهجينًا حدث بين سلالتي ماموث "كريستوفكا" والماموث الصوفي، إذ أسهم كلٌ منهما بنسبة 50% في أصول الماموث الكولومبي الذي استوطن أمريكا الشمالية (Mammuthus columbi). وبعد دخول الماموث الصوفي إلى أمريكا الشمالية قبل ما يقرب من 100 ألف سنة، حدث تهجين بينه وبين الماموث الكولومبي، فحلَّ حمضه النووي محل 12% من جينوم الماموث الكولومبي. والتسلسل الزمني المُبيَّن قائمٌ على التأريخ الوراثي. (الشكل مأخوذ بتصرفٍ من الشكل 2جـ في المرجع 2.)

كبر الصورة

كما عثر الباحثون في الجينومات النووية للماموث الكولومبي على بصمات دالة على حدثي امتزاج جيني (تهجين) بين سلالتي ماموث "كريستوفكا" والماموث الصوفي. وقد وقع ثاني هذين الحدثين في ما يبدو بعد دخول الماموث الصوفي أمريكا الشمالية قبل قرابة 100 ألف سنة6. وخلاله، حلَّ الحمضُ النووي الخاص بالماموث الصوفي المنتمي إلى العصر البليستوسيني المتأخر محل 12% تقريبًا من جينوم الماموث الكولومبي.

وقد أظهرت النسبة الباقية من جينوم الماموث الكولومبي أن سلالتي ماموث "كريستوفكا" والماموث الصوفي كانت لهما إسهاماتٌ متساوية فيها، وهو ما يدلّ على وقوع امتزاج جيني بين السلالتين في مرحلة أسبق. وربما يعد انقسامًا متكافئًا كهذا (بنسبة 50: 50) مثيرًا للدهشة، بالنظر إلى أن إسهامات أي مجموعتين من الأسلاف قد تكون بأي نسب أخرى، على سبيل المثال 70: 30، أو 10: 90. وقد يرى بعضهم أن هذا الانقسام حدث على سبيل المصادفة، لكن فان دير فولك وزملاءه يشيرون إلى احتمالية حدوث ما يُعرف بنشوء الأنواع التهجيني، والذي يعني أن نسل الحيوانات المهجنة بين السلالتين لا يتزواج مع أي من السلالتين الأصليتين7.

ويشير الباحثون في ذلك السياق إلى أن حدث التهجين الأول قد وقع قبل نحو 420 ألف سنة، لأن جينومات الميتوكوندريا قد انتقلت في ما يبدو آنذاك من سلالة الماموث الصوفي إلى الماموث الكولومبي2-8. غير أن أسلاف الماموث الكولومبي دخلوا أمريكا الشمالية قبل هذا التاريخ بزمنٍ طويل، في حين دخلها الماموث الصوفي بعده بفترة طويلة3-6. من هنا، تصعب المواءمة بين هذا التاريخ والسجل الأحفوري. وتنتقل جينومات الميتوكوندريا بالفعل بين الأنواع المندرجة تحت فصيلة الفيلة8-9، ولهذا السبب، قد يكون تاريخ تطوُّر سلالة ماموث العصر البليستوسيني المتأخر مرآة لأحداث لا تقتصر على انتقال جيني واحد بين الأنواع. وفي المقابل، فإن التهجين الظاهر في الجينوم النووي، ربما لم يحدث في الوقت الذي قدَّره العلماء باستخدام جينومات الميتوكوندريا. وفي حال أمكن الحصول على حمض نووي من عيناتٍ لحيوانات ماموث يعود تاريخها إلى العصر البليستوسيني المبكر أو الأوسط، احتفظت بها التربة الصقيعية في أمريكا الشمالية، فإن هذا قد يسلط مزيدًا من الضوء على أصول الماموث الكولومبي.

وجدير بالذكر أن كثيرًا من أنواع الحيوانات الموجودة حاليًا، نشأت في العصر البليستوسيني الأول أو بعده، ولذا، فإن القدرة على استخراج الحمض النووي من عيناتٍ يعود تاريخها إلى العصر البليستوسيني المبكر تعني أنه أصبح بمقدورنا الآن تتبُّع التغيُّرات الجينومية التي طرأت في بعض السلالات عبر الأزمنة السحيقة، وهو ما يتيح لنا رؤىً متعمقة بخصوص تطوّر الأنواع الحديثة. فغالبًا ما تُستَخدم الجينومات الحديثة في الاستدلال على التاريخ الديموجرافي لمجموعات الكائنات عبر مئات الآلاف من السنين. والآن، يجب التحقق من دقة هذه الاستدلالات عن طريق فحص العيناتٍ المعاصرة لهذه الفترات.

وقد يكشف تتبُّع التغيرات الوراثية التي تحدث في الميتوكوندريا والنواة عبر الزمن السحيق دور التفاعلات بينهما (إن وُجِدَت) في تطور حيوان الماموث. فعندما تنتقل الميتوكوندريا من خلايا نوع إلى آخر في وسط مختبري، فقد تختل التفاعلات بين البروتينات التي تشفِّرها جينات الميتوكوندريا والنواة10 ويُعتقَدُ أن مثل هذا الخلل قد يؤدي إلى تطوُّر سلالاتٍ جديدة من جينوم الميتوكوندريا أو اختفائها9 ولهذا المسار البحثي أهمية خاصة، نظرًا إلى أن فان دير فولك وزملاءه قد استندوا إلى انتقال جينومات الميتوكوندريا كأساسٍ لتحديد تاريخ حدث التهجين الذي أدي إلى ظهور الماموث الكولومبي.

وختامًا، نقول إن محور تركيز دراسة الطبقات الحيوية هو توزيع الأنواع الصغيرة والمورفولوجيا الخاصة بها، كاللاموس والبيكا وفأر الحقل. ويُفترَض أنه أصبح ممكنًا الآن إضافةُ عناصر الحمض النووي إلى دراسة الطبقات الحيوية، من خلال التحليلات الجينومية للثدييات الصغيرة في مختلف المواقع. وهكذ، دفع عمالقة العصر الجليدي علم الجينوم نحو سبر أغوار الزمن السحيق، وربما يحين قريبًا دور الثدييات الصغيرة التي أحاطت بتلك الكائنات العملاقة.

References

  1. Orlando, L. et al. Nature 499, 74–78 (2013). | article
  2. van der Valk, T. et al. Nature 591, 265–269 (2021). | article
  3. Lister, A. M., Sher, A. V., van Essen, H. & Wei, G. Quat. Int. 126–128, 49–64 (2005). | article
  4. Roseman, C. C. Am. J. Phys. Anthropol. 160, 582–592 (2016). | article
  5. Lynch, V. J. et al. Cell Rep. 12, 217–228 (2015). | article
  6. Lister, A. M. & Sher, A. V. Science 350, 805–809 (2015). | article
  7. Mallet, J. Nature 446, 279–283 (2007). | article

  8. Enk, J. et al. Genome Biol. 12, R51 (2011). | article

  9. Roca, A. L. J. Genet. 98, 83 (2019). | article
  10. McKenzie, M., Chiotis, M., Pinkert, C. A. & Trounce, I. A. Mol. Biol. Evol. 20, 1117–1124 (2003). | article

ألفريد إل. روكا يعمل في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم الزراعية والاستهلاكية والبيئية بجامعة إلينوي في مدينة إيربانا بولاية إلينوي 61801، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: roca@illinois.edu