كتب وفنون

دراسة متميزة لأحدث التطورات في مجال هندسة المناخ 

تتساءل إليزابث كولبرت في أحدث كُتبِها عما إذا كانت بعض الحلول البيئية أسوأ من المشكلات ذاتها؟

جايا فينس
  • Published online:
يحاول الباحثون تطبيق إجراءات مبتكرة للسيطرة على غزو سمك الشبوط الأسيوي أنهار ولايات الغرب الأوسط الأمريكي.

يحاول الباحثون تطبيق إجراءات مبتكرة للسيطرة على غزو سمك الشبوط الأسيوي أنهار ولايات الغرب الأوسط الأمريكي.

Credit: USACE/Alamy

تحت السماء البيضاء: طبيعة المستقبل

إليزابيث كولبرت

دار نشر كراون (2021)

يتفَنَّن البشر في إيجاد الحلول لما يعرض لهم من مشكلات. ولكن الحلول عادة تخلق مشكلاتٍ جديدة، تتطلب حلولًا خاصة بها، غير أن هذه الحلول تجلب بدورها مشكلات جديدة. وهكذا، تتتابع المشكلات والحلول في حلقة مفرغة.

يمكن تلخيص مشروع الحضارة في سعي الإنسان للسيطرة على النظم الطبيعية، مثل: نهر يجري في منطقة لا تلائمنا، أو أرض رطبة أكثر أو أقل مما ينبغي، أو غابات تنمو حيث نود أن نزرع محصولًا واحدًا، وهكذا. ولكن منظومات الطبيعة لا تخضع لرغباتنا؛ ولهذا نجد أن التغيرات التي نُدخلها على الطبيعة تترك آثارًا غير مقصودة، فينتهي بنا الأمر باحثين عن المزيد من الحلول. ونجد في المحصلة النهائية أن العالم أصبح واقعًا تحت سيطرة البشر، معلنًا قدوم حقبة الأنثروبوسين. إن المشكلات التي نواجهها تؤثر على العالم أجمع، كما أن الحلول التي نقدمها تعود بالنفع على العالم أجمع.

يتناول أحدث الكتب التي ألفتها إليزابيث كولبرت، الصحافية في مجلة "ذا نيويوركر" The New Yorker، والحائزة على جائزة بولتزر في مجال الصحافة البيئية، سلسلة العلاقات السببية هذه التي تحكم هندسة المناخ. يعرض كتاب "تحت السماء البيضاء"  Under the White Sky جهود البشر في مواجهة الكوارث الطبيعة التي رصدتها المؤلفة في كتابين سابقين، تناول أحدهما قضية التغير المناخي ("ملاحظات ميدانية من قلب الكارثة" Field Notes From A Catastrophe، المنشور عام 2006)، أما الثاني فتناول قضية التنوع البيولوجي ("الانقراض السادس" The Sixth Extinction، المنشور عام 2014).

في أحدث مؤلَّفاتها تعرض الكاتبة أحدث التجارب البيئية في أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا، يقدم بعضها حلولًا تحفظية، بينما يقدم البعض الآخر حلولًا جذرية. نخرج من هذه الجولة بتصور مجمل وواضح عن الصعوبات التي تواجه محاولاتنا تحقيق استعادة التوازن لمجالنا الحيوي الذي تربط بين أجزائه علاقات فائقة الروعة، وكذلك الجهود الجبارة التي يبذلها البشر لتحقيق هذا المسعى.

تزور كولبرت منظومة نهر شيكاجو الكبرى في ولاية إلينوْي الأمريكية، حيث تم تعديل مسار النهر حتى يستوعب مياه الصرف في المدينة، وهو ما تطلب تغيير اتجاه بعض من روافد النهر الكبرى، أو توجيهها في الاتجاه المعاكس. وهنا ترصد المؤلفة الجهود التي بُذلت لمنع نوع من الأسماك الغازيَة –الذي كان الإنسان قد أدخله على حوض نهر المسيسيبي– من تدمير النظام البيئي الجديد في البحيرات العظمى. تضمنت تلك الجهود كهربة مناطق من النهر، وتنظيم مهرجانات لصيد الأسماك، بالإضافة إلى مجموعة من الاختراعات المبتكرة مثل إقامة حاجز للمياه يصدر أصواتًا وترددات تحاكي صالات الديسكو، واستخدام الحلوى كطُعْم للأسماك.

ومن هناك تتجه المؤلفة جنوبًا، نحو ولاية لويزيانا الساحلية، حيث تجد المهندسين يخططون لمشروع بتكلفة مليارات الدولارات لإنشاء نظام نهري يحاكي المسارات القديمة لنهر المسيسيبي العظيم. وكان الإفراط في العبث بالنهر، بتقويم مساره وبإضافة مَصَدّات الفيضانات، قد أدى إلى غرق الأراضي واختفائها، وذلك أن ترسبات الطمي التي كانت تحملها مياه النهر فيما سبق لم تعد تغذي التربة الغرينية. ونتيجة لذلك انكمشت مساحة مدينة نيو أورلينز، وأصبحت بعض التجمعات السكانية مهجورة. وتتبدى هنا مهارات كولبرت التي عرفها قراء مقالاتها في مجلة "ذا نيويوركر" The New Yorker، حيث يَجمع أسلوبها بين التغطية الصحافية العميقة الشيقة والشرح الواضح للسياقات العلمية والمجتمعية على حد سواء.

محاولة استمطار من داخل إحدى الطائرات في تايلاند عام 2019

محاولة استمطار من داخل إحدى الطائرات في تايلاند عام 2019

Credit: Athit Perawongmetha/Reuters

لا تخلو حياتنا من جانب كوميدي ينجم عن تزاوج الغطرسة والإحساس بقلة الحيلة. تعبر كولبرت عن هذه السمة ببراعة دون أن تضطر إلى التخلي عن تعاطفها مع شخصيات الكتاب أو احترامها لإنسانيتهم. وإن كان يعيب الكتاب انحصار دائرة المشكلات والحلول على العالم المتقدم، رغم أن حقبة الأنثروبوسين تمس العالم أجمع، ولكن ربما تُثقل تبعاتها كاهل الدول الفقيرة أكثر من الدول الغنية.

نظم بيئية مصطنعة

في صحراء موهافي بولاية نيفادا تزور المؤلفة مخبئًا للأسماك أقيم داخل إحدى البِرَك. تَكلف إنشاء المخبأ مبالغ طائلة، ويشرف عليه فريق عمل كامل؛ بغرض الحفاظ على نوع نادر من الأسماك تعرض في بيئته الطبيعية لخطر الانقراض؛ نتيجة لسلوك بعض البشر. وفي مختبر مائي في أستراليا ترقب المؤلفة عمليات تفريخ المرجان، التي تتم وسط بيئة جعلها المعمل تحاكي الظروف الطبيعية التي يحدث فيها تكاثر المرجان، بما في ذلك محاكاة رومانسية لوقت الغروب. تمثل هذه العملية أولى الخطوات في برنامج التلقيح الصناعي، الذي يأمل الباحثون أن يحمي حاجز المرجان الكبير من التدهور الكارثي الذي يتعرض له نتيجة احترار المناخ. تُعلق كولبرت بأسًى قائلة: "يبدو أن تدمير أحد الأنظمة البيئية أسهل كثيرًا من إدارتها بنجاح".

  لا تخلو حياتنا من جانب كوميدي ينجم عن تزاوج الغطرسة والإحساس بقلة الحيلة.

كما تلتقي كولبرت أيضًا باحثين في الهندسة الوراثية يعملون من أجل استبدال بعض الكائنات المهدَّدة بالانقراض، كالمرجان، بأنواع معدلة تكون أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات البيئية. يشير أحد الباحثين في تعليقه على هذه التجارب التي تُحدث تغييرات كبيرة في المنظومة البيئية، قائلًا: "إن عملية نقل الجينات تحدث طوال الوقت وفي كافة أنحاء العالم، وتتضمن غالبًا نقل جينومات بأكملها". من ذلك مثلًا ثمار البطاطس من بيرو التي تجدها الآن في حقول في أوروبا، أو القطط الأليفة التي حملها الأوروبيون معهم إلى نيوزيلاندا، والتي ساهمت بدورها في انقراض ما لا يقل عن تسعة أنواع من الطيور المحلية.

إن محاولة إنقاذ نوع من الأسماك المهدَّدة ليست أمرًا سهلًا، وأصعبُ منه بدرجات لا تحصى إنقاذُ نظام بيئي متكامل للشعاب المرجانية، ولكن يبقى التحدي الأصعب متمثلًا في إصلاح مناخ الكوكب الذي نعيش عليه. تستعرض كولبرت الآليات المستخدمة في هندسة المناخ لسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتخزينه، وذلك في سياق زيارتها بعض هذه المرافق في الولايات المتحدة وأيسلندا. ساهمت التقنيات المقترحة للتعامل مع "الانبعاثات السلبية" في التوصل إلى اتفاقية باريس للمناخ في عام 2015. فقد جاء الاتفاق حول الحد من الانبعاثات الكربونية متضمنًا حلولًا مثل استزراع الغابات؛ لكي تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو أثناء مراحل نموها، وكذلك التقاط الانبعاثات الصناعية من منابعها ثم دفنها.

لا تتطرق اتفاقية باريس إلى إجراءات "أكثر جرأة" يمكن أن تستخدم في هندسة المناخ لكي تسهم في خفض درجة حرارة الأرض، رغم أن تلك الإجراءات تخضع للبحث منذ عقود. تلتقي كولبرت ببعض الباحثين الذين درسوا طرقًا تعكس حرارة الشمس بعيدًا عن الأرض، وتتضمن رش مادة الكالسيت التي تتسبب في انكسار الضوء في الطبقة العليا للغلاف الجوي، وهو ما سيجعل السماء تبدو بيضاء، وهي الظاهرة التي يشير إليها عنوان الكتاب. ستكون هذه، لو نُفذت، خطوة حاسمة. ولكن الوضع الحالي لاحترار المناخ له مخاطر هائلة قد يمكن لهندسة المناخ تخفيفها. وتتساءل المؤلفة: "ألا يجب، على الأقل، أن نأخذ تلك الحلول الصعبة بعين الاعتبار"؟ ولكنها لا تقدِر على إجابة السؤال.

هناك قدر كبير من القَدَريّة المحزنة في تلك القضية. لقد أوغلنا كثيرًا في مسار تغيير المناخ على الكوكب، لدرجة يصعب معها، أو يستحيل، أن نعود أدراجنا، لأن متوالية المشكلات والحلول تدور في حلقة مفرغة كما ذكرنا في بداية المقالة. تعرض كولبرت هذه المعضلة ببراعة، ولكن بحياد مَن يراقب عن بعد. وتحافظ على روح الصحافية التي ترصد الأحداث ولكن من دون أن تذيلها بآرائها. وتأتي نهاية الكتاب مفاجِئة، إذ يَحول وباء الكورونا دون إكمال كولبرت جولاتها البحثية الأخرى، فينتهي دون تقديم إجابات عن أسئلة كثيرة، سواء تلك التي أثارها الكتاب أو تلك التي تحيط بعالمنا. وفي هذا كله يعبر الكتاب، بصدقه وإتقانه، عن الأوقات الاستثنائية التي نعيشها جميعًا.

التعريف بكاتب المقال: جايا فينس، مؤلفة. حاز كتابها الأول "مغامرات في حقبة الأنثروبوسين" Adventures In The Anthropocene جائرة أفضل كتاب من الجمعية الملكية بلندن في عام 2015. واختُير كتابها الثاني "تَجاوُز" Transcendence ضمن القائمة القصيرة للجائرة ذاتها في العالم الماضي.