رؤية كونية

أزمة إثبات قابلية نتائج الدراسات للتكرار تحتاج إلى حلول لكل مجال 

تبَنِّي استراتيجية موحدة لإصلاح العلوم سوف يسفر عن استياء، لا عن تحسُّن.

ديفيد بيترسون
  • Published online:

DAVID PETERSON

أثارت المخاوف من وقوع أزمة فيما يخص إثبات "قابلية نتائج الدراسات للتكرار" موجة من المشروعات البحثية التي تستهدف تقييم هذه القابلية، وذلك بطرق كمية، مثل التحليلات الإحصائية، وتكرار إجراء الدراسات على نطاق واسع، للتحقق من نتائجها، فضلًا عن الدراسات الاستقصائية. وقد نمت هذه الجهود، التي يُطْلَق عليها مجتمعةً "البحوث القائمة على الأدلة"، لتشكِّل حركة اجتماعية تدعم تبَنِّي إصلاحات واسعة النطاق؛ مثل فرض إتاحة الوصول المفتوح إلى العلوم، وتسجيل النهج البحثي المتبع في التجارب مسبقًا، وتبنِّي حوافز جديدة للتشجيع على دقة إجراء الأبحاث. كما لفتت هذه المشروعات إلى ضرورة إدخال تحسينات، مثلما تسببت في إحداث ضغائن.

لم يَعُد الفلاسفة والمؤرخون وعلماء الاجتماع يقبلون بتعريف موحد للمنهج العلمي، بل وثَّقوا بالأحرى الكيفية التي ابتكر العلماء بها أساليب فريدة في مختلف المجالات فيما يتعلق بالخروج بالأدلة، وإعلانها، وتقييمها، عبر الاسترشاد - بشكل عام - بمجموعة من القيم المشتركة، ففي كثير من الأحيان، يتجاهل النشطاء الداعمون للبحث القائم على الأدلة هذا التنوع في المناهج والبحوث المرتكِزة عليه.

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، أجريتُ مع عالِم الاجتماع آرون بانوفسكي من جامعة كاليفورنيا، في ولاية لوس أنجيليس الأمريكية، مقابلات مع 60 باحثًا من كبار المتخصصين في مجالات الأحياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والفيزياء، ممن يعملون مراجعين للمحررين في دورية "ساينس" Science، ومع 83 باحثًا آخرين يسعون إلى إدخال إصلاحات تغطي المجالات العلمية المختلفة. وقد رأى هؤلاء الباحثون، الذين يتمتعون بمكانة كبيرة، اهتمامًا متزايدًا بإتاحة الوصول المفتوح إلى العلوم بدرجة أكبر، وتعزيز دقة الأبحاث، لكنهم أعربوا أيضًا عن شكوك تساورهم في هذا الشأن.

ثارت مشاعر استياء وغضب بين كبار الباحثين إزاء فكرة أن مجالات تخصصهم تواجه "أزمة"، وتشككوا في أن النشطاء سالفي الذكر كان دافعهم هو نَيْل الثناء والتقدير. وعلى سبيل المثال، حاجج عالِم أحياء أصابه هذا الوضع بالإحباط بأنّ الأشخاص الذين أجروا دراسات التحقق من قابلية النتائج للتكرار على نطاق واسع "لم يكن دافعهم تقصِّي هذه القابلية من عدمها"، وأنهم جنوا النفع من إيجاد ثغرات في النتائج. ورأى آخرون أن الداعمين للبحث القائم على الأدلة نبذوا بحوث إثبات قابلية النتائج للتكرار، التي أُجريت في السابق دعمًا لمسارات بحثية معينة، بدلاً من تقييم الأدبيات البحثية، فيما رأى آخرون أن مطالبة الباحثين بإتاحة البيانات الأولية الخاصة بأبحاثهم للجمهور باعثة على الإحباط، وأن هذا الإلزام فرضته جهات دخيلة، حيث صرح بعضهم قائلًا في هذا الصدد: "نحن نعاني بالفعل من وطأة كل هراء البيروقراطية".

وحتى أولئك الذين أقرّوا بالجدوى التي قد تتحقق من تبنِّي بعض الإصلاحات - مثل مشاركة البيانات - شعروا بأن التكاليف المترتبة على ذلك لم تُناقَش، وبعضهم قال في هذا الصدد: "إذا جمعت كل الإجراءات التي يستغرق أداء كل منها عشر دقائق فقط، ستجد أن الأمر يستنفد جزءًا كبيرًا من يومك".

ويردّ الإصلاحيون على ذلك بأن مثل تلك الشكاوى تمثل اعتراضات من نُخَب تتمتع بامتيازات، وأشاروا إلى أن أصحابها تُحَرِّكهم دوافع خبيثة، تنتشر في كل الأوساط الأكاديمية، مثل الحاجة الملحّة إلى نشر الأبحاث، لارتقاء السلم المهني. ويأمل ماركوس مونافو في تغيير هذه المنظومة، وهو متخصص في البيولوجيا النفسية من جامعة بريستول في المملكة المتحدة، وشارك في تأسيس “شبكة دراسات التحقق من قابلية النتائج للتكرار بالمملكة المتحدة” UK Reproducibility Network. وقد أخبرني بأن الأبحاث لا بد أن تنتقل من الممارسات "الحِرَفية" التي سادت في القرن التاسع عشر إلى ممارسات تعتمد على أنظمة لـ"مراجعة إجراءاتها، أو تقييمها". ويرى بريان نوسيك، المدير التنفيذي لـمركز العلوم المفتوحة في شارلوتسسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، أنّ التقدم المحرَز في المجال البحثي قد تباطأ بسبب "مقاومة" أشخاص "يشعرون بالرضا عن المنظومة القائمة".

وأعتقد أن جزءًا من رفض الإصلاحات ينبع بالفعل من مصالح راسخة. (ومن المثير للاهتمام أن نعرف ما إذا كانت إجابة الباحثين الذين هم في مقتبل حياتهم المهنية ستكون مختلفة، أم لا)، لكن جزءًا آخر من هذا الرفض نابع من خبرة ودراية. فقد أقر عديد ممن أجريت معهم مقابلات بالحاجة إلى إدخال تحسينات موجَّهة، في الوقت الذي عارضوا فيه تعميم القرارات الإصلاحية المتخذة. وعلى سبيل المثال، اتهم أحد الفيزيائيين القرارات التي تفرض إتاحة البيانات الأولية الخاصة بالأبحاث للجمهور بأنها السبب وراء بيروقراطية لا تميِّز بين أساليب المجالات العلمية المختلفة. وارتأت متخصصة في بيولوجيا النبات أن التسجيل المسبق للنهج البحثي المتبع في التجارب يناسب التجارب الكبيرة طويلة الأجل، مثل التجارب الإكلينيكية، في حين أنه لا يناسب التجارب المكررة قصيرة الأجل، مثل تجربتها، حيث تعتمد كل تجربة على نتائج التجربة السابقة.

"بدلاً من مواءمة الممارسات المتبعة مع مبادئ عامة، يجب أن تنصَبّ جهود الباحثين على التحديات التي يواجهها كل مجال على حدة". 

ويتمثل جزء من المشكلة في انتماء العديد من الإصلاحيين إلى شريحة ضيقة في الأوساط الأكاديمية. وعلى سبيل المثال، ينتمي أغلب مؤلفي "البيان المعنِيّ بقابلية نتائج الأبحاث للتكرار" A manifesto for reproducible science - الذي يعرض اتجاهات مؤثرة في هذا الشأن، والذي كُلف فريق بإعداده من أجل العدد الافتتاحي من دورية "نيتشر هيومان بيهيفيور" Nature Human Behaviour - إلى مجالات علم النفس، والعلوم الاجتماعية والسلوكية (M.R. Munafò et al. NatureHum.Behav. 1, 0021; 2017). ومن بين المؤلفين التسعة والثلاثين الذين وضعوا توجيهات البيان المُعتمَدة على نطاق واسع، والمتعلقة بالشفافية والانفتاح، نجد أن معظمهم ينتمي إلى مجال العلوم الاجتماعية؛ والباقون هم مموِّلون، وموظفون في معاهد العلوم المفتوحة، ومحررون في مجلات علمية، فضلًا عن باحث في مجال السياسات العلمية (B. A. Nosek et al. Science 348, 1422–1425; 2015).

وقد أكد الباحثون الذين تحدثنا معهم على أن لكل مجال بحثي أعرافًا مختلفة عن المجال الآخر. وعلى سبيل المثال، أوضح عالم كيمياء متمرس، أجرى أيضًا أبحاثًا في علم الأحياء، أنه على الرغم من أن النماذج في علم الكيمياء تسفر عادة عن احتمالية كبيرة لتكرار النتائج بدقة كبيرة، إلا أنّ "العكس هو الصحيح في حال علم الأحياء". وهو ما يمكن أن يؤدي بصورة منتظمة إلى تفسيرات مختلفة لفشل تكرار نتائج التجارب، وتقييمات مختلفة لقابليتها للتكرار، وتوضيح ما إذا كانت المنهجية البحثية للتجربة رديئة التصميم، أم أن تنفيذها صعب من الناحية التقنية.

كما أثنى مَن أجريت مقابلات معهم على الإصلاحات الشاملة التي نبعت من الأوساط الأكاديمية التي تنطبق عليها هذه الإصلاحات. ومن أمثلتها: برنامج "تيري نت" TERRINet، وهو برنامج جرى تطويره للتنسيق بين البحوث في مجال الروبوتات، بهدف ترميز اختبارات التحقق من صحة قياس مؤشرات الزلازل. وفي مشروع آخر نال الكثير من الإشادة، اجتمع آلاف من علماء بيولوجيا الخلايا الذين يدرسون ظاهرة الالتهام الذاتي الخلوي، بغية توحيد المفاهيم والبروتوكولات المتبعة في المجال (D. J. Klionsky Mol. Biol. Cell 27, 733–738; 2015).

وإذا أراد الداعمون للإصلاح العلمي تعزيز دقة الأبحاث في المجالات العلمية المتنوعة، فعليهم إثبات فهمهم للمنهجيات المتبعة في كل مجال قبل الدفع بمجموعة من الممارسات التي تقضي بالكيفية التي ينبغي أن تُدار بها الأبحاث العلمية كافة. وبدلاً من مواءمة الممارسات المتبعة مع مبادئ عامة، يجب أن تنصَبّ جهود الباحثين على التحديات التي يواجهها كل مجال على حدة، وذلك - على سبيل المثال - من خلال التعاوُن مع الجمعيات العلمية، وإلا ستواجه جهود الإصلاح مقاومة، باعتبارها امتدادًا للبيروقراطية التي تشوب المجالات العلمية، بدلاً من تبَنِّيها كطرق لإجراء بحوث أكثر دقة.

(ملاحظة المحرر: تبَنَّت دورية Nature سياسات لتعزيز ممارسات الدقة في الأبحاث، وتقديم تقارير شاملة تتسم بالشفافية).

  

ديفيد بيترسون

باحث متخصص في علم الاجتماع في مرحلة ما بعد الدكتوراة بجامعة كاليفورنيا، في ولاية لوس أنجيليس الأمريكية.

البريد الإلكتروني: davidapeterson@g.ucla.edu