أخبار

قاب قوسين أو أدنى: الجينوم البشري على مشارف الاكتمال

أضاف العلماء 200 مليون زوج قاعدي من الحمض النووي، و115 جينًا جديدًا.. وما زالت جهودهم مستمرةً لوضع التسلسل الجينومي للكروموسوم Y.

سارة ريردون 

  • Published online:
تصوير بشري لأقسام تسلسل الجينوم البشري.

تصوير بشري لأقسام تسلسل الجينوم البشري.

Getty Images/iStockphoto

عندما أعلن "مشروع الجينوم البشري"، وشركة التكنولوجيا الحيوية "سيليرا جينومِكس" Celera Genomics عن التوصل إلى وضع تسلسُل الجينوم البشري، قبل عقدين من الزمان، لم يكن في واقع الأمر تسلسلًا جينوميًّا تامًّا؛ إذ كان نحو 15% من تركيب الجينوم لا يزال في طي المجهول. فبالنظر إلى القيود التي تفرضها التكنولوجيا، وجد العلماء أنفسهم عاجزين عن فهْم الكيفية التي ترتبط بها بعض امتدادات الحمض النووي بعضها مع بعض، لا سيما تلك الامتدادات التي تضم عددًا كبيرًا من الأحرف المكرَّرة (أي الأزواج القاعدية). وبمضي الوقت، استطاع العلماء حلِّ شفرة هذا اللغز؛ إلا أن الجينوم البشري الأحدث - الذي اعتمده علماء الوراثة مرجعًا لهم منذ عام 2013 - لا تزال تعوزه نسبة 8% ليبلغ تسلسلُه درجة الاكتمال (انظر الشكل: "اكتمال الجينوم البشري").

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

وفي الآونة الأخيرة، تمكَّن الباحثون المشاركون في اتحاد "تيلومير-تو-تيلومير" Telomere-to-Telomere، ويُشار إليه اختصارًا باتحاد "تي تو تي" T2T، الذي يضم في عضويته 30 مؤسسة، من سد فجوات الجينوم البشري. ففي المسوَّدة البحثية التي صدرت في السابع والعشرين من مايو الماضي تحت عنوان: "التسلسل الكامل لجينوم بشري"، أفادَتْ كارين ميجا، باحثة علم الجينات بجامعة كاليفورنيا في مدينة سانتا كروز، وزملاؤها بأنهم قد تمكنوا من استيفاء تسلسل الجزء المتبقي من الجينوم، عبر اكتشافهم نحو 115 جينًا جديدًا، وأن هذه الجينات هي المسؤولة عن ترميز بروتينات يبلغ عددها الإجمالي 19,969 بروتينًا (S. Nurk et al. Preprint at bioRxiv https://doi.org/gj8jk3; 2021).

وتقول كيم برويت، إخصائية تكنولوجيا المعلومات الحيوية في "المركز الوطني الأمريكي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية"، ومقره مدينة بيثيسدا بولاية ميريلاند: "إنه لمِن المثير أن نعثر على حلول لبعض جوانب المشكلة"، وأضافت أن النتيجة التي توصلوا إليها تُعَد "إنجازًا كبيرًا".

وهذا الجينوم الذي وُضع تسلسله حديثًا، ويُطلَق عليه اسم "T2T-CHM13"، يضيف ما يقارب 200 مليون زوجٍ قاعدي إلى تسلسل الجينوم البشري الذي حُدِّد في عام 2013.

وبدلًا من أخذ الحمض النووي من شخص حي، اعتمد العلماء هذه المرة على خط خلويٍّ مأخوذ من "رحى عدارية" كاملة، وهو نوع من الأنسجة يتكون في الجسم البشري عند تلقيح الحيوان المنوي بويضة لا نواة لها، فتنتُج عن ذلك خلية تحتوي على كروموسومات من الأب وحده، وهو ما يوفر على العلماء مشقة التفرقة بين مجموعتين من الكروموسومات من شخصين مختلفين.

تقول ميجا إن هذا الإنجاز لم يكن ليرى النور لولا تقنية تحديد تسلسل الحمض النووي الحديثة، التي ابتكرتها شركة العلوم الحيوية "باسيفيك بيوساينسز" Pacific Biosciences، الكائنة في مدينة مينلو بارت بولاية كاليفورنيا؛ وهي تقنية تقوم على الاستعانة بأشعة الليزر في مسح الامتدادات الطويلة للحمض النووي المستخلص من الخلايا، بمعدل يصل إلى نحو عشرين ألفًا من الأزواج القاعدية في المرة الواحدة. أما الطُرُق التقليدية لتحديد التسلسل الجينومي، فتقوم على قراءة تسلسل الحمض النووي في أجزاءٍ يضمُّ الواحد منها بضع مئات فقط من الأزواج القاعدية في المرة الواحدة. ويشَبِّه الباحثون تلك الامتدادات بقِطَع الأحجية؛ فالقِطَع الأكبر حجمًا يسهُل تجميعها، نظرًا إلى احتوائها في أغلب الأحيان على تسلسُلات متداخلة فيما بينها.

على أنَّ جينوم T2T-CHM13 لا يُعَد نهاية المطاف في مضمار دراسات الجينوم البشري. فقد واجه العلماء صعوباتٍ في التعامل مع بعض المناطق، وأشار الفريق إلى احتمال وجود أخطاء في حوالي 0.3% من الجينوم. صحيحٌ أنه أصبح لدينا جينوم خالٍ من الفجوات، إلا أن ميجا تقول إن عمليات مراقبة الجودة في تلك المناطق الجينومية كانت على درجة عالية من الصعوبة. كما أن الخلية المنوية التي كونت نسيج "الرحي العدارية" احتوَتْ على الكروموسوم X، ما يعني أنَّ العلماء لم يحددوا بعدُ التسلسل الجينومي للكروموسوم Y، المسؤول عن تكوُّن الذكور.

يُذكَر أن جينوم T2T-CHM13 يمثل جينوم شخص واحد فحسب. وقد تعاونت على وضعه رابطة "تي تو تي" مع "الجمعية المرجعية للجينوم البشري" Human Pangenome Reference Consortium، لتكوِّنا معًا فريقًا جعل غايته تحديد تسلسل الحمض النووي في أكثر من 300 جينوم لأشخاص من شتى بقاع العالم على مدار الأعوام الثلاثة المقبلة. وفي هذا الشأن، تقول ميجا إن فِرَق الباحثين سيكون بمقدورها الاستناد إلى جينوم T2T-CHM13 بوصفه مرجعًا يُعينها على فهْم أي أجزاء الجينوم تبدو مختلفة من فردٍ لآخر. وفضلًا عن ذلك، يعتزم العلماء تحديد التسلسل الكامل لجينوم يحتوي على كروموسومات من الأبوين معًا. وفي هذا الصدد، يسعى فريق الباحثين الذي ترأسه ميجا منذ حينٍ إلى وضع التسلسل الجينومي الخاص بالكروموسوم X، مستعينًا بالطرق الجديدة ذاتها، في محاولة لسد ما تبقَّى من فجوات.    

وتتوقع ميجا أن يتوصل باحثو علم الجينات سريعًا إلى الكشف عما إذا كان للمناطق الجينومية التي أمكن تحديد تسلسلها حديثًا، وما تضمُّ من جينات محتملة، صلةٌ بالأمراض البشرية، فتقول: "عندما أزيح الستار عن الجينوم البشري، لم تكن لدينا الأدوات المناسبة التي يمكننا الاعتماد عليها". أما الآن، فيُفترض أن نحصل على المعلومات المتعلقة بوظائف الجينات المكتشَفة حديثًا على نحوٍ أسرع بكثير مما كان في الماضي؛ أخذًا في الاعتبار "الكمَّ الهائل من الموارد التي أصبحت في حوزتنا"، على حد قول ميجا.

وتأمل ميجا في أن تشمل عمليات تحديد التسلسل الجينومي في المستقبل الجينوم البشري بجميع أجزائه، ومنها الأجزاء المكتشَفة حديثًا، ولا تقتصر على الأجزاء التي تسهل قراءتها؛ وهو أمر أصبح الآن – بعد اكتمال الجينوم المرجعي – أيسر مما كان عليه من ذي قبل. وتقول: "علينا أن نصل إلى مستوًى جديد في علم الجينات، لا يكون فيه وضْعُ التسلسل الكامل للجينوم أمرًا استثنائيًّا، بل مألوفًا ومعتادًا".