رؤية كونية

لماذا تحتاج التوجيهات الخاصة بزراعة الخلايا الجذعية إلى تحديث؟

معايير جديدة تهدف إلى طمأنة الجماهير، بهدف السماح بإحراز تقدم في هذا المجال البحثي المثير للخلاف والجدل.

روبن لوفيل بادج
  • Published online:

SOPHIA MCCULLY

على مدى السنوات الخمس الماضية، واصل الباحثون بحوث استزراع الأجنة البشرية لفترات أطول مما كان يُعتقَد أنه ممكن في السابق، ونجحوا في زراعة خلايا جذعية تشكِّل بِنى تحاكي تركيب الأجنة والأعضاء بدقة غير مسبوقة. ولعل الأكثر إثارة للدهشة هو النجاح المُحرَز في تكوين خيمرات هجينة تجمع بين الأنسجة الحيوانية والبشرية، عن طريق حقْن خلايا من أحد الأنواع داخل جنين من نوع آخر في طور مبكر من نموه. وهو ما قد يتيح - على سبيل المثال - لخنزير إنتاج قلب بشري. وتشمل تقنيات الاستزراع الأخرى تلك المستخدمة لإنتاج البويضات والحيوانات المنوية من الخلايا الجذعية، وتقنيات تحرير الجينوم البشري، واستبدال العضيات. ويمكن أن تسهم هذه الأساليب يومًا ما في علاج الأمراض البشرية، أو تلافيها، وقد بدأت بالفعل في تحسين فهمنا للعمليات البيولوجية.

ويجد البعض تلك التطورات العلمية مخيفة ومزعجة، ويطرح أسئلة معقدة حول الأخلاقيات والمعتقدات والأعراف والقيم التي تحركها. ولذا، يرغب معظم العلماء في إرساء حدود واضحة، تحدد أي التجارب يُعَد مقبولًا، سواء قانونيًّا أَم مجتمعيًّا. ويحتاج عموم الأفراد إلى تبديد مخاوفهم في هذا الصدد. ولهذا السبب، عمدت الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية (ISSCR) إلى تحديث توجيهاتها في هذا الشأن، لتعكس ما توصل إليه العلم حاليًّا. وتُرسي هذه التوجيهات معايير يحتكم إليها الباحثون، وواضعو السياسات، وجهات التمويل، والدوريات، وغير ذلك من الأطراف القائمة على مراجعة الأبحاث.

وتُعَد هذه المبادئ التوجيهية المُحدَّثة، التي نُشِرت في الأسبوع الأخير من شهر مايو الماضي، نتاج جهود فريق العمل الذي رأستُه، الذي تألف من 45 خبيرًا دوليًّا، منهم علماء، وأطباء إكلينيكيون، ومتخصصون في مجال الأخلاق، ومحامون، ومتخصصون في وضع السياسات. وعلى مدار أكثر من 18 شهرًا، وفي ما يزيد على مائة مكالمة عبر تطبيق "زووم" Zoom ، تباحثنا حول استطلاعات الرأي، ومشروعات إشراك الجمهور في هذا الشأن، ثم خضعت المبادئ التوجيهية سالفة الذكر لمراجعة أقران، اضطلعت بها مجموعة مماثلة من الخبراء.

ما هي التغييرات التي أوصينا بها؟ لعل أبرزها هو تخفيف صرامة "قاعدة فترة الأربعة عشر يومًا"، التي تقضي بعدم تجاوُز استنبات الأجنة البشرية السليمة في المختبرات لهذه الفترة، التي جرى إقرارها في قوانين عشرات البلدان، بما في ذلك المملكة المتحدة وأستراليا. وبموجب هذه القاعدة، يجب تدمير الأجنة بعد هذه الفترة، التي تسبق بوقت قصير المرحلة التي تظهر فيها أولى علامات تكوُّن الجهاز العصبي المركزي (تظهر الخلايا العصبية الأولى في اليوم الثاني والأربعين من حياة الجنين).

وعندما اقتُرِحت هذه القاعدة قبل حوالي 40 عامًا، لم يكن بالإمكان استزراع الأجنة البشرية لمدة تربو كثيرًا على خمسة أيام. واليوم تقف هذه القاعدة عائقًا يحول دون دراسة فترة حرجة من حياة الأجنة، تتراوح بين 14 و28 يومًا من عمر الجنين، وفيها يجري تأسيس بدايات الأنسجة الجنينية. ويُعتقد أن العمليات البيولوجية التي تنحرف عن مسارها الصحيح خلال هذه الفترة تسبب الإجهاض المتكرر، والتشوهات الخلقية، مثل تلك التي تصيب القلب والعمود الفقري.

ويمكن للباحثين أيضًا استخدام الخلايا الجذعية لاستنبات بِنى تشبه الأجنة إلى حد مذهل. وهذه "النماذج الجنينية"، من شبه المؤكد أنها لن تتطور بشكل طبيعي إذا جرى استزراعها في رحم. ومن هنا، تحظر توجيهاتنا بالفعل استزراعها في الأرحام. ومع ذلك.، فمن شأنها أيضًا أن تُطْلِعنا على معلومات عن الفترة التي تتراوح ما بين أربعة عشر يومًا، وثمانية وعشرين يومًا من نشوء الجنين. وتُعَد مقارنتها بالأجنة البشرية الفعلية الطريقة المُثلى لتقييم ملاءمتها للاستخدام، وفائدتها في التجارب التي قد تتطلب أجنة. فما يتكشف لنا منها، مثل آلية إنتاج الأمشاج مخبريًّا، قد يعالج الإجهاض والعقم، ويمكن استخدامه لتقييم تقنيات معينة، مثل تحرير الجينوم البشري الوراثي، لتجنب الأمراض الوراثية.

وإلى وقتنا هذا، خدمت قاعدة فترة الأربعة عشر يومًا العِلْم جيدًا؛ إذ سمحت للبحوث الضرورية من أجل نفع العديد من تقنيات المساعدة على الحمل بأنْ تمضي قدمًا، في مواجهة معارضة قوية، لا سيما من الجماعات الدينية. وحتى العلماء ممن ارتأوا جدوى التجارب التي تتجاوز فترة الأربعة عشر يومًا، واعتبروا هذا الحد الزمني تعسفيًّا، رفضوا تجاهُل وضْع حل وسط عملي، جرى التوصل إليه بمشاركة جماهيرية.

"يُعَد ذلك النوع من الإشراف على أنشطة الاستزراع هذه أكثر تعقيدًا، لكنه أكثر نفعًا".

وقد تَمثَّل الحل الذي قدمَتْه الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية في إقرار وجود ضرورة لمراجعة المقترحات البحثية بدراسة الأجنة بعد 14 يومًا من استنباتها، ووجود حاجة إلى اعتماد مثل هذه المقترحات. (وتختلف إجراءات اعتمادها، سواء بصدور الموافقة عليها من الجمعية، أَم من هيئة وطنية ما، حسب الدولة؛ إذ يجب أن تضم هذه الهيئات كافة ممثلين من المتخصصين وعموم الأفراد). والأهم من ذلك، أن النظر في هذه المقترحات يجب أن يكون على أساس كل حالة على حدة، بمعنى تَقَصّي ما إذا كان البحث مبررًا من حيث أهمية المعلومات التي يقدمها، أم لا، وما إذا كانت ثمة طرق بديلة للحصول على هذه المعلومات، أَم لا، وما إلى ذلك. وكلما زاد عدد الأجنة المزمع استخدامها، أو طالت مدة استزراعها، كانت المعايير في هذا الشأن أكثر صرامة.

وتتطلب الموافقة على هذه المقترحات البحثية قبل مَنْحها دعمًا جماهيريًّا كافيًا، ويجب النظر في منحها بالاحتكام إلى بعض المقاييس الكمية. وعلى سبيل المثال، من خلال أدوات (مثل استطلاعات الرأي)، بالإضافة إلى استخدام مقاييس نوعية (باللجوء إلى لجان المواطنين، على سبيل المثال). وسيتطلب العمل بهذه التوجيهات مشاركة جماهيرية واسعة النطاق، تنطوي على النظر في قضايا العدل العام، فضلًا عن بحث ما إذا كانت هذه التجارب تُعَد استخدامًا ملائمًا للموارد المحدودة المتاحة في هذا السياق، أم لا.

وجدير بالذكر أنه في المبادئ التوجيهية السابقة، أقرّت الجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية ثلاث فئات واسعة النطاق من التجارب، ألا وهي: التجارب المحظورة، وتلك المسموح بها تحت مراجعة وإشراف متخصص، والمسموحة بوجه عام. والآن، نؤسس - بالإضافة إلى ذلك - لوجود بعض الفوارق الطفيفة بين هذه الفئات، فنقترح حظر أنواع معينة من الأبحاث، مثل تلك التي تسمح للحيوانات ذات الأمشاج البشرية بالتكاثر، لأنها باعثة على القلق من الناحية الأخلاقية، أو تفتقر إلى المنطق العلمي المقنع، أو كليهما. أما بعض أنواع الأبحاث الأخرى، (مثل تعديل الجينوم البشري المتوارث)، فغير مسموح بها الآن، لكنْ قد يُسمح بها يومًا ما مع توفر أدلة حول أمانها، وفعاليتها، واكتسابها دعمًا جماهيريًّا.

ولا تشجع المبادئ التوجيهية الترويج المبكر للعلاجات القائمة على الخلايا الجذعية، وتقترح طرقًا للحدّ من أنشطة العيادات التي تنتهج ممارسات الاحتيال، وتُقدِّم علاجات غير مختبَرة وغير آمنة، دون أساس علمي.

ويُعَد ذلك النوع من الإشراف على أنشطة الاستزراع هذه أكثر تعقيدًا، لكنه أكثر نفعًا. فالحظر الشامل المنصوص عليه في القوانين يثير الإعجاب ببساطته. ومع ذلك، فهو يضير بعموم الأفراد، إذ إنه يميل إلى التأثر بالعقائد والغرائز أكثر مما يميل إلى التأثر بالأدلة. ويمكن للمبادئ التوجيهية الصادرة عن الجمعيات العلمية الدولية أن تضطلع بدور ريادي في طمأنة العلماء والجمهور.

روبن لوفيل بادج

عالِم متخصص في بيولوجيا الخلايا الجذعية والأحياء النمائية، من معهد فرانسيس كريك في لندن.

البريد الإلكتروني: robin.lovell- Badge@crick.ac.uk