أخبار

انقسام حول فرضية تسرُّب فيروس كورونا من مختبر في ووهان

يرى بعض العلماء أن الادعاءات المثارة حول تسرب فيروس "سارس-كوف-2" من أحد المختبرات الصينية تعرقل جهود التعاون المبذولة لصد الجائحة، وتؤجج حملات التنمُّر على شبكة الإنترنت.

إيمي ماكسمِن

  • Published online:
قوات الأمن الصينية تطوِّق معهد  ووهان لأبحاث الفيروسات، الذي يظن البعض أنه مصدر فيروس "سارس-كوف-2".

قوات الأمن الصينية تطوِّق معهد  ووهان لأبحاث الفيروسات، الذي يظن البعض أنه مصدر فيروس "سارس-كوف-2".

Thomas Peter/Reuters/Alamy

تصاعدَتْ في الولايات المتحدة الأمريكية الدعوات المطالِبة بإخضاع المختبرات الصينية للتحقيق، على خلفية الادعاء الذي تبناه قادة الحزب الجمهوري، ومُفاده أن فيروس كورونا، المسبِّب لتفشي الجائحة الحالية، قد تسرَّب من أحد تلك المختبرات. وبينما يرى فريق من العلماء أن التثبت من صحة هذا الادعاء يتطلب فتح تحقيق دقيق ومستقلٍ، يذهب كثيرٌ من الباحثين إلى أن تصاعُد وتيرة المطالبات قد يُفضي إلى حالة من القلق وعدم الاستقرار، وأنَّ الاضطراب الناجم عن هذا الجدال يقف حائلًا دون مواصلة الجهود الرامية إلى دراسة منشأ الفيروس.

ويحذر الباحثون العاملون في مجال الصحة العالمية مما قد تسببه تلك المطالبات المحتدمة من تفاقم التوتر القائم بين الولايات المتحدة والصين، قُبيل انعقاد عددٍ من الاجتماعات بالغة الأهمية، التي يُنتظر أن يتخذ فيها قادة العالم قرارات مفصلية حول طرق كبح الجائحة الراهنة، وسُبُل الاستعداد لمواجهة حالات الطوارئ الصحية في المستقبل. ومن شأن تصدُّع العلاقات بين الولايات المتحدة والصين أن يجعل توافق الآراء حول هذه القضايا أمرًا بعيد المنال، على حد قول ديفيد فيدلر، الباحث في مجال الصحة العالمية بمجلس العلاقات الخارجية، وهو مركز أبحاث يقع في العاصمة الأمريكية واشنطن. ويقول: "إذا خفَّت حدة الخلافات الجيوسياسية بين هاتين القوتين العظميَيْن، فربما يتسنَّى لنا المُضي قدمًا نحو إنجاز ما ينبغي إنجازه".

وهناك مَن ينظر بعين القلق إلى انتشار مزاعم تسرب الفيروس على نحوٍ يُنذر بعواقب وخيمة، فقد أجَّجت نيران التنمُّر عبر مواقع الإنترنت ضد العلماء الآسيويين بالولايات المتحدة، وأطلقَت حملة كراهية ضد الباحثين والسلطات الصينية، التي نحن أحوَج ما نكون إلى التعاون معها.

والحقُّ أن الجدل المُثار حول فرضية تسرب الفيروس من أحد المختبرات ليس وليد اللحظة، فقد سُمعَتْ له أصداء منذ العام الماضي، إلا أنه اشتدَّ خلال الشهر الماضي، رغم غياب البراهين التي تؤيد صحة هذه الفرضية. وفي الرابع عشر من مايو الماضي، نشر ثمانية عشر باحثًا خطابًا في دورية "ساينس" Science1، قالوا فيه إن ما يُثار من أقاويل حول تسرب فيروس "سارس-كوف-2" من أحد المختبرات الصينية يتعين إخضاعه لمستوًى أعمق من الفحص والتمحيص (J. D. Bloom et al. Science 372, 694; 2021). وأشار الخطاب إلى أن المرحلة الأولى من التحقيقات التي أجريت عن منشأ جائحة "كوفيد-19" برعاية منظمة الصحة العالمية، وأودِعَتْ في تقرير أصدرته المنظمة في شهر مارس الماضي، قد سلطت اهتمامًا أكبر على فكرة انتقال الفيروس إلى البشر من حيوان، ولم تُولِ القدر نفسه من الاهتمام إلى إمكانية تسرُّبه من أحد المختبرات. ويرى كثير من علماء الفيروسات أن هذا الاهتمام المُنصبَّ على فكرة انتقال الفيروس من أحد الحيوانات له ما يبرره؛ فغالبية الأمراض المُعدية التي ظهرَتْ حديثًا تعود أسبابها إلى عوامل طبيعية، كما هو الحال مع فيروس نقص المناعة البشرية، وفيروس زيكا، وفيروس إيبولا. كما أن هناك أدلة جينومية على أن فيروسًا شبيهًا بفيروس "سارس-كوف-2" يعود منشؤه إلى "خفاش حدوة الفرس" Rhinolophus، قبل انتقاله إلى حيوان غير معروف، الذي مرَّر الفيروس بدوره إلى البشر.

انتهي التحقيق إلى أن القول الأرجح في نشأة الفيروس هو انتقاله إلى البشر من أحد الحيوانات، وليس تسرُّبه من أحد المختبرات. إلا أنه، منذ ذلك الحين، أطلق سياسيون وصحفيون ومقدمو برامج حوارية، فضلًا عن نَفَرٍ من العلماء، ادعاءاتٍ لا تقوم على دليل، تقول بوجود صلة بين فيروس كورونا وبين معهد ووهان لأبحاث الفيروسات، الواقع في مدينة ووهان الصينية، التي شهدت اكتشاف أولى حالات الإصابة بفيروس "كوفيد-19". وذهب بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي، ومعهم بعض المنصات الإعلامية، إلى أبعد على ذلك، فادَّعوا أن الحكومة الصينية تتستر على واقعة تسرب الفيروس من المعهد. بل وتمادَوا في ذلك إلى حد القول بأن أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، متورط في الأمر، وليس لهم من دليل على ذلك إلا حصول معهد ووهان المذكور على تمويل من المعهد الذي يديره فاوتشي لإجراء عددٍ من الدراسات. قوبلَت هذه الاتهامات بالإنكار من قِبل فاوتشي والمتحدث باسم معهد ووهان، اللذَين أكّدا أنهما لم يسمعا بالفيروس حتى وقت استخلاصه من المرضى في أواخر ديسمبر من عام 20192.

خلافٌ بين العلماء                 

تقول أنجيلا راسموسن، عالمة الفيروسات في جامعة ساسكاتشوان، في مدينة ساسكاتون بكندا، إنه حتى إذا افتُرض أن الخطاب المنشور في دورية "ساينس" إنما صدر عن نية حسنة، ولأغراضٍ نبيلة، كان ينبغي على المشاركين فيه أن يتفكروا مليًا في تبِعاته على حالة الانقسام السياسي المحيطة بهذه القضية.

أما ديفيد ريلمان، عالم الأحياء الدقيقة بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، والمحرر الرئيس للخطاب، فيرى أن إعرابه عن رأيه في هذه القضية أمر من الأهمية بمكان، ويقول إنه لا يملك منع الآخرين من إساءة تفسير رأيه، مضيفًا: "إنني لا أقول إنني أؤمن بأن الفيروس قد خرج من مختبر"؛ كلُّ ما هنالك، حسب رأيه، أن نتائج تقرير التحقيق الذي أجرته منظمة الصحة العالمية خرج بنتائج مُفرطة في قطعيَّتها. وزاد على ذلك بقوله إنه كان حريًّا بالباحثين أن ينتهوا إلى أن فرضية المنشأ الطبيعي للفيروس تبدو "مقبولة"، بدلًا من التأكيد على أنها الفرضية "الأرجح". وكان عليهم، وفقًا لريلمان، أن يشيروا إلى أنهم لم يحصلوا على ما يكفي من المعلومات التي تمكنهم من التوصل إلى نتيجة بشأن مسألة التسرب، بعدما تفقَّد المحققون معهد ووهان، ووجَّهوا أسئلتهم إلى الباحثين هناك، إلا أنهم لم يُمكَّنوا من الحصول على بيانات أولية. 

في يناير الماضي، زار فريق من منظمة الصحة العالمية أحد أسواق ووهان.

 في يناير الماضي، زار فريق من منظمة الصحة العالمية أحد أسواق ووهان. 

Hector Retamal/AFP/Getty

لا يُغفِل خطاب دورية "ساينس" تعرُّض الأشخاص ذوي الأصول الآسيوية للإيذاء والمضايقات مِن قِبل مَن يُلقُون بلائمة جائحة "كوفيد-19" على الصين، بل وذَكَر كيف أن هؤلاء الأشخاص يسعون إلى تحاشِي هذه المضايقات. ومع ذلك، ارتأى بعضٌ من أشد مناصري فرضية تسرُّب الفيروس أن المقالَ جاء مؤيدًا لأفكارهم. فعلى سبيل المثال، نشر عالِم أعصاب – ينتمي إلى مجموعة تزعم أنها تبحث في أصول "كوفيد-19" بحثًا مستقلًا – تغريدةً قال فيها إن الخطاب إنما هو نسخة مخفَّفة من الأفكار التي نشرَتْها مجموعته عبر الإنترنت في العام الماضي. ولم ينقضِ ذلك الأسبوع نفسه حتى وجَّه عالم الأعصاب هذا نقدًا لاذعًا عبر تويتر إلى راسموسن، إثر محاولتها شرح عدد من الدراسات التي تذهب إلى أن نشأة الفيروس إنما تعود إلى عوامل طبيعية؛ فعيَّرها بالسمنة، ثم أتبع ذلك بتعليق مسيء آخر، يحوي ألفاظًا نابية. تقول راسموسن: "لقد مضى بنا هذا الجدل بعيدًا عن مضمار البحث عن أدلة علمية سليمة، حتى بتُّ أشك في قدرتنا على إعادته إلى جادَّة الصواب".

أما ريلمان، الذي أعرب عن أسفه لما تعرض له أقرانه من الباحثين، فلا يزال متمسكًا بموقفه.

يُذكَر أن المطالبات بالتحقيق في قضية تسرب الفيروس من أحد المختبرات قد اكتسبَتْ زخمًا إضافيًا بالتزامن مع انعقاد "جمعية الصحة العالمية" في الرابع والعشرين من مايو الماضي. وطالبت الولايات المتحدة منظمة الصحة العالمية بأن تشرع في مرحلة ثانية من البحث في نشأة الفيروس، على أن "تتسم بالشفافية، وترتكز على أسس علمية". كما أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن أنه طلب من دوائر الاستخبارات الأمريكية، بالإضافة إلى مختبراتها الوطنية، "دفع الصين إلى الانخراط" في إجراء تحقيق حول هذه القضية. وفي الوقت الراهن، تدرس منظمة الصحة العالمية، التي لا تملك صلاحية فتح تحقيق على أرض الصين دون الحصول على تصريح منها، المُقترحات الخاصة بالمرحلة التالية من دراسة أصول نشأة الفيروس.

لقد مضى بنا هذا الجدل بعيدًا عن مضمار البحث عن أدلة علمية سليمة، حتى بتُّ أشك في قدرتنا على إعادته إلى جادَّة الصواب.

 

وفي الأثناء، تجدَّد الاهتمام بفرضية تسرب الفيروس من أحد المختبرات على واجهات الصحف الأمريكية، كما دلَّت على ذلك العناوين، وكان لكثير منها صلة بمقالين نُشرا بصحيفة "ذا وول ستريت جورنال" The Wall Street Journal. أشار أحدهما إلى وثيقة لم يُفصَح عنها، مصدرُها مسؤول بإدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، رفض الإفصاح عن اسمه، وَرَد فيها أن ثلاثةً من باحثي معهد ووهان قد أصيبوا بالمرض في نوفمبر من عام 2019. أما المقال الثاني، فأشار إلى أن السلطات الصينية منعت أحد الصحفيين من دخول منجَم مهجور، تعافي فيه باحثو معهد ووهان عقب إصابتهم بفيروسات تاجية انتقلت إليهم من الخفافيش في عام 2012، رغم تأكيد الباحثين مرارًا وتكرارًا أن فيروس "سارس-كوف-2" لم يكن من تلك الفيروسات. وردًّا على جريدة "ذا وول ستريت جورنال"، صرَّحت وزارة الخارجية الصينية قائلة: "إن الولايات المتحدة لا تنفكُّ تُطلِق مزاعم لا أساس لها، جاعلةً كلَّ همها فتح تحقيق في مختبرات ووهان".

يرى كريستيان آندرسون، عالم الفيروسات في معهد سكريبس للأبحاث في ضاحية لاهويا بولاية كاليفورنيا، أنه ليس ثمة دليل قوي تستند إليه فرضية تسرب الفيروس من مختبر. وأعرب عن قلقه إزاء تلك المطالبات العدائية، التي يخشى أن تأتي بنتائج عكسية، بالنظر إلى أنها غالبًا ما تُصاغ على هيئة اتهامات، ما قد يدفع العلماء والمسؤولين الصينيين إلى الإحجام عن مشاركة المعلومات. ومن جهة أخرى، نجد أن عددًا من علماء الفيروسات يخشون أن تُفضي هذه التوترات إلى إحكام السلطات الصينية الرقابة على المِنَح الأمريكية الموجَّهة إلى تمويل المشروعات البحثية في الصين، ويستشهدون في هذا الصدد بما وقع لمشروع بحثي حول فيروس كورونا كانت تديره منظمة أمريكية غير هادفة للربح بالتعاون مع معهد ووهان لأبحاث الفيروسات، توقَّف العام الماضي فجأة، إثر سحب معاهد الصحة الوطنية الأمريكية تمويلها للمشروع.

تشتيت الجهود الدبلوماسية

ثمة أمورٌ أجدَر بالاهتمام، وأثقل في ميزان الأهمية من الوقوف على منشأ فيروس كورونا. يشدد محللو السياسات الصحية العالمية على أهمية تعاون الدول من أجل كبح هذه الجائحة، وتهيئة العالم لصد جوائح أخرى قد تظهر مستقبلًا. ويُشيرون إلى حزمة إجراءات يتعين اتخاذها في هذا المضمار، تشمل التوسع في توزيع اللقاحات، وإصلاح قواعد الأمن البيولوجي، ومنها معايير الإبلاغ عن بيانات مراقبة الفيروسات. غير أن هذه التدابير تستلزم توافقًا كبيرًا بين الدول النافذة، على حد قول أماندا جلاسمان، خبيرة الصحة العالمية بمركز التنمية العالمية في واشنطن العاصمة، التي أضافَتْ قائلة: "علينا أن نأخذ في الحسبان الصورة الأشمل، وأن نوجِّه اهتمامنا إلى الدوافع التي من شأنها أن تبلّغنا الوجهة المنشودة، أما التعامل الذي يقوم على المناوءة والمناطحة فلن يزيد الأمور إلا سوءًا".

ويصدِّق فيدلر على كلامها، حيث يرى أن تصاعد وتيرة المطالبات والاتهامات ستُحدث صدعًا في العلاقات الجيوسياسية، في وقتٍ تشتد فيه الحاجة إلى التآزر والتضامن، ويقول: "لقد دأبَتْ الولايات المتحدة على إثارة حفيظة الصين بتركيزها على قضية التحقيقات تلك". وحتى إذا ما تيسَّر المضي قدمًا في إجراء تلك التحقيقات، لا يتوقع فيدلر أنها ستكشف عن تلك المعلومات الأكيدة التي يسعى إليها العلماء؛ فالأسباب الكامنة وراء تفشي وباء إيبولا، على سبيل المثال، ما زال يلفُّها الغموض، وقد قضى الباحثون أربعة عشر عامًا من البحث حتى توصلوا إلى دليلٍ على أن مرض المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس)، الذي تفشى خلال الفترة الممتدة بين عامَي 2002 و2004، يُعزَى إلى فيروس انتقل من الخفافيش إلى حيوان الكيفت، ومن الأخير إلى البشر.

لذا، يرى فيدلر أنه على ضوء تلك الضرورة المُلحّة لوضع سياسات للأمن البيولوجي، يتعين على الولايات المتحدة أن تركز جهودها على تعزيز الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى مكافحة الجائحة، عبر عقد لقاءات بين السفيرين الأمريكي والصيني، على نحو ما حدث في مناقشات تغير المناخ التي عقدت في إبريل الماضي. ويقول فيدلر: "ألا يجدُر بنا التقدُّم لفعل شيء يجعلنا أكثر استعدادًا للجائحة القادمة، بعدما رأينا من ويلات الجائحة الراهنة؟".

References

  1. Bloom, J. D. et al. Science 372, 694 (2021). | article
  2. Wu, F. et al. Nature 579, 265–269 (2020). | article