تحقيق إخباري

دراسات السلوك الإنساني تشهد تحولًا بسبب جائحة «كوفيد-19»

تُلَقِننا جائحة "كوفيد-19" دروسًا مهمة حول كيفية التصدي للأزمات والمعلومات المضللة، فضلًا عن دورها في تحفيز الباحثين على تبني طرق جديدة في دراسة القضايا المتعلقة بالصحة العامة.

كريستي أشواندِن

  • Published online:
تلعب الهوية الوطنية دورًا في تحديد مدى استعداد الأفراد لدعم سياسات متعلقة بالصحة العامة، مثل ارتداء الكمامات.

تلعب الهوية الوطنية دورًا في تحديد مدى استعداد الأفراد لدعم سياسات متعلقة بالصحة العامة، مثل ارتداء الكمامات.

Credit: Benoit Tessier/Reuters/Alamy

خلال الأشهر الأولى من جائحة "كوفيد-19"، كان جاي فان بافيل، اختصاصي علم النفْس من جامعة نيويورك، يسعى إلى الوقوف على العوامل الاجتماعية التي يمكن من خلالها التنبؤ، على أفضل وجه، بمدى دعم الأشخاص لتبني تدابير الصحة العامة، مثل التباعد الجسدي أو إغلاق المطاعم. وكان فان بافيل وقتها على اتصال بعدد محدود من الباحثين المشاركين الذين كانوا على استعداد لجمع بيانات في هذا الصدد من استطلاعات الرأي. غير أن تفشي الجائحة في كل مكان دَفَعَ فان بافيل إلى التساؤل عما إذا كان بإمكانه توسيع نطاق مشروعه، أم لا، وهو ما دَفَعَه بدوره للإقدام على ما لم يفعله في السابق.

نَشَرَ فان بافيل وصفًا للدراسة على موقع "تويتر" في شهر أبريل الماضي، داعيًا باحثين آخرين إلى الانضمام إليه. ويتذكر ما دار بذهنه ودفعه إلى ذلك حينئذ قائلًا: "ربما ينضم إليَّ عشرة أشخاص آخرين وأحصل على بعض البيانات الإضافية". بيد أنه تلقى استجابة فاقت كل توقعاته؛ إذ انضم 200 عَالِم من 67 دولة للمشاركة في هذا المسعى البحثي. وفي نهاية المطاف، تمكن هؤلاء الباحثون من جمع بيانات من استطلاع آراء أكثر من 46 ألف شخص. حول ذلك، يقول فان بافيل: "كان هذا تعاونًا بحثيًا ضخمًا". وأوضح فريق الباحثين أن الأشخاص الذين ذكروا أن الهوية الوطنية مهمة لهم كانوا – بوجه عام – أكثر ميلًا من غيرهم إلى دعم سياسات الصحة العامة1. إلا أن الدراسة لا تزال حاليًا في طور مُرَاجَعة الأقران.

وقد مثلت جائحة "كوفيد-19" للباحثين في مجال العلوم الاجتماعية فرصة فريدة من نوعها، وذلك كونها تجربة طبيعية، وليست معملية، "تمس الأفراد من الثقافات والشرائح الاجتماعية والاقتصادية كافة"، على حد وصف أندرياس أولسون، عَالِم النفْس من معهد كارولينسكا في ستوكهولم. إذ يواجه الجميع اليوم التهديدات نفسها تجاه صحتهم وسُبل عيشهم، وهو ما يعتقد أولسون أنه "يسمح لنا بدراسة الاختلافات في طرق استجابة الأفراد لهذا الوضع، باختلاف ثقافاتهم وفئاتهم الاجتماعية وما بينهم من فروق فردية". فعلى سبيل المثال، تمكن الباحثون في ضوء الجائحة من مقارنة سلوكيات الأفراد قبل حدوث تغييرات واسعة على مستوى السياسات، وبعدها، كما أصبحت دراسة ظاهرة تدفق المعلومات، والمعلومات المغلوطة، أسهل لهم من ذي قبل.

كما أدى تفشي الجائحة على ذلك النطاق العالمي إلى حشد تعاوُن غير مسبوق بين الفرق البحثية من شتى بقاع العالم. ففي ضوء تشارُك الباحثين للقدر الهائل نفسه من الاهتمام بسلوكيات الأفراد خلال الجائحة، يمكنهم اختبار صحة بعض الأفكار وسُبل التدخل المطروحة أمامهم على نحو أسرع من أي وقت مضى. كما أجبر ذلك الوضع العديد من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية على مواءمة طرقهم البحثية معه، في وقت أصبح فيه إجراء المقابلات الشخصية والتجارب المعملية شبه مستحيل. ويتوقع البعض أن طرق البحث المبتكرة التي نشأت على خلفية الجائحة ستستمر حتى بعد انتهاء الأزمة الحالية، بل وقد تسفر عن تغيير وجه المجال بشكل دائم.

يقول فان بافيل – على سبيل المثال – إنه في ظل هذه الطرق التي خضعت للتجربة والاختبار، أصبح تكوين فرق بحثية دولية أسهل بكثير. ويضيف فان بافيل قائلًا: "بعدما توفرت لدينا البنية التحتية المطلوبة للأبحاث وصرنا نتحلى بالخبرة، سيكون بمقدورنا تكرار ذلك في جميع المجالات".

الحوافز الاجتماعية المشجعة على التطعيمات

قبل دخول فان بافيل في ذلك التعاون البحثي الضخم، اجتمع هو ومجموعة تضم أكثر من 40 باحثًا للتخطيطللسُبل التي يمكن من خلالها الاستفادة من البحوث السلوكية في إرشاد جهود التصدي لفيروس "سارس-كوف-2" SARS-CoV-2وتحسينها، في وقت يشعر فيه الناس بالخوف والتشكك والضياع وسط طوفان من المعلومات. من هنا، هَمَّ الباحثون بالوقوف على ما نُشِرَ في ذلك المجال من أبحاث سابقة قد يكون من شأنها التأثير على وضع السياسات، ثم حددوا قائمة بالمشروعات البحثية التي يمكنهم تنفيذها على صعيد قضايا مثل المنظور الجماهيري لتهديدات الجائحة، واتخاذ القرارات لمواجهة هذه الأزمة وتوصيل العلوم2.

وقد تطلَّع كثير من الباحثين لأن يكون لأبحاثهم دور في فهم استجابة الجماهير لممارساتٍ مثل تدابير الإغلاق أو فرض ارتداء الكمامات. على سبيل المثال، بَيَّنَ فان بافيل وفريقه البحثي من خلال استطلاع رأي أجروه، وشارك فيه أكثر من 46 ألف شخص، أن معظم الدول التي أظهر سكانها دعمًا أكبر للتدابير الاحترازية كانت تذكي مشاعر الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي. ويصف فان بافيل هذا المناخ قائلًا: "إنه شعور بأننا جميعًا نخوض التجربة نفسها". وقد جاءت تلك النتيجة مخالفة إلى حد ما للتوقعات البديهية. فعلى الرغم من أن الدراسة أشارت إلى وجود ارتباط بين اعتناق المشاركين في الاستطلاع لفكر سياسي يميني وميلهم لمقاومة تدابير الصحة العامة، فإنها أظهرت، بوجه عام أيضًا، أن قوة التمسك بالهوية الوطنية كانت عاملًا ينبئ بدعم أكبر لمثل تلك التدابير. ويقول فان بافيل إن هذا يشير إلى إمكانية الاستفادة من مشاعر الهوية الوطنية في الترويج لسياسات الصحة العامة.

كما أظهرت أبحاث أخرى أن اختيار الشخص المسؤول عن بَثِّ رسائل الصحة العامة يُعد عاملًا مهمًا للغاية. وكان من بين تلك الأبحاث، دراسة3 نُشِرَت في شهر فبراير الماضي، أجرت استطلاع رأي لأكثر من 12 ألف شخص يقيمون في ست دول – هي البرازيل وإيطاليا وكوريا الجنوبية وإسبانيا وسويسرا والولايات المتحدة – بهدف تحديد مدى استعدادهم لنشر رسالة تُشَجِّعُ على التباعد الاجتماعي. وقد أُتيح للمشاركين اختيار شخص لدعم الرسالة، من بين الممثل الأمريكي توم هانكس، ونجمة المجتمع الشهيرة كيم كارداشيان، ومسؤول حكومي بارز من بلد المشاركين في الاستطلاع، وأنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني الأمريكي لأمراض الحساسية والأمراض المعدية الكائن في بيثيسدا بولاية ميريلاند. فكانت النتيجة أن المشاركين في الاستطلاع من جميع البلدان كانوا أكثر استعدادًا لنشر الرسالة عندما صدرت عن فاوتشي (وذلك على الرغم من أن فاوتشي قد أصبح شخصية مثيرة للجدل بالنسبة للبعض في الولايات المتحدة، حيث خضعت الجائحة لقدر كبير من التسييس). وبالمقارنة، وُجِد أن دعم المشاهير للرسالة غير فعال نسبيًا.

وتشير الأبحاث الأولية إلى أن مواءمة الرسالة بحيث تتفق مع قيم الجمهور، أو التأكيد على قبولها اجتماعيًا، قد يلعبان كذلك دورًا مؤثرًا. على سبيل المثال، تعمل ميشيل جيلفاند، عَالِمة النفْس من جامعة ميريلاند في كوليدج بارك، ضمن فريق بحثي يشرف على "منافسة بين سُبل التدخل" بهدف اكتشاف أساليب للترويج لارتداء الكمامات بين المحافظين والليبراليين في الولايات المتحدة.

صورة للوحة إعلانات بلندن شجعت الأفراد على اتباع إرشادات تدابير الإغلاق لمكافحة جائحة "كوفيد-19".

صورة للوحة إعلانات بلندن شجعت الأفراد على اتباع إرشادات تدابير الإغلاق لمكافحة جائحة "كوفيد-19".

Credit: May James/SOPA Images/Zuma

ويختبر الباحثون في تجربتهم فعالية ثمانية من سُبل التدخل، أو "الحوافز" كما يسمونها، وهي سُبل تعكس مجموعة من القيم الأخلاقية المختلفة، فضلًا عن عوامل أخرى ترتبط بأزمة "كوفيد-19". وتهدف التجربة إلى تحديد سُبل التدخل الأكثر فعالية في تحفيز المنتمين لكلا الفئتين السياسيتين على الالتزام بإرشادات الصحة العامة. فتؤكد واحدة من الرسائل التي يختبر الباحثون فعاليتها على أن ارتداء الكمامات سوف "يساعدنا على استئناف نشاطنا الاقتصادي بسرعة أكبر"، وهو نهج مُصَمَّم لمناشدة الجمهوريين الذين ينزعون بدرجة أكبر إلى التعامل مع الجائحة على أنها أزمة اقتصادية أكثر من كونها أزمة صحية. وثمة نهج آخر للتدخل، تعزز رسالتُه مبدأ تفادي الضرر، الذي يراه الليبراليون مهمًا لهم على حد قولهم. وتؤكد رسالة هذا المبدأ على أن ارتداء الكمامات "يحافظ على سلامة الأفراد".

حول ذلك، تقول جيلفاند: "نصنع منافسة بين هذه الحوافز لنرى أيها أكثر فعالية". والتصميم الذي يتبناه فريق جيلفاند في دراسته يتيح للفريق اختبار فعالية سُبل التدخل المتعددة في آن واحد، كما يمكن توظيفه على نطاق واسع يغطي العديد من المناطق الجغرافية، وهي ميزة تحولت إلى ضرورة في ظل الجائحة. وجدير بالذكر أن نتائج هذه الدراسة لم تُنشر بعد.

,وكانت مساع أخرى قد شرعت بالفعل في توظيف نهج مماثل بهدف التشجيع على التطعيم، وذلك حتى قبل توفُر أي من لقاحات فيروس "سارس-كوف-2". على سبيل المثال، كانت مبادرة "التغيير السلوكي النافع" Behavior Change For Good Initiative التي انبثقت من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا، تختبر فعالية حوافز مختلفة في تشجيع الجمهور على تلقي لقاح الإنفلونزا. إذ اختبرت كاثرين ميلكمان، الباحثة السلوكية من كلية وارتون بالجامعة، مع زملائها حوالي 20 استراتيجية لبَثِّ رسائل للتشجيع على تلقي هذا اللقاح، وقد شملت هذه الاستراتيجيات كل المساعي الممكنة، بداية من النكات، وصولًا إلى المناشدات المباشرة. وحول ذلك، تقول ميلكمان: "لاحظنا استراتيجيات ثبتت فعاليتها"؛ إذ اكتشف فريقها، على سبيل المثال، أن بث رسائل نصية للأفراد لإبلاغهم فيها بأن هناك لقاح إنفلونزا محجوزًا خصوصًا لهم أدى إلى زيادة معدلات التطعيم 5،4 .

وعلى الفور، سارع الباحثون الذين يسعون إلى رفع معدلات تلقي لقاحات "كوفيد-19" بالاستفادة من تلك النتائج؛ إذ حاول الباحثون من جامعة كاليفورنيا بلوس أنجيليس (UCLA) استعمال الاستراتيجية نفسها مع من يتلقون العلاجات ضمن نظام الجامعة الصحي خلال شهري فبراير ومارس6، وتقول ميلكمان إن الباحثين وجدوا أن الاستراتيجية "أثبتت فعّاليتها في تحفيز الجماهير على التطعيم ضد "كوفيد-19".

وفي مارس الماضي، تلقت ميلكمان بريدًا إلكترونيًا من ستيف مارتن، الرئيس التنفيذي لشركة استشارات العلوم السلوكية "إنفلوينس آت وورك" Influence at Work الكائنة بمدينة هاربِندِن بالمملكة المتحدة، يطلعها فيه على أن فريقه البحثي قد طبق ما توصلت إليه من نتائج في جزيرة جيرسي بالقناة الإنجليزية؛ حيث تبنى مارتن وزميلته ريبيكا شيرينجتون، المسؤولة المساعِدة بقطاع التمريض لدى حكومة جيرسي، رؤية ميلكمان القائلة بإن احتمالية إقبال شخص ما على تلقي اللقاح ترتفع كلما مُنح "شعورًا بامتلاكه لزمام الأمور"، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال إخبار المرء بأن "هذا اللقاح محجوز خصوصًا له"، على سبيل المثال. فيقول مارتن: "واجهنا مشكلة حقيقية في إقناع موظفي دور الرعاية، وخاصة الشابات لأن كثيرًا منهن ساورتهن شكوك بشأن اللقاح"، لكن باستخدام مقاربة ميلكمان ومقاربات أخرى 

(كتلك القائلة بأهمية حسن اختيار هوية من يبث رسالة التشجيع على تلقي اللقاح)، تمكن برنامج مارتن من رفع معدل تلقي اللقاحات ليصل إلى 93% بين موظفي دور الرعاية في جيرسي، مقارنة بنسبة قوامها حوالي 80% في مقاطعات أخرى.

بحوث مكافحة الاستقطاب

تساعد تقنيات مثل التَتَبُع الجغرافي الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية على رصد الطريقة التي يتصرف بها الأفراد في الواقع، وليس الطريقة التي يزعمون أنهم يتصرفون بها فحسب. وقد كشفت جهود التصدي لجائحة "كوفيد-19" عن انقسام كبير بين الصفوف السياسية في الاستجابة للأزمة في العديد من الأماكن، ونظرًا إلى أن الكثير من الأفراد يملك هواتف ذكية مزودة بأجهزة تعقب تعمل بتقنية نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، فقد أصبح بإمكان الباحثين تحديد إلى أي مدى ينعكس الانحياز السياسي للفرد على سلوكه خلال الجائحة.

وقد عكف فان بافيل وزملاؤه على تحليل بيانات تَتَبُع جغرافي وردت يوميًا من 15 مليون هاتف ذكي، وذلك بهدف النظر في العلاقات بين أنماط التصويت في الولايات المتحدة ومدى الالتزام بالتوصيات المتعلقة بالصحة العامة7. وتوصل الفريق إلى أن سكان المناطق التي صوتت للمرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، على سبيل المثال، كانوا أقل حرصًا على ممارسات التباعد الجسدي في الفترة بين مارس ومايو من عام 2020، وذلك بنسبة بلغت 14% مقارنة بساكني المناطق التي صوتت للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون. ووجدت الدراسة أيضًا ارتباطًا بين استهلاك الأخبار المنشورة عبر قنوات ذات تَوجه مُحافظ وضعف الحرص على ممارسات التباعد الجسدي. كما وجدت أن الاختلافات الحزبية حول الالتزام بالتباعد الجسدي تزايدت بمرور الوقت.

"لدينا الآن كم أكبر بكثير من البيانات التي يمكننا من خلالها قياس الآليات الاجتماعية"

ويقول والتر كواتروتشوكي، عَالِم البيانات من جامعة كافوسكاري في فينيسا، بإيطاليا: إن الإمكانيات البحثية التي أتاحها التَتَبُع الجغرافي "تفوق الخيال". ويردِف قائلًا: "لدينا الآن كمٌّ أكبر بكثير من البيانات التي يمكننا من خلالها قياس الآليات الاجتماعية"، وقد فتحت الجائحة مجالًا لتوظيف هذه البيانات.

وقد استخدم فريق كواتروتشوكي البحثي بيانات المواقع الخاصة بـ 13 مليون مستخدم على موقع "فيسبوك" بهدف دراسة أنماط تنقل الأفراد جغرافيًا في جميع أنحاء فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة خلال الأشهر الأولى من الجائحة. وقد ظهرت أنماط مختلفة من التنقل في البلدان الثلاث، تعكس البنية التحتية والجغرافيا الأساسية لكل منها. وقد تمركزت التحركات في المملكة المتحدة وفرنسا أكثر حول لندن وباريس، على الترتيب، بينما تشتَّت بين المراكز السكانية الرئيسية في إيطاليا8. ويقول كواتروتشوكي إن هذا النوع من النتائج يمكن الاستفادة منه في التنبؤ بقدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة الكوارث الأخرى.

كما يتزايد اعتماد الباحثين على استطلاعات الرأي التي تُجرى عبر الإنترنت، وهو اتجاه عجلت به الجائحة. على سبيل المثال، بلغ متوسط عدد الاستجابات لأحد هذه الاستطلاعات في دراسة أمريكية9 حول الأنشطة اليومية أثناء الجائحة - مثل الذهاب إلى العمل، أو زيارة الأسرة، أو تناول الطعام في المطاعم - أكثر من 6700 استجابة في اليوم الواحد. وأظهرت النتائج أن دور الانتماء الحزبي في التأثير على مدى إقبال الأفراد على تبني السلوكيات الآمنة كان أكبر بكثير من تأثير المعدلات المحلية للإصابة بمرض "كوفيد-19" في هذا الإقبال. وكان المشاركون الذين عرَّفوا أنفسهم على أنهم جمهوريون، أكثر إقبالًا على التنقل من الديموقراطيين بنسبة 28% تقريبًا، وأخذت هذه الفجوة في الاتساع على مدار فترة إجراء الدراسة بين شهري أبريل وسبتمبر من العام الماضي.

آثار ما بعد الإغلاق

لا شك أن الجائحة بدأت في تغيير الطرق التي يدرس بها الباحثون السلوك البشري، على نحو قد يدوم إلى ما بعد فرض تدابير الإغلاق. من هنا، يقول فان بافيل: "أعتقد أن الباحثين سيواصلون سعيهم إلى إجراء دراسات أكبر بالتعاون مع المزيد من المختبرات للوصول إلى نتائج تتسم بأنها أكثر إحكامًا، وأكثر قابلية للتطبيق على نطاق واسع". وعينات البيانات التي جُمِعت من خلال هذه المشروعات البحثية كانت أكثر تنوعًا من البيانات التي جُمعت بالأساليب التقليدية، ولذا فإن تأثير هذه الدراسات قد يكون أكثر قوة.

وتقول ميلكمان إن أزمة "كوفيد-19" جعلت أيضًا الباحثين أكثر استعدادًا للتعاوُن ولمشاركة المعلومات. لذا، تسارعت – على حد قولها – وتيرة نشر نتائج الأبحاث وتطبيقها. وتضيف قائلة حول ذلك: "كتبتُ ورقة بحثية عن بعض النتائج التي توصلنا إليها في أسبوع خلال عطلة عيد الميلاد"، وهو ما كان عادةً يستغرق عدة أشهر. وقد عجَّلت ميلكمان بإعداد هذه المسودة البحثية لشعورها بالأهمية المُلحة لنشر تلك النتائج وإتاحتها؛ لينتفع بها الجميع.

وترى ميلكمان أن القيود التي فرضتها جائحة "كوفيد-19" دفعت العلوم الاجتماعية في اتجاه جيد، فتقول: "علينا إجراء بحوث واسعة النطاق"، كما يجري في مجالات مثل الفيزياء والفلك. وتشير إلى أنه بدلًا من إجراء تجارب فردية صغيرة، يمكن للباحثين الآن إجراء دراسات ضخمة تضم مجموعات كبيرة من الباحثين لإجراء الاختبارات على 20 أو حتى 50 مجموعة فرعية من المشاركين في آن واحد.

وتقول فاندي بروين دي برين، عالمة السلوك من جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجيليس، إن استحالة اجتماع عدد من الأشخاص في مكان مغلق للخضوع لدراسة قد حفز العلماء أيضًا على ابتكار طرق جديدة لإلحاق المشاركين بالتجارب ودراستهم. وبروين دي برين هي واحدة من الباحثين الرئيسيين في دراسة "فهم أمريكا" Understanding America Study، التي تعمل على إجراء استطلاعات رأي متكررة شاركت فيها حوالي 9000 أسرة أمريكية، تعكس النسيج الوطني للبلاد، بالإجابة عن أسئلة متعلقة بالجائحة، من قبيل "هل تنوي تلقي لقاح؟" "وفي تقديرك، ما مدى احتمالية تعرضك للإصابة؟" والحاجة إلى وضع إجراءات جديدة لإلحاق عينات كبيرة من المشاركين بالتجارب، بما يعكس النسيج الوطني، قد أتاحت لبروين دي برين وزملائها إلحاق مشاركين على نطاق أوسع. من هنا، تقول بروين دي برين: "لم يعد الباحثون مضطرين لقَصر أبحاثهم على نطاق محلي"، نظرًا إلى أن المشاركين ليسوا مضطرين للدخول إلى المختبرات، فقد صار من الأسهل إلحاق عينات أكثر تنوعًا من المشاركين بالتجارب. وتُعقب برين على ذلك قائلة: "أعتقد أن ذلك سيدفع العلوم الاجتماعية إلى الأمام".

والحلول التقنية التي شجعت على ظهورها ظروف الجائحة يمكن أن تؤدي بدورها إلى تعزيز العلوم. على سبيل المثال، يدرس ألكساندر هولكومب، عَالِم النفْس من جامعة سيدني بأستراليا، الإدراكَ البصري، الذي يصفه بأنه "مجال علمي محدود المعارف للغاية. إذ لم يُجْرِ فيه الباحثون دراسات عبر الإنترنت" قبل الجائحة. غير أن ممارسات التباعد الاجتماعي قد أرغمته هو وفريقه على تعلم القدر اللازم من علم البرمجة لتنفيذ تجاربهم بشكل فعال عبر الإنترنت. ونتيجةً لذلك، أصبح بإمكانهم الآن إلحاق مجموعات أكبر من المشاركين على حد قوله، وهو ما يُعد تحسنًا مهمًا في منهجيتهم البحثية.

أما بريان نوسيك، المدير التنفيذي لمركز العلوم المفتوحة، وهي منظمة غير ربحية في مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا الأمريكية، فيرى أن الجائحة أتاحت فرصة لإعادة النظر في بعض أسس إجراء الأبحاث. ويقول: "منحتنا الجائحة الفرصة لنتساءل حول أساليبنا في بعض الإجراءات، والمقصود بهذه "الإجراءات" هو كل شيء، بدءًا من التدريس والبحوث المخبرية، إلى تصميم الدراسات، والتعاوُن البحثي. ويضيف نوسيك قائلًا: إن الطرق التي يتواصل بها الباحثون على المستوى الميداني ويتفاعلون بها مع الباحثين المشاركين "قد تغيرت بصورة جذرية". من هنا، يقول: "لا أتخيل أننا سنعود لما كنا عليه".

References

  1. Van Bavel, J. J. et al. Preprint at PsyArXiv https://doi.org/10.31234/osf.io/ydt95 (2020).
  2. Van Bavel, J. J. et al. Nature Hum. Behav. 4, 460–471 (2020). | article
  3. Abu-Akel, A., Spitz, A. & West, R. PLoS ONE 16, e0245100 (2021). | article
  4. Milkman, K. L. et al. Rotman School of Management Working Paper no. 3780267; preprint at SSRN https://doi.org/10.2139/ssrn.3780267 (2021).
  5. Milkman, K. L. et al. Preprint at SSRN https://doi.org/10.2139/ssrn.3780356 (2021).
  6. Dai, H. et al. Preprint at SSRN https://doi.org/10.2139/ssrn.3817832 (2021).
  7. Gollwitzer, A. et al. Nature Hum. Behav. 4, 1186–1197 (2020). | article
  8. Galeazzi, A. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/2005.06341 (2020). 
  9. Clinton, J., Cohen, J., Lapinski, J. & Trussler, M. Sci. Adv. 7, eabd7204 (2021). | article

كريستي أشواندن: هي صحفية علمية من سيداريدج بولاية كولورادو الأمريكية.