أنباء وآراء

تشابُك بروتيني أغفلته الدراسات

تعمل تشابكات جزيئية تُعرف باسم روابط ثنائي الكبريتيد على استقرار البنى ثلاثية الأبعاد للعديد من البروتينات، كما تعمل أحيانًا على تنظيم وظائف هذه البروتينات، بيد أنها ليست وحدها التي تلعب هذا الدور؛ فقد اكتُشِفَ نوع آخر من التشابكات البروتينية التنظيمية. 

ديبورا فاس، وسيرجي إن. سمينوف
  • Published online:

تعتمد الخصائص المميِّزة لأشكال البروتينات ووظائفها على ترتيب الأحماض الأمينية التي تكوِّن هذه البروتينات في سلاسل، غير أنه غالبًا ما تطرأ تعديلات كيميائية أخرى عليها بعد ارتباط الأحماض الأمينية ببعضها البعض. ومن بين هذه التعديلات تشابكات تتكوّن بين بعض بقايا الأحماض الأمينية. والنوع الأكثر شيوعًا من تلك التشابكات هو رابطة ثنائي الكبريتيد، التي تتألف من ذَرّتي كبريت متصلتين عبر رابطة تساهمية. وفي هذا البحث المنشور، يشير ماري وينزين وفريقه البحثي1 إلى وجود نوع مختلف تمامًا من التشابكات البروتينية؛ وهو نوع تقوم فيه ذرة أكسجين بالربط بين ذرّة نيتروجين، وذرة كبريت. وإضافة إلى ذلك، يقدم الباحثون دليلًا على أن هذه الجسور التي تربط بين النيتروجين، والأكسجين، والكبريت أغفلتها التحليلات البنيوية السابقة لبروتينات أخرى.

كان وينزين وزملاؤه يدرسون إنزيم ترانسالدولاز transaldolase في بكتيريا النيسرية البِنْية Neisseria gonorrhoeae، وهي بكتيريا تسبب مرض السيلان الذي ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي. ولاحظ الباحثون أن هذا الإنزيم النقي يكاد يكون غير نشط، لكنْ يمكنه استعادة نشاطه بواسطة عوامل اختزال تُستخدم عادةً لكسر روابط ثنائي الكبريتيد.

وجدير بالذكر أنه لتشكيل ثنائي الكبريتيد، لا بد أن تتقارب مكانيًّا السلاسل الجانبية لاثنتين من بقايا حمض السيستين الأميني، التي قد تكون متباعدة على طول هذه السلسلة البروتينية. وبعد أن لاحظ الباحثون أن إنزيم ترانسالدولاز يحتوي على بعض من بقايا الـسيستين، استنتجوا أن اثنتين من هذه البقايا قد تشكلان رابطة ثنائي الكبريتيد التي تعمل على تثبيط الإنزيم، لكن عندما قاموا باستبدال كل واحدة من بقايا الـسيستين هاتين على حدة، واستعاضوا عنها بحمض أميني آخر، وجدوا أن واحدًا فقط من الإنزيمات الطافرة الناتجة هو الذي يقاوم تثبيطه. ولو أن الإنزيم كان يحتوي بالفعل على رابطة ثنائي الكبريتيد المثبِّطة، فسيكون من المتوقع أن يؤدي استبدال أي واحدة من بقايا الـسيستين إلى إحداث هذا التأثير المقاوِم للتثبيط (على الرغم من وجود بعض الاستثناءات لهذا التعميم البسيط2). فما الذي يحدث إذَن؟

تمكَّن وينزين وزملاؤه من حل اللغز باستخدام تقنية تصوير البلورات بالأشعة السينية، لتحديد بِنْية إنزيم ترانسالدولاز بدقة ذرية. وقد كشف هذا التحليل عن نشوء رابطة تساهمية بين بقايا الـسيستين واللايسين، وهي رابطة تتمثل في جسر من ذرات النيتروجين، والأكسجين، والكبريت، وذلك بدلًا من تكوّن رابطة ثنائي الكبريتيد من اثنتين من بقايا السيستين (الشكل 1). وكان من المثير للاهتمام أن ذرة الأكسجين في جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت لا تنشأ من المجموعات في السلاسل الجانبية الموجودة في كل من بقايا السيستين واللايسين (تحتوي السلسلة الجانبية للسيستين على مجموعة ثيول (SH)، في حين تحتوي السلسلة الجانبية للايسين على مجموعة أمين (NH2))، بل لاحظ الباحثون وجود جزيء أكسجين بالقرب من هذه السلاسل الجانبية في البنية البلورية للشكل المختزل من إنزيم ترانسالدولاز (أي الذي يفتقر إلى هذا التشابك). وتدعم هذه الملاحظة الاستنتاج المنطقي للباحثين بأن جزيء الأكسجين يسهم بذَرّة أكسجين في جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت.

الشكل 1: تكوين جسر بين اثنتين من بقايا الأحماض الأمينية للايسين، والسيستين. أشار ماري وينزين وفريقه البحثي1 إلى أن إنزيم ترانسالدولاز لبكتيريا النيسرية البنية Neisseria gonorrhoeae يحتوي على تشابك جزيئي، تقوم فيه ذَرّة أكسجين ببناء جسر بين ذَرّة نيتروجين في السلسلة الجانبية لبقايا الحمض الأميني اللايسين، وذَرّة كبريت في السلسلة الجانبية لبقايا حمض السيستين الأميني. وينوِّه الباحثون إلى أن جسور النيتروجين، والأكسجين، والكبريت هذه تتشكل عن طريق تفاعل السلاسل الجانبية مع جزيء أكسجين (O2). وعادةً ما يكون نمط الجسر في حالة غير مستقرة، ويُفترَض أن تعمل بِنْية البروتين المحيطة على استقراره، غير أنه يمكن كسره بواسطة عوامل اختزال. وتمثل الكرات في الشكل أجزاءً أخرى من الجزيء البروتيني.

الشكل 1: تكوين جسر بين اثنتين من بقايا الأحماض الأمينية للايسين، والسيستين. أشار ماري وينزين وفريقه البحثي1 إلى أن إنزيم ترانسالدولاز لبكتيريا النيسرية البنية Neisseria gonorrhoeae يحتوي على تشابك جزيئي، تقوم فيه ذَرّة أكسجين ببناء جسر بين ذَرّة نيتروجين في السلسلة الجانبية لبقايا الحمض الأميني اللايسين، وذَرّة كبريت في السلسلة الجانبية لبقايا حمض السيستين الأميني. وينوِّه الباحثون إلى أن جسور النيتروجين، والأكسجين، والكبريت هذه تتشكل عن طريق تفاعل السلاسل الجانبية مع جزيء أكسجين (O2). وعادةً ما يكون نمط الجسر في حالة غير مستقرة، ويُفترَض أن تعمل بِنْية البروتين المحيطة على استقراره، غير أنه يمكن كسره بواسطة عوامل اختزال. وتمثل الكرات في الشكل أجزاءً أخرى من الجزيء البروتيني.

كبر الصورة

ويُعد اكتشاف جسر كهذا في البروتينات جديرًا بالاهتمام، لأن التفاعلات غير البيولوجية التي تنتج مثل هذا النمط الجزيئي ما تزال غير معروفة حتى الآن، رغم أنه قد يُوجَد استثناء لذلك، يتمثل في جزيء واحد (هو نوع من المركبات العطرية الحلقية3. ويتطلب تكوين رابطة النيتروجين، والأكسجين في كيمياء الجزيئات الصغيرة ظروف أكسدة قوية4، لكن من المرجح أيضًا أن تؤدي هذه الظروف إلى انتقال ذرات الكبريت إلى حالات أكسدة أعلى من تلك التي وُجدت عليها داخل جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت. وإضافة إلى ذلك، فقد تكون الجزيئات الصغيرة التي تحتوي على جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت معرضة لخطر أن يطرأ عليها تفاعُل عدم تناسب؛ وهي عملية يتفاعل فيها اثنان من الجزيئات من النوع نفسه مع بعضهما البعض، ويكون الناتج مختلفًا. وفي سياق البروتينات، قد يساعد التموضع المناسب لثيول الـسيستين، وأمين اللايسين، وجزيء الأكسجين على حدوث الأكسدة اللازمة لتكوين جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت، في الوقت الذي قد تعمل فيه القيود المكانية (الفراغية) التي تفرضها البِنْية البروتينية المحيطة على استقرار هذا التشابك، ومنع المزيد من أكسدة الكبريت.

ويحاول الباحثون التكهُّن بالآليات المحتملة لتشكيل هذا الجسر، ويرجِّحون حدوث تفاعل تُضاف فيه مجموعات الهيدروكسيل (OH) إلى كل من ذرّة الكبريت في السيستين، والمجموعة الأمينية في السلسلة الجانبية للايسين (انظر البيانات الموسعة في الشكل 3ب في المرجع 1). وبالنظر إلى حداثة اكتشاف تشابك جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت هذا، وتركيز الدراسة على البيولوجيا البنيوية، فما زال من الواجب دراسة التفاصيل المهمة للآلية الكيميائية المؤدية إلى هذا التشابك؛ لا سيما أنه لم يتسن توصيف الطريقة التي يجري بها تنشيط جزيء الأكسجين للمشاركة في هذا التفاعل. والعديد من التفاعلات الكيميائية مع الأكسجين الجزيئي تشتمل على جذور حرة5، ولذا، تنبغي دراسة مسارات الجذور الكيميائية بوضوح في آليات تكوين جسر النيتروجين، والأكسجين، والبروتين.

وثمة لغز ميكانيكي آخر، يتمثل في كيفية تأثير هذا التشابك على النشاط الإنزيمي. فبِنْية الموقع الحفاز في إنزيم ترانسالدولاز الذي يحتوي على هذا التشابك تختلف اختلافًا بسيطًا فحسب عن بِنْية نسخة الإنزيم التي لا تحوي هذا التشابك. وهكذا، فإن الكيفية التي يؤدي بها تكوين جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت إلى تثبيط التحفيز ليست واضحة للعلماء حتى الآن. وقد ركَّز واضعو الدراسة انتباههم على هذه الاختلافات البنيوية الطفيفة، لكنهم لاحظوا أيضًا أن إنزيم ترانسالدولاز الذي يحتوي على هذا التشابك أكثر مقاوَمة لمحاولات فك طياته بتأثير التحفيز الحراري، مقارنة بالنسخة التي تفتقر إلى هذا التشابُك. ولا تُعَد هذه النتيجة مفاجئة، وهي تعني أن الإنزيم ذا التشابك تطرأ عليه عندئذ تغيرات بنيوية أقل من التي يمكن أن تؤدي إلى فك طياته. وقد تكون ثمة حاجة إلى تغيرات تحدث على نطاق أصغر من أجل بدء النشاط الحفزي، وقد يقيِّدها وجود هذا التشابك.

وثمة اختلاف مفاهيمي أساسي بين استخدام روابط ثنائي الكبريتيد لتنظيم وظائف هذا الإنزيم، واستخدام جسر النيتروجين، والأكسجين، والبروتين لذلك؛ فتكوين روابط ثنائي الكبريتيد قابل لعكسه كيميائيًّا، وهذا يعني أن روابط ثنائي الكبريتيد، في الأنظمة البيولوجية، كثيرًا ما تتكون وتنكسر في تفاعلات "تبادلية" مع جزيئات أخرى تحتوي على ثنائي الكبريتيد أو الثيولات. وعلى النقيض من ذلك، تتكون رابطة النيتروجين، والأكسجين، والكبريت بآلية كيميائية مختلفة عن تلك التي تتكسر بها؛ ويعني هذا أن الأكسجين الجزيئي يُستخدم في تكوين الجسر، ولكنه لا يُفرز عند تكسُّر الجسر.

وإضافة إلى ذلك، تشير الخواص الديناميكية الحرارية بهذه التفاعلات إلى أنه يصعب تشكيل جسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت، ولكن يسهل كسره. لذا، ربما يكون هذا التشابُك قد تطور لتمكين التنشيط الانتقائي للإنزيم في ظل ظروفٍ جرى فيها الحفاظ على روابط ثنائي الكبريتيد. ويمكن الآن استكشاف المزايا الفريدة التي تتحقق بجسر النيتروجين، والأكسجين، والكبريت، وكذلك السيناريوهات البيولوجية التي يكون فيها أكثر فائدة من رابطة ثنائي الكبريتيد.

إنّ اكتشاف رابطة بروتينية جديدة له تداعيات لا تقتصر على خصائص الإنزيم الخاضع للدراسة، أو على تشابك جسر النيتروجين، والأكسجين، والبروتين ذاته. وربما كان من المثير للدهشة أن مهمة إنشاء نماذج بنيوية للبروتينات تكون أكثر صعوبة أحيانًا عندما تتوفر بيانات الأشعة السينية عالية الدقة، ففي وسط صخب البيانات منخفضة الدقة قد يختفي التبايُن في تكوين البروتينات أو تركيبها الكيميائي، في حين أن هذا التبايُن يصبح مرئيًّا عند توفر البيانات عالية الدقة، وبالتالي يجب تفسيره6. وقد تكون ثمة مجموعات كيميائية غير متوقعة أيضًا تلعب أدوارًا لا تبرزها البيانات. ومن شأن دراسة وينزين وزملائه أن تلهم علماء الأحياء البنيوية لدراسة الانحرافات عن التوقعات في خرائط كثافة الإلكترونات للجزيئات الحيوية.

ولطالما حظيت الإنزيمات بالتقدير، بوصفها أفضل أدوات إحداث التفاعلات الكيميائية، لأن بإمكانها تحفيز تفاعلات يستحيل حدوثها في حال غيابها. وتُظْهِر نتائج هذه الدراسة أن كيمياء الروابط التساهمية التي تشهدها الإنزيمات نفسها يمكن أيضًا أن تنافي بديهيات الكيمياء.

References

  1. Wensien, M. et al. Nature 593, 460–464 (2021).| article
  2. Mor-Cohen, R. Antioxid. Redox. Signal. 24, 16–31 (2016). | article
  3. Hassan, A., Ibrahim, Y. R. & Shawky, A. M. J. Sulfur Chem. 28, 211–222 (2007). | article
  4. Challis, B. C. & Butler, A. R. in The Chemistry of the Amino Group (ed. Patai, S.) Ch. 6 (Interscience, 1968).  | article
  5. Sawyer, D. T. Oxygen Chemistry Ch. 5–6 (Oxford Univ. Press, 1991).  | article
  6. Lang, P. T. et al. Protein Sci. 19, 1420–1431 (2010). | article

ديبورا فاس

تعمل في قسم البيولوجيا الكيميائية والبنيوية بمعهد وايزمان للعلوم، رحوفوت 7610001، إسرائيل.

سيرجي إن. سمينوف

يعمل في قسم الكيمياء الجزيئية وعلوم المواد بمعهد وايزمان للعلوم.

البريد الإلكتروني لكل منهما: deborah.fass@weizmann.ac.il،sergey.semenov@weizmann.ac.il