أنباء وآراء

مطوياتُ أوريجامي كبيرةُ الحجم تستقر في مكانها تحت تأثير الضغط

صُمِّمت بِنًى من الأوريجامي ذات أبعاد مترية وقابلة للنفخ، بحيث تتحول من هياكل مسطحة إلى أشكال قابلة للتمديد، ثم تثبُت على شكلها الجديد. هذه التقنية تفتح الطريق أمام استخدام بِنَى الأوريجامي الضخمة في تطبيقاتٍ هندسية.

سيجريد أدريانسنس

  • Published online:

ربما تندهش حينما تعرف أن الأوريجامي، ذلك الفن الياباني القائم على طيّ الورق، يُعَد جزءًا لا يتجزأ من الهندسة، غير أنه من الممكن طيّ بِنى الأوريجامي على نحو مضغوط، ثم توسعتها بحيث تصبح ذات أبعاد نانوية وأبعاد كبيرة، دون جهدٍ، فيما يبدو. ومن ثم، فإن هذه البِنى تصلح لمجموعةً كبيرة من التطبيقات، من بينها الروبوتات1، ومصفوفات الألواح الشمسية2 وبِنًى مُعدَّلة هندسيًّا، تُعرف باسم المواد الخارقة3 وفي بحثٍ سابق نشرته دورية Nature، يُسلِّط ميلانكون وزملاؤه4الضوء على أوجهٍ مثلثية الشكل صُمِّمت بتقنية الأوريجامي، يمكن تحويلها إلى أشكالٍ ثلاثية الأبعاد عند ملئها بمائع مُعدَّل الضغط. ويطرح هؤلاء الباحثون، من خلال ذلك الجهد البحثي، طريقةً جديدة لتصميم أحيازٍ مغلقة كبيرة الحجم بتقنية الأوريجامي، يمكن توسعتها وتثبيتها على أشكالها المختلفة عن طريق النفخ.

وفي مجال الهندسة، يُقصَد بالبِنْية القابلة للتوسعة تلك البِنْية التي يمكن تغيير شكلها على نحوٍ يُحدِث تغييرًا كبيرًا في حجمها، وتُعَد الرافعات المقصية، والقلاع المطاطية النطاطة من الأمثلة كبيرة الحجم لهذه البِنى، إذ تتحول البِنى التقليدية القابلة للتوسعة إلى شكل أكبر حجمًا من خلال تمديد الروابط (كما هي الحال في الرافعات المقصية)، أو عن طريق النفخ (كما هي الحال في القلاع المطاطية النطاطة). وبعد ذلك، تُثبَّت البِنى من كلا النوعين على أشكالها الجديدة باستخدام عامل خارجي: قفل ومُثبت ضغط الهواء، غير أن كلتا الوسيلتين لا تكونان ثابتتين في مكانهما.

وللتغلب على هذه المشكلة، استلهم ميلانكون وزملاؤه تصميمهم من فن الأوريجامي. فقد حدَّد الباحثون في البداية مؤشرات متعلقة بالهندسة الرياضية تتيح توسعة بِنى الأوريجامي التي تحيط بفراغٍ، عن طريق استخدام ضغط المائع. ويتمثل نهجهم المُبتكَر في تصميم أشكال أوريجامي مغلقة ذات حالتين أو أكثر من حالات الاتزان الثابتة (وهي تشكيلات تنخفض فيها طاقة النظام إلى أدنى مستوياتها). ونظرًا إلى كونها في وضع الاتزان، تبقى تلك الحالات مستقرة في مكانها، دون حاجة إلى عامل خارجي، تمامًا كما تتوقف الكرة بعد دحرجتها عندما تصل إلى قاع أحد الوديان.

غير أن أشكال الأوريجامي التي صمَّمها الباحثون تحتاج إلى التغلب على أحد حواجز الطاقة، كي يتأتى لها الانتقال من حالة مستقرة إلى أخرى عند نفخها. والسبب في ذلك أن الأوجه المكوِّنة لشكل الأوريجامي لا يمكن أن تنثني أو تتمدد، ومن ثم لا تكون متوافقة هندسيًّا مع بعضها البعض أثناء عملية التوسعة. وقد لجأ ميلانكون وزملاؤه إلى توصيل الأوجه الجامدة بمفصلات قابلة للتمدد في سبيل التغلب على هذه المشكلة. فأبعادُ هذه المفصلات يمكن أن تتغير كوسيلةٍ لحل مشكلة عدم التوافق الهندسي، مما يسمح للنظام بالانتقال من حالة موضعية ذات حد أدنى من الطاقة إلى حالة أخرى.

أوضح ميلانكون وزملاؤه أن هذا النهج يمكن استخدامه في توسعة وتثبيت ممرٍ مقوسٍ قابل للنفخ، يبلغ طوله 60 سنتيمترًا، وعرضه 150 سنتيمترًا (شكل 1)، ونموذجٍ أوّلي لملجأٍ شبيه بالخيمة، ذي شكلٍ موسَّعٍ يبلغ حجمه 2.5 x 2.6 x 2.6 متر. يُعَد نجاحهم في هاتين المهمتين إنجازًا مهمًّا، إذ إن توسعة وتثبيت بِنى أوريجامي بهذه الأحجام الكبيرة ليس بالأمر السهل. وقد أشار الباحثون إلى أن سر نجاحهم يكمن في الجمع بين تعدُّد حالات الاستقرار والانتفاخ، إضافةً إلى استخدام المفصلات المرنة لحل مشكلة عدم التوافق الهندسي لأوجه هذه البِنى. لذا، فإن هذه النتائج تُمهِّد الطريق أمام أحد الميادين البحثية غير المطروقة، وهو ميدان بِنى الأوريجامي الضخمة المستقرة والقابلة للتوسعة. وفضلًا عن ذلك، فنظرًا إلى أن هذه البِنى يمكن أن تُجسِّد حالتين أو أكثر من حالات الاستقرار المستقلة عن بعضها البعض، فمِن المفترض أن يكون ممكنًا تصميم بِنًى قادرة على الانتقال بين مجموعة متنوعة من الأشكال، وهي خاصية مطلوبة في ملاجئ طوارئ ذات شكلٍ واحدٍ يناسب جميع الأوضاع، لا سيما في المواقف التي تجب فيها توسعة هذه الأحياز المغلقة في سياقٍ غير معلوم.

شكل 1| ممرّ مقوَّسٌ قابل للنفخ بتقنية الأوريجامي. يُسلِّط ميلانكون وآخرون4 الضوء على تصميم بِنى مترية الأبعاد، قابلة للنفخ بتقنية الأوريجامي، مثل هذا الممر المقوَّس. يمكن لهذه البِنى أن تتحوَّل من شكلٍ مضغوطٍ إلى شكل أوسع نطاقًا عند نفخها. وفضلًا عن ذلك، تحتفظ هذه البِنى بشكلها الموسَّع، دون حاجة إلى تعديلٍ مستمر لضغط الهواء.

شكل 1| ممرّ مقوَّسٌ قابل للنفخ بتقنية الأوريجامي. يُسلِّط ميلانكون وآخرون4 الضوء على تصميم بِنى مترية الأبعاد، قابلة للنفخ بتقنية الأوريجامي، مثل هذا الممر المقوَّس. يمكن لهذه البِنى أن تتحوَّل من شكلٍ مضغوطٍ إلى شكل أوسع نطاقًا عند نفخها. وفضلًا عن ذلك، تحتفظ هذه البِنى بشكلها الموسَّع، دون حاجة إلى تعديلٍ مستمر لضغط الهواء.

Credit: Ref. 4

غير أن مشكلات التوسع في الحجم وربما تحدّ من إمكانية الاستفادة من أنظمة الأوريجامي هذه في تطبيقات هندسية كبيرة الحجم للغاية (10 - 100 متر). ففَهْم العمليات اللازمة لطيّ ألواح مسطحة من المواد من أجل إنتاج بِنى ذاتية التثبيت وقابلة للنفخ استمده العلماء من عمليات محاكاة عددية، ونماذج أولية مادية أُنشئت على مقياس متري، وجرت توسعتها في بيئة المختبرات التي تخضع ظروفها للتحكم. ومن المفترض أن المادة معدومة الكتلة (تقريبًا) - ومن ثم فهي تخلو من الإجهاد الداخلي - وتتسم بالصلابة الشديدة، لكن هذه الافتراضات لا تنطبق على الأجسام بالغة الضخامة، فعلى سبيل المثال، كشف تحليلٌ عددي أُجري سابقًا لجسر مشاة5مصنوع بتقنية الأوريجامي، ويمتد بطول 56 مترًا، أن ثِقله الذاتي الكبير أنتج تفاوتًا في إجهاد الضغط والشد، وأحدث تشوهاتٍ عبر المفصلات والأوجه.

وإضافةً إلى ذلك، يجب أن تكون البِنى الضخمة قوية وصلبة في جميع مراحل توسعتها، امتثالًا للوائح التنظيمية لعملية البناء، وهو ما يستتبع ضرورة أن تكون البِنى قادرةً على مقاومة الأحمال الشديدة، كامتصاص الرياح غير المتماثل، والضغوط الناتجة عن الأعاصير. وينطبق هذا بشكلٍ خاص على ملاجئ الطوارئ في مناطق الكوارث. ولم تُرصد إلى الآن تأثيراتُ التجميعات المختلفة من عناصر التحميل الشديد على السلوك البنيوي لأنظمة الأوريجامي التي ابتكرها ميلانكون وزملاؤه.

وقد تنشأ أيضًا مشكلات التوسع في الحجم بسبب أن عمليات الأوريجامي التي تصلح مع المواد الورقية، التي يبلغ سُمْكها صفرًا في الأساس، ربما لا تصلح مع الأحجام الأكبر من المواد الأخرى الأكثر سُمْكًا، حيث لا يتطلب الأمر أن تكون المواد المستخدمة في التطبيقات المعمارية أو البنيوية قويةً فحسب، بل لا بد أيضًا أن تتمتع بطول العمر الافتراضي، وتلبي وظائف أخرى، كتنظيم انتقال الحرارة إلى داخل الحيز المغلق. ولذا، فإن أوجه مثل هذه البِنى ستكون أكثر سُمْكًا بكثير من الورق. ويمكن التغلب على هذا التحدي باستخدام أنظمة من الأوجه تكون متفاوتة في سُمْكها (بمعنى أن تكون متفاوتة السُّمْك داخل الوجه الواحد، أو تكون لها أوجه مختلفة تتفاوت في سُمْكها). وغالبًا ما تمثل المفصلات العناصر الأعلى تكلفةً والأضعف متانةً في أي تصميم هندسي، ولذا، فإن تقليل عدد الطيّات من شأنه أن يساعد في خفض تكاليف التصنيع، وتقوية بِنْية الأوريجامي.

إن استخدام بِنَى الأوريجامي التي ابتكرها ميلانكون وزملاؤه في مجال الهندسة يمكن أن يُقلِّل من مساحة التخزين، وتكاليف النقل، ووقت الإنشاء، كما إنّ نظام النفخ ذاتي التثبيت من شأنه أن يتيح سهولة التوسعة ومتانتها، وهذا سيكون مفيدًا على جميع المستويات فيما يخص البِنى القابلة للتوسعة. وكما أشرنا سلفًا، فإن ثمة العديد من المشكلات التي ينبغي معالجتها أولًا قبل استخدام هذه البِنى على نطاقات كبيرة فوق سطح الأرض، غير أن القدرة على نقل أجسام ضخمة في أشكال مضغوطة لهي أمر مطلوب بشدة أيضًا في البعثات الفضائية. أضف إلى ذلك أن انخفاض قوة الجاذبية في الفضاء، وعدم وجود لوائح تنظيمية تَحكم عمليات البناء هناك من شأنهما أن يسهِّلا استخدام تقنية الأوريجامي الجديدة.

References

  1. Felton, S., Tolley, M., Demaine, E., Rus, D. & Wood, R. Science 345, 644–646 (2014). | article
  2. Zirbel, S. A. et al. J. Mech. Des. 135, 111005 (2013). | article
  3. Filipov, E. T., Tachi, T. & Paulino, G. H. Proc. Natl Acad. Sci USA 112, 12321–12326 (2015). | article
  4. Melancon, D., Gorissen, B., García-Mora, C. J., Hoberman, C. & Bertoldi, K. Nature 592, 545–550 (2021). | article
  5. Nagy, L., Rhode-Barbarigos, L., Adriaenssens, S. & Kilian, A. Int. J. Space Struct. 30 (2), 75–84 (2015). | article

سيجريد أدريانسنس

تعمل في قسم الهندسة المدنية والبيئية بجامعة برينستون في برينستون، 08544 نيو جيرسي، الولايات المتحدة الأمريكية.

البريد الإلكتروني: sadriaen@princeton.edu