افتتاحيات

تقلُّص إسهام الطاقة النووية في سوق الطاقة العالمية مستقبلًا

تبرِز كارثتا فوكوشيما، وتشيرنوبل تحديات الاعتماد على الطاقة النووية للقضاء على الانبعاثات الكربونية.  

  • Published online:

"لا يكفي أن ننزع هذا السلاح من أيدي الجنود، بل يجب أن يُوضع في أيدي مَن يعرفون كيف يجردونه من إطاره العسكري، ويوظفونه في خدمة السلام". جاءت هذه الكلمات التحفيزية على لسان رئيس الولايات المتحدة دوايت آيزنهاور في عام 1953. وهي جديرة بأن نستحضرها اليوم ونحن نشهد إحياء العالَم لذكرى مأساتين مفجعتين ارتبطتا بالتكنولوجيا النووية، هما: كارثة فوكوشيما، التي وقعت في اليابان يوم الحادي عشر من مارس من عام 2011، والحادث المأساوي الذي شهدته منطقة تشيرنوبل، التي أصبحت الآن تابعة لدولة أوكرانيا، في يوم السادس والعشرين من إبريل من عام 1986.

ففي اليابان، أودى الزلزال الذي وقع قبالة جزيرة هونشو، وأمواج تسونامي التي تبعته بأرواح ما يقرب من 19,300 شخص، حيث أطاحت الأمواج كذلك بحاجز البحر الوقائي المحيط بمحطة فوكوشيما دايتشي النووية، وتَسبَّب الفيضان الناجم عن ذلك في انصهار جزئي لثلاثة من مراكز المفاعل، وهو ما أسفر عن نشوب حرائق، وحدوث انفجارات. وقبل ذلك بـ25 عامًا، تسبب خطأ بشري في حدوث انصهار في محطة تشيرنوبل، وهو ما أسفر عن الإطاحة بسقف أحد المفاعلات النووية، وانبعاث إشعاعات منه في أنحاء شتى من أوروبا.

واليوم، تمثل الطاقة النووية حوالي 10% من الطاقة العالمية، وهو ما يُعَد انخفاضًا عن نسبتها في عام 2010، التي بلغت 13%. وقد يستمر هذا الانخفاض في معدلات استخدام الطاقة النووية، لكنها ستظل جزءًا من مصادر الطاقة العالمية المتنوعة لعقود كثيرة قادمة، إذ تسهم في توفير إمدادات طاقة خالية من الكربون، مع مشارَفة عصر الوقود الحفري على الانتهاء.

"يجب ألا تستلزم التكنولوجيا التي نستخدمها في الإضاءة، أو شحن الهواتف المحمولة التعامل مع نظم دفاع قومية أو دولية".

وقد بددت كوارث متتالية التفاؤل العام بقدرات هذه الطاقة، ذلك التفاؤل الذي تَأَتَّى مع خطاب آيزنهاور أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1953. واليوم، يُذَكِّرنا هذا الخطاب بأن الطاقة النووية، وأسلحة الدمار الشامل يجمعهما سلف مشترك. وقد تَسبَّب كلا هذين العاملين في عرقلة الاستفادة بالإمكانات الهائلة المرجوة من الطاقة النووية كمصدر للوقود، بيد أن العالَم لا يزال يشهد تصميم مفاعلات جديدة وبناءها، مثلما يحدث في الصين والهند. ومع ذلك، أشارت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أن إجمالي معدلات الإقبال على الطاقة النووية، وخصوصًا في الدول ذات الدخل المرتفع، أقل مما حددته المنظمة في "سيناريو التنمية المستدامة" Sustainable Development Scenario. ولو تأملنا ذلك في سياق انخفاض تكلفة الطاقة المُنتَجة من المصادر المتجددة، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، فمن المحتمل ألا نشهد انتعاشًا جديدًا في الطلب على الطاقة النووية.

ومع تركُّز الاهتمام على الكوارث النووية، يصعب علينا تخيُّل تجدُّد الحماس الذي أبداه الأفراد يومًا ما إزاء الطاقة النووية، عندما عدَّها الكثيرون أحد الحلول المطروحة لمواجهة تزايُد الطلب العالمي على الطاقة. فمنذ تشييد أول مفاعل تجريبي في عام 1951، نَمَت معدلات تدشين المفاعلات بدرجة كبيرة، إلى أنْ تراوح عدد المفاعلات التي تبدأ العمل سنويًّا خلال فترة ذروة إنشائها، من أواخر الستينيات إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ما بين 20 و30 مفاعلًا تقريبًا. ولم يعق اندلاع حريق عام 1957 في إحدى محطات الطاقة في المملكة المتحدة - التي كانت تسمى "ويندسكيل" Windscale وقتها، وأصبحت لاحقًا تسمى "سيلافيلد" Sellafield - انتشار محطات الطاقة النووية عالميًّا.

وقد تغيَّر هذا الوضع بعد وقوع كارثة في محطة الطاقة النووية الواقعة في جزيرة ثري مايلز بولاية بنسلفانيا الأمريكية في عام 1979، حيث تسبب عطل في أحد أنظمة التبريد في انصهار جزء من مركز المفاعل. ولحسن الحظ، لم يسفر الحادث عن أي وفيات، على العكس من كارثة تشيرنوبل، التي تلتها بسبع سنوات، وتسببت في وفاة حوالي 31 شخصًا جرّاء الحادث مباشرةً. وفضلًا عن ذلك، تضررت أعداد كبيرة من البشر، نتيجةَ إشعاع الحادث الذي انتشر عبر المناطق التابعة للاتحاد السوفيتي وقتها، بالإضافة إلى مناطق في غرب أوروبا وشرقها، غير أن الأعداد الدقيقة للمصابين لا تزال محل خلاف. أما في كارثة فوكوشيما، فقد أصيب ما يقرب من 50 شخصًا بحروق غير مميتة جرّاء الإشعاع، وتوفي شخص لاحقًا بسرطان الرئة الناجم عن تَعَرُّضه للإشعاع.

وإضافةً إلى الوفيات والمخاطر الصحية، قُدّرت تكلفة الخسائر الناجمة عن كارثة تشيرنوبل بما يزيد على 200 مليار دولار أمريكي، في حين قَدّر مركز اليابان للأبحاث الاقتصادية تكلفة تطهير موقع فوكوشيما بما يتراوح بين 470 مليار، و660 مليار دولار أمريكي. وفي أعقاب الكارثة أُغلق 12 مفاعلًا من إجمالي عدد المفاعلات في اليابان بشكل دائم، بينما ما زال إغلاق 24 مفاعلًا آخر مستمرًا، لحين استكمال مراجعة إجراءات الأمان بها، وهو ما يفاقم تكاليف الكارثة.

ويعني ذلك كله أنه يجب على أية دولة تضخ استثمارات في حقل الطاقة النووية أن تستعد لتنحية مبالغ مالية ضخمة جانبًا، لاستخدامها في حالات الكوارث، أو أن تكون قادرة على تدبير تلك المبالغ وقت الحاجة، سواء وقعت الكوارث نتيجة لخطأ بشري، أَم بسبب ظاهرة طبيعية، فضلًا عن توفير تكلفة تشييد محطات الطاقة النووية نفسها.

ويُنتظر كذلك من الدول التي تخطط للشروع في تدشين برامج الطاقة النووية أن تتعاون مع "مجموعة موردي المواد النووية" Nuclear Suppliers Group التي تشرف على تجارة الطاقة النووية للأغراض السلمية، وكذلك الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتُعَد الأخيرة منظمة محورية في هذا المجال، لكنها لا تضطلع بدور تقليدي في تنظيم استخدام الطاقة، فهي لا تكتفي بمراقبة محطات الطاقة النووية وتفتيشها، بل تنهض في الوقت ذاته بدور آخر، وهو التأكد من أن الدول لا تستخدم المواد الانشطارية في تطوير الأسلحة. وأحد أسباب اضطلاعها بهذا الدور هو أن هناك دولًا – وهي الهند، وباكستان، وفي الغالب إسرائيل - أصبحت دولًا نووية، بعد أن كانت في البداية تسعى إلى امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض البحث، أو لتوليد الطاقة.

فاتورة باهظة

وبأخْذ العوامل التي تعوق تبَنِّي استخدام الطاقة النووية في الحسبان، ليس من المستغرب أن القَدْر الأكبر من الطاقة النووية المُولّدة في العالم تنتجه دول تمتلك أسلحة نووية، في حين يُحجِم معظم الدول عن فكرة إنشاء محطات هذه الطاقة، إذا كانت تكلفتها الإجمالية قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.

وفي المقابل، نجد أن تكلفة تقنيات الطاقة المتجددة الأخرى آخذة في الانخفاض، على الرغم من أنها لا تزال في مراحلها الأولى، فضلًا عن أن القواعد التي تحكمها أكثر وضوحًا. وهذه النقطة الأخيرة شديدة الأهمية، إذ يجب ألا تستلزم التكنولوجيا التي نستخدمها في الإضاءة أو شحن الهواتف المحمولة التعامل مع نظم دفاع قومية، أو دولية.

ومن الواضح أن الطاقة النووية ستبقى معنا لبعض الوقت، حيث نشهد إنشاء محطات نووية جديدة، بينما ستستغرق المحطات الأقدم وقتًا حتى تخرج من الخدمة، إلا أن الطاقة النووية لم تَعُد تمثل الحل للقضاء على الانبعاثات الكربونية على مستوى سوق الطاقة العالمي كما كان مرجوًّا منها يومًا ما. ومع أن هذه الطاقة لها فوائدها، فاستمرار انخفاض تبَنِّي الدول لها يشير إلى أن هناك دولًا ترى أن مخاطر استخدام هذا النوع من الطاقة تفوق فوائده، فضلًا عن أن دولًا أخرى ترى أنها غير قادرة على تحمّل كلفة توليد الطاقة النووية. ولو أردنا القضاء على الانبعاثات الكربونية على مستوى العالم، فعلينا أن نولي اهتمامنا لأشكال من الطاقة المتجددة، تتمثل إحدى ميزاتها الكبرى في أن مصادرها متاحة بدون مقابل لكافة الدول.