أخبار

«ناسا» تُحْيِي دورها في مكافحة تغيُّر المناخ

تهدف وكالة الفضاء إلى إحياء برنامج علوم الأرض التابع لها.

بقلم ألكسندرا ويتزي

  • Published online:
كوكب الأرض كما يظهر في صورة التقطها القمر الصناعي المعروف باسم "مرصد مناخ الفضاء العميق" (اختصارًا DSCOVR)

كوكب الأرض كما يظهر في صورة التقطها القمر الصناعي المعروف باسم "مرصد مناخ الفضاء العميق" (اختصارًا DSCOVR)

Credit: Carl Hostetter/NASA EPIC Team

تشتهر وكالة "ناسا" باستكشاف العوالم الأخرى، سواء أكان ذلك بإرسال رواد فضاء إلى القمر، أَم مروحيات للتَّحليق على سطح المريخ. وتعتزم وكالة الفضاء، في عهد الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، تعزيز سمعتها كأحد الأطراف الرئيسة في دراسات الأرض، واضعةً مكافحة تغيُّر المناخ في مقدمة اهتماماتها.

وحول ذلك، يقول وليد عبد العاطي، مدير المعهد التعاوني لبحوث العلوم البيئية في مدينة بولدر بولاية كولورادو الأمريكية: "لقد أوضح بايدن أن المناخ على قائمة أولوياته". وأضاف عبد العاطي قائلًا: "لا شك أن لوكالة "ناسا" دورًا تلعبه في هذا الصدد"، بالنظر إلى كل أبحاث علوم الأرض التي تمولها، والأقمار الصناعية التي تطْلِقها لرصد الأرض.

وخلال الأشهر الأخيرة، أشارت الوكالة إلى اعتزامها إحياء دورها في إرشاد سياسات الولايات المتحدة المتعلقة بالمناخ، وذلك من خلال تعيين أول استشاري للمناخ، وتكثيف العمل في البعثات الرئيسة لدراسة الكيفية التي تطرأ بها التغيرات على مناخ الأرض.

ويقول مسؤولو الوكالة إن هذه الجهود بالغة الأهمية في ظل تسارع وتيرة تغيُّر المناخ. وتقول كارين سان جيرمان، رئيسة قسم علوم الأرض في وكالة "ناسا" في واشنطن العاصمة: "سيزداد الطلب على المعلومات التي تسمح بالتحرك للتصدي للموقف ازديادًا كبيرًا جدًّا خلال العقد القادم، أو العقدين المقبلين".

ومن بين العديد من الوكالات الفيدرالية الأمريكية التي كَلّفها بايدن بالحدّ من تغيُّر المناخ، يبرز دور وكالة "ناسا" بوصفها وكالة رائدة في جهود استكشاف الكوكب الضرورية، إذ يمتد تاريخ الوكالة في رصد كوكب الأرض إلى عام 1960، حينما أطلقت القمر الصناعي "تيروس-1" TIROS-1، لاختبار إمكانية مراقبة الطقس من الفضاء. وعلى مدى أكثر من ستة عقود، صممت الوكالة، وشيَّدت، وأطلقت مركبات فضائية لرصد تغيُّر كوكب الأرض. وهي تُدير أقمارًا صناعية تقيس ذوبان الصفائح الجليدية وتدفُّق ثاني أكسيد الكربون عبر الغلاف الجوي بالتَّنسيق - في أغلب الأحيان - مع الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، وهي الجهة التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن التنبؤ بالطقس المحلي. كما تتولى الوكالة تسيير طائرات لجمْع بيانات حول التغيرات التي تطرأ على كوكب الأرض، وتموِّل مجموعة واسعة من أبحاث المناخ الأساسية، مثل دراسات النمذجة المناخية. ومن هنا، تصف سان جيرمان دور الوكالة قائلًة: "دورنا الرئيس هو فهم كيفية تغيُّر منظومة كوكب الأرض".

وقد حاول الرئيس الأمريكي السابق لبايدن، دونالد ترامب، الذي أعطت سياساته الأفضلية للاهتمام بالصناعة، واستهانت بتغيُّر المناخ، مرارًا وتكرارًا إلغاء بعثات كبرى تابعة لوكالة "ناسا" لخدمة علوم الأرض، إلا أن الكونجرس أنقذها. وقد كان ذلك جزءًا من نمط أوسع انتشر في إدارة ترامب، سعى إلى تقويض الأبحاث والسياسات المتعلقة بتغيُّر المناخ. وأَفلَتت وكالة "ناسا" من أسوأ الضربات التي سددتها تلك الهجمات من خلال إخفاء معظم أبحاثها المتعلقة بتغيُّر المناخ وعلوم الأرض عن المسؤولين التابعين للرئيس ترامب، لكنّ تلك الفترة كانت مشحونة بالتوترات السياسية للوكالة.

"لا يمكنك التخفيف من وطأة التغير المناخي، ما لم تقِس حجمه، وهذا يصب في صميم خبرة وكالة ناسا".

والآن، تستعيد وكالة "ناسا" مكانتها بالمعنى الحَرفيّ للكلمة. ففي بادئ الأمر، أحجم بايدن عن إشراك الوكالة في فريق العمل رفيع المستوى المعنِيّ بالمناخ، الذي شكَّلَه بعد أسبوع من تقلده منصبه في يناير الماضي. وبعد بعض المكالمات الهاتفية اللاذعة، شقَّت وكالة "ناسا" طريقها إلى فريق العمل، وأصبح لها الآن مَن يمثلها على طاولة الأشخاص من ذوي الثقل السياسي في الإدارة الأمريكية - مثل وزيرَي الخزانة والدفاع - في مناقشات الإدارة لاستراتيجية إدارة المناخ في البلاد .

وتعقيبًا على ذلك، يقول جافين شميدت، مصمم النماذج المناخية من معهد جودارد لدراسات الفضاء التابع لوكالة "ناسا" في مدينة نيويورك، واستشاري شؤون المناخ الجديد للوكالة: "إذا كنت ستضع سياسات متعلقة بمسائل علمية، فعليك ضم العلماء إلى طاولة صناع القرار".

وذكر بيل نيلسون، مدير وكالة ناسا الجديد والعضو السابق بمجلس الشيوخ، أنه يدعم أبحاث علوم الأرض التي تجريها الوكالة. كما قال خلال جلسة الاستماع الخاصة بتأكيد تعيينه أمام مجلس الشيوخ في الواحد والعشرين من إبريل الماضي: "لا يمكنك التخفيف من وطأة التغير المناخي، ما لم تقِس حجمه، وهذا يصب في صميم خبرة وكالة ناسا".

عراقيل  الميزانية

تتضمن عمليات الرصد البطولية لوكالة "ناسا" فيما يخص تغيُّر المناخ برنامجًا مدته 29 عامًا، يسجل ارتفاع مستوى سطح البحر على الصعيد العالمي، من خلال قياس هذا الارتفاع بدقة من الفضاء مع جهات تعاوُن فرنسية وكيانات أخرى، وعَبْر دراسات انطلقت في عام 2002 مع شركاء ألمانيين، لتتبُّع انحسار الجليد من جرينلاند والقارة القطبية الجنوبية. وتشمل مهام الوكالة مستقبلًا إطلاق قمر اصطناعي راداري بموجب تعاوُن أمريكي هندي سيتتبع التَّغيُّرات التي تطرأ على الكوكب، مثل التحوُّلات في الغطاء الجليدي البحري، فضلًا عن مركبة فضائية يدشنها تعاوُن أمريكي كندي فرنسي بريطاني، تُجْرِي مسحًا لموارد المياه العذبة، وتيارات المحيطات. ومن المقرر إطلاق كلا المركبتين في العام المقبل.

وقد واجهت وكالة "ناسا" صعوبات في إدخال بعض بعثاتها المناخية المرتقبة بلهفةٍ بالغة حيزَ التنفيذ. وعلى سبيل المثال، تعتزم الوكالة إطلاق سلسلة من المركبات الفضائية، التي من شأنها قياس الملامح الأساسية للاحترار العالمي، مثل التحوُّلات في السُّحب وهطْل الأمطار، والتَّغيُّرات في كتلة الأرض مع نضوب المياه الجوفية. وقد أُنشئت هذه البعثات بموجب تقرير واسع الأثر، صدر في عام 2018، من الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب، وذكر خمسة "أهداف محددة للرصد" ينبغي للوكالة مراقبتها. وتشكِّل هذه الأهداف ما تطلق عليه وكالة "ناسا" إِجْمالًا "مرصد منظومة كوكب الأرض". وهذه الأهداف من شأنها مساعدة العلماء على الاستمرار في تتبع التَّغيُّرات العالمية التي تطرأ على كوكبنا. كما تقدم لواضعي السياسات البيانات التي يحتاجون إليها لإرشاد إجراءات التصدي لتغيُّر المناخ.

ووفقًا للتقديرات التي وردت في التقرير، فإن هذه البعثات الضرورية قد تتراوح تكلفة الواحدة منها بين 300 و800 مليون دولار أمريكي. كما أشار التقرير إلى أنها قد تكون قابلة للتنفيذ، حتى في ظل ميزانيات محدودة. وجدير بالذكر أن ميزانية الوكالة السنوية فيما يخص علوم الأرض قد ظلت تبلغ قرابة ملياري دولار لسنوات عديدة، وذلك حتى مع حصول برامج الوكالة الأخرى، مثل برامج علوم الكواكب، على زيادات تمويلية ضخمة.

وفي شهر إبريل الماضي، اقترح بايدن زيادة ميزانية وكالة "ناسا" لأبحاث علوم الأرض إلى ما يقرب من 2.3 مليار دولار، ولو أن الكونجرس سيحتاج إلى اعتماد هذه الميزانية. وحول ذلك، يقول عبد العاطي، الذي شغل سابقًا منصب كبير العلماء في وكالة "ناسا"، وشارك أيضًا في قيادة فريق إعداد تقرير الأكاديميات الوطنية لعام 2018: "إنها مساعدة كبيرة، وأنا أؤيدها"، لكنه استدرك قائلًا: "نتيجة لقلة ضخ الاستثمارات لهذه الغاية لسنوات عديدة، فهي تبدو أفضل مما هي عليه". (اقتُرحت أيضًا زيادة ميزانية الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي بحوالي 500 مليون دولار، لخدمة سلسلة الأقمار الصناعية الخاصة بها التي ترصد الطقس والمناخ).

وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجهها وكالة "ناسا" بسبب نقص ميزانيتها، فقد تمكنت من الاستمرار في إجراء أبحاث المناخ على مدى السنوات القليلة الماضية. وقد دبَّرَت تمويلات بشق الأنفس لبدء العمل على مركبة جديدة تسمى ليبيرا "Libera"، من المزمع أن تُطلق في عام 2027 لقياس الإشعاع الشمسي، بحيث يتسنى للوكالة إعداد سِجِلّ شديد الأهمية لمدة أربعة عقود حول مقدار الحرارة التي يمتصها الغلاف الجوي للأرض، لكنها لم تحرز التقدم الذي كانت تنشده في مراقبة الأهداف المحددة للرصد. وفي ذلك الصدد، تقول سان جيرمان: "على مدار العام الماضي، واجهنا ظروفًا شديدة الصعوبة مع ظهور كوفيد".

وإذا وافق الكونجرس على تقديم دعم كبير لقسم علوم الأرض في وكالة "ناسا"، فقد تتمكن الوكالة أخيرًا من إسراع خطى التقدم الذي تحرزه فيما يتعلق بالأقمار الصناعية المخصصة لمتابعة تغيُّر المناخ. ومن المتوقع صدور قرار التَّمويل خلال الأشهر المقبلة.

وفي هذا السياق، تقول هيلين فريكر، اختصاصية علوم الجليد من معهد سكريبس لعلوم المحيطات في منطقة لاهويا في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، التي تدرس انحسار الجليد في القارة القطبية الجنوبية: "إنّ تغيُّر الإدارة الأمريكية يعني الآن أنه يمكننا بالفعل البدء في تنفيذ بعض هذه المهام". وتضيف قائلة: "يُمكِننا تعويض الوقت المُهدر، والمضيّ في ذلك".