افتتاحيات

أعطوا أبحاث الهندسة الجيولوجية الشمسية فرصة

لا بديل عن التقليص الحاد لانبعاثات غازات الدفيئة، لكن ثمة حاجة إلى تقييم مخاطر التقنيات التي قد تخفف الاحترار العالمي، وتقييم منافعها.

  • Published online:

نجحت قمّة المناخ التي عقدها الرئيس الأمريكي جو بايدن عبر الإنترنت خلال الشهر الماضي من ناحية واحدة على الأقل، إذ قدّمت عدة حكومات، من بينها حكومة الولايات المتحدة، تعهدات جديدة للحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة. وتلك التعهدات - إلى جانب إعلان بلدان أخرى ودول الاتحاد الأوروبي لبعض الالتزامات في هذا السياق - من شأنها تقليص الانبعاثات بحلول عام 2030 بما يعادل أكثر من 3 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون، أي بمقدار يربو على انبعاثات الكربون الصادرة عن الهند سنويًّا في الوقت الراهن، بيد أن هذا الهدف – حتى إنْ تحقق – لن يكون كافيًا لإبقاء العالم على المسار الأرجح لكَبْح جماح الاحترار، ليتوقف عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي. 

ويجب على قادة العالم أن يبحثوا عن سبل لتعويض قصور هذه الجهود خلال انعقاد مؤتمر الأطراف المُوَقِّعة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في جلاسجو بالمملكة المتحدة خلال شهر نوفمبر المقبل، وأن ينفذوا التزاماتهم بعد ذلك. ومما لا شك فيه أن أمامنا طريقًا طويلًا وشاقًّا. ولذا، يجب على مسؤولي الحكومات والعلماء الاستمرار في تقييم احتجاز الكربون واستراتيجيات مواجهة تغيُّر المناخ الأخرى التي يمكن استخدامها لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي. ويتعيّن عليهم أيضًا استكشاف آفاق مجال الهندسة الجيولوجية الشمسية، الذي يتضمن إدخال تغييرات على السُّحُب، أو حَقْن جسيمات عاكسة في طبقة الاستراتوسفير؛ لعكس ضوء الشمس مجددًا إلى الفضاء، وتبريد الكوكب. وسيكون تأثير عمليات الحقن هذه شبيهًا بالتبريد الذي يحدث بعد الثورات البركانية.

وتشير دراسات إلى أن الهندسة الجيولوجية الشمسية بإمكانها توفير إغاثة قصيرة الأجل، سنكون في حاجة ماسّة إليها، إذا لم يعد بالإمكان تحمُّل وطأة الاحترار العالمي. (P. Irvine et al. Nature Clim. Change 9, 295–299; 2019). ومع ذلك، تظل ثمة تساؤلات تقنية، وبيئية، وأخلاقية قائمة، من بينها كيفية ضمان تحقيق هذا التبريد للغرض المنشود منه، ومَن يقرر ضبط درجات الحرارة. كما توجد آثار غير مباشرة محتملة لهذه التقنية، قد تختلف باختلاف المناطق وقطاعات المجتمع ( J. Proctor et al. Nature 560, 480–483; 2018). لذا، هناك حاجة إلى المزيد من البحوث لفهم تلك المشكلات. 

ويعارض بعض العلماء معارضةً صارخة استخدام الهندسة الجيولوجية الشمسية، الذي قد يحيد عن مساره الصحيح بطرق غير متوقعة، وقد يكون من الصعب وَقْف آثاره بأمان حالما يبدأ. وثمة مخاوف أيضًا من أن يؤدي مجرّد اتخاذ خطوة للبحث في مجال الهندسة الجيولوجية الشمسية إلى خلق حالة "استهتار"، (يسميها الاقتصاديون خطرًا أخلاقيًّا)، وهو ما يؤدي إلى اطمئنان في غير محلّه، والانصراف عن جهود السيطرة على انبعاثات غازات الدفيئة. ويتخوف البعض ممن يعارضون الهندسة الجيولوجية الشمسية من احتمالية ألا يتسنى وَقْف نشر هذه التقنية بمجرد بدء الأبحاث في هذا المجال، بغض النظر عن النتائج. 

أمّا الباحثون الذين يدرسون الهندسة الجيولوجية، فيحاججون في المقابل بأنّ ثمة حاجة إلى فهم هذا العلم، وأن العالم يجب أن يأخذ في اعتباره الأسئلة الشائكة الخاصة بقضايا الحوكمة الدولية، التي ستُطرح إذا أقدم بلدٌ ما على المضي قدمًا في برنامج لم يُخطط له بعناية، إلا أن الباحثين يَجِدون صعوبة في جمع التمويلات اللازمة لهذا المجال، وفي إجراء التجارب الخاصة به، وفي التصدي للمخاوف المشروعة إزاء أبحاثهم.

وعلى سبيل المثال، في مارس الماضي، اضطر علماء يعملون على تجربة تُعرف باسم “الاضطرابات الخاضعة للتحكم بطبقة الاستراتوسفير “ Stratospheric Controlled Perturbation Experiment (أو اختصارًا SCoPEx) لإلغاء رحلة منطاد، كان من المقرر انطلاقها في يونيو المقبل في السويد، إذ واجهت تلك الرحلة المصممة لاختبار معدّات قد تُستخدَم في التجارب المستقبلية وتنطوي على إطلاق جسيمات في الغلاف الجوّي معارضةً من مناصري حماية البيئة، وممثلي المجتمعات اللابية المقيمة بشمال إسكندنافيا، الذين زعموا أن أبحاث الهندسة الجيولوجية تصرف الانتباه عن الجهود الأخرى المبذولة في سبيل مواجهة تغير المناخ. وأوصت لجنة استشارية بتأجيل رحلة المنطاد لإتاحة الفرصة لمشاركة جماهيرية أكبر في هذا القرار.

وحتّى وقتنا هذا، لم تعط الهيئات العامة الأولوية للوصول إلى توافق آراء كهذا. ومع ذلك، هناك تطوّران مُرَحّب بهما يشيران إلى أن هناك فرصة للوصول إلى هذا التوافُق.

فقد أوصت الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب، في شهر مارس الماضي، بأنْ تؤسس الحكومة الأمريكية برنامجًا بحثيًّا فيدراليًّا مُنَسَّقًا من أجل دراسة الهندسة الجيولوجية الشمسية. وحتّى الآن، تُعَد هذه الدعوة الأكثر صراحة من جانب هيئة علمية كبرى لتأسيس برنامج بحثي حكومي في هذا المجال قد أتت في الوقت المناسب لها.

وهذا البرنامج الذي تشارك فيه هيئات متعددة، والذي تتراوح تكلفته على مدار خمس سنوات ما بين 100 مليون و200 مليون دولار أمريكي من شأنه استكشاف العلوم البيئية الأساسية المرتبطة بإدخال تغييرات على السُّحُب، أو إطلاق جسيمات على نطاق واسع في الغلاف الجوي، فضلًا عن الأخلاقيات الحاكمة لهذه التكنولوجيا، ونظرة الجمهور إليها. وينطوي هذا المقترح بإطلاق البرنامج على تأسيس مدوّنة لقواعد السلوك في هذا المجال، وسجل عام بمقترحات الأبحاث ونتائجها. وتدعو الأكاديميات أيضًا إلى المشاركة الدولية الواسعة في هذا المجال، وتبادل المعلومات فيه، وعقد النقاشات بشأن الحوكمة العالمية لهذه التقنية. وهذا أمر بالغ الأهمية؛ فالهندسة الجيولوجية الشمسية من شأنها التأثير على الكوكب بأكمله، ولا يجب أن تُقْدِم الولايات المتحدة على التصرُّف وحدها في هذا الصدد.

"تحتاج الحكومات إلى تكثيف جهود مواجهة التغيُّر المناخي، وتقييم كل الخيارات الممكنة للتحرُّك".

وثمة تقدُّم مُحرَز أيضًا على الجبهة الدولية في هذا الصدد، فعلى سبيل المثال، تعمل مبادرة كارنيجي لحوكمة المناخ (C2G) - وهي مجموعة ضغط تؤيد هذه التقنية، وتتخذ من مدينة نيويورك مقرًّا لها - على إشراك جمعية الأمم المتحدة في أبحاث الهندسة الجيولوجية الشمسية، وقضايا حوكمة هذه التقنية. وفي مارس من عام 2019، ناقش وزراء البيئة قرارًا يطالب برنامج الأمم المتحدة للبيئة بتقييم علم الهندسة الجيولوجية وتقنياته. وقد فشل هذا الإجراء - جزئيًّا - بسبب معارضة إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب له. وتستعد سويسرا وبلدان أخرى لطرح قرار جديد بهذا الشأن خلال العام المقبل. وتعمل مبادرة كارنيجي لحوكمة المناخ على الدفع بمناقشة تقنية الهندسة الجيولوجية الشمسية خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2023.

إن بحوث الهندسة الجيولوجية الشمسية تجلب معها أخطارًا، وهناك طرق أخرى واعدة بدرجة أكبر لمعالجة الاحترار العالمي، لكن العالَم لا يزال متجهًا نحو تغيّر مناخي خطير. وتحتاج الحكومات إلى تكثيف جهود مواجهة التغيُّر المناخي، وتقييم كل الخيارات الممكنة للتحرُّك. وإذا كانت الهندسة الجيولوجية الشمسية ضارة، فسيحتاج القادة إلى أدلة لإسقاطها من الاعتبار.