أنباء وآراء

جدل مثير حول قيمة العزم المغناطيسي للميون

أُفيد باكتشاف طريقة جديدة مستنِدة إلى المبادئ الأولى لحساب مدى التأثير الذي يخلق أغلب أوجه عدم اليقين التي تشوب حسابات العزم المغناطيسي لجسيم الميون. وقد تحل هذه النتائج لغزًا لطالما استعصى على الحل، لكنها تصنع معضلة أخرى. 

هارفي بي. ماير

  • Published online:

يُطلَق على النظرية الراسخة لفيزياء الجسيمات النموذج القياسي، وقد اجتازت عددًا هائلًا من الاختبارات التجريبية بنجاح باهر، بيد أن أحد هذه الاختبارات – وهو اختبار تحديد العزم المغناطيسي لجسيم أوّلي يعرف باسم الميون – أسفر عن تناقض ظل قائمًا لأمد طويل بين النظرية ونتائج التجارب. وعدم اليقين في التنبؤات النظرية في هذا الشأن تحكمه تمامًا القوى المؤثرة في تفاعُل العزم المغناطيسي القوي ذاك، وهي تأثيرات تشكِّل القوة الأساسية التي تربط مكونات النوى الذرية، غير أنه في بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أفاد زابولكس بورسانيي وفريقه البحثي1 باكتشاف طريقة لحساب قيمة المؤثر الأكبر بين هذه القوى المؤثرة بدقة، وهي طريقة تسفر عن نتيجة تتفق مع القياس التجريبي للعزم المغناطيسي للميون. وباستخدام هذه القيمة، أظهر الفريق البحثي أن العزم المغناطيسي الذي يتنبأ به النموذج القياسي يتفق مع القياسات التجريبية، إلا أنّ الفريق وجد، في الوقت نفسه، تضاربًا متوسطًا بين نتائجه، والقيم التي حُددت في السابق لتأثير هذا التفاعل القوي. وتستند تلك القيم التي حُدِّدت سالفًا إلى منهجية مختلفة عن تلك التي استخدمها بورسانيي وفريقه البحثي، ويُنظر إليها على نطاق واسع على أنها تستند إلى أرضية صلبة.

وجدير بالذكر أنه على الرغم من النجاحات العديدة التي حققها النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، إلا أنه تشوبه أوجه قصور جليّة: فهو لا يفسر دور الجاذبية، وليس به جسيم يُحتمل أن يفسِّر الكمية الهائلة من المادة المظلمة في الكون، التي لا يمكن ملاحظتها إلا بصورة غير مباشرة. ويستكشف الفيزيائيون حاليًّا عدة مسارات بحثية، بغرض اكتشاف الجسيمات والقوى التي ربما تقع خارج نطاق النموذج القياسي. وتشمل جهودهم في ذلك الصدد إجراء عمليات بحث مباشر عن جسيمات جديدة، من خلال مصادم الهادرونات الكبير في منظمة "سيرن"، المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات، الواقع بالقرب من جنيف في سويسرا، فضلًا عن إجراء التجارب المخصصة لاكتشاف المادة المظلمة. وتتمثل استراتيجية راسخة أخرى في القياس الدقيق للكميات التي يمكن حسابها باستخدام النموذج القياسي إلى درجة من الدقة مماثلة لتلك الخاصة بالقياسات التجريبية. وأي اختلافات في القيم المقاسة والمحسوبة ستشير إلى وجود خواص فيزيائية لم تؤخذ في الحسبان في النموذج القياسي.

"يُعَد تناوُل بورسانيي وفريقه البحثي بصورة شاملة للعديد من التأثيرات التي تؤثر في قيمة العزم المغناطيسي الشاذ، وبهذه الدقة التي أُفيد بها، إنجازًا مثيرًا للإعجاب".

ومن الأمثلة البارزة لهذه الكميات: العزوم المغناطيسية للجسيمات الأولية. وهي تتناسب مع اللف المغزلي (الزخم الزاوي الأصيل) للجسيم، ومع مُعامل المغناطيسية الدورانية للجسيم (يُرمز إليه بالرمز "جي" g، وهو ثابت تناسُب معين يميز كل نوع من أنواع الجسيمات). وقد أظهر بول ديراك في عام 1928، من خلال نظرية النسبية الكمية للإلكترون2 التي وضعها، أن قيمة "g" تساوي 2 للإلكترون، وهو ما كان تقديرًا تقريبيًّا ممتازًا في ذلك الوقت. ومع ذلك، فإن القيمة الفعلية لـ"g" تختلف عن 2 بفرق ضئيل يسمى العزم المغناطيسي الشاذ، الذي تم تقديره بأنه يساوي (g -2) / 2. وينشأ هذا الاختلاف لأن العزم المغناطيسي يتأثر بنسخ "افتراضية" من جسيمات أولية، تظهر باستمرار وتختفي في الفراغ. وفي عام 1947، قام عالِم الفيزياء النظرية جوليان شفينجر بحساب3 قيمة نسبة العزم المغناطيسي الشاذ للإلكترون المهمة، ويُعَبَّر عنها بالمعادلة α/(2π)، حيث "α" هو ثابت أساسي يُعرف بثابت البِنْية الدقيقة.

وللإلكترونات أبناء عمومة تسمى الميونات، هي أثقل بمقدار 207 أضعاف منها. ويعني تزايُد كتلة الميون أن قياس قيمة العزم المغناطيسي الشاذ له سيتأثر بالوجود العابر لأي جسيمات افتراضية ثقيلة لم يصفها النموذج القياسي بدرجة أكبر بكثير من قياسات قيمة هذا العزم في حال الإلكترونات، بيد أنه بعد عقود من التحسينات، قدمت تجربة "إي 821" E821 في مختبر بروكهايفن الوطني في مدينة أبتون، في ولاية نيويورك الأمريكية، قياسات4 للعزم المغناطيسي الشاذ للميون، تصل إلى دقة مذهلة تبلغ 0.54 جزء في المليون.

وقد بُذلت في مجال الفيزياء النظرية لعقود جهود مثيرة للإعجاب بالقدر نفسه تهدف إلى مضاهاة دقة التجارب الرائعة في حساب العزم المغناطيسي الشاذ المتوقع على أساس النموذج القياسي. وقد لخص تقرير رسمي5 نُشر في عام 2020 ما وصلت إليه هذه الجهود، حيث أفاد بأن دقة قياس العزم المغناطيسي الشاذ بلغت 0.37 جزء في المليون، لكنْ تَبَيَّن أن قيمته التي جرى التوصل إليها كانت أصغر قليلًا من القيمة التي خلصت إليها التجارب، بانحراف معياري قيمته 3.7.

وهذا التخبط في التنبؤات النظرية لقيمة العزم المغناطيسي الشاذ للميون تحركه تأثيرات الهادرونات، وهي جسيمات مركّبة، تُرابط بينها القوة النووية الشديدة، ومن الأمثلة على هذه الجسيمات: البروتون، والنيوترون. وقد أفاد تقرير رسمي بأنه جرى التوصل إلى حصة التأثير الأهم في قيمة العزم المغناطيسي الشاذ 5، الذي تسهم به الهادرونات، وذلك من صيغة رياضية تُعرف باسم علاقة التشتت، باستخدام معدلات تكوين الهادرونات المقاسة كمدخلات في التجارب التي تصطدم فيها الإلكترونات بالبوزيترونات، وهي الجسيمات المضادة للإلكترونات.

وثمة طريقة مختلفة لحساب نسبة تأثير الهادرونات في قيمة العزم المغناطيسي الشاذ، اقتُرِحت لأول مرة في عام 2003، وهي استخدام الديناميكا اللونية الكمية الشبكية، وهي طريقة تستند إلى المبادئ الأولى للتحكم في القوة النووية الشديدة، وتعتمد على الحوسبة عالية الأداء. وقد تسارعت وتيرة تحسين حسابات الديناميكا اللونية الكمية الشبكية إلى حد كبير في السنوات القليلة الماضية، نتيجة لجهود متفانية، وعدة تطورات أخرى شهدتها المنهجيات الحسابية (جرى استعراضها في المرجع 77). وتُعَد دراسة بورسانيي وفريقه البحثي بمثابة الخطوة الأخيرة نحو تقليل قدر عدم اليقين في الحسابات المستندة إلى الديناميكا اللونية الكمية الشبكية في هذا المجال إلى مستوى يجعل هذه الحسابات تنافِس علاقات التشتت من حيث انخفاض مقدار عدم اليقين في القيم المحددة بناءً عليها.

ومن المثير للاهتمام أنه عندما استخدم بورسانيي وزملاؤه حساباتهم للتنبؤ بقيمة العزم المغناطيسي الشاذ، كانت النتيجة التي حصلوا عليها متوافِقة مع القيمة المكتشَفة في تجربة "إي 821" (الشكل 1)، غير أن النتيجة التي توصلوا إليها كانت مختلفة كذلك بانحراف معياري متوسط مقداره 2.2 عن قيمة العزم المغناطيسي الشاذ المذكورة في التقرير الرسمي سالف الذكر5، التي جرى تحديدها باستخدام علاقات التشتت، وهي نتيجة تستحق بالتأكيد مزيدًا من التدقيق.

الشكل 1 | تحديد العزم المغناطيسي لجسيم الميون. العزم المغناطيسي للميون يقارب العدد 2، لكنه لا يساويه. وتُقدَّر قيمة الفرق بمعادلة تُعرف باسم (g-2) / 2. وفي عام 2006، نُشر قياس4 لقيمة هذا الفرق، حُدد في تجربة "إي 821" في مختبر بروكهايفن الوطني في مدينة أبتون في ولاية نيويورك الأمريكية. كما نُشر5 تنبؤ نظري متفق عليه في عام 2020. وقد أورد بورسانيي وفريقه البحثي الآن حسابات تجعل التنبؤ النظري أقرب بكثير إلى قياس تجربة "إي 821". كما تم كذلك نشر قياس8 لقيمة الفرق (g-2) / 2 في مختبر مسرِّع فيرمي الوطني (فيرميلاب) بالقرب من مدينة شيكاجو، في ولاية إلينوي الأمريكية، في وقت سابق من هذا العام، وهو يتوافق مع قيمة تجربة "إي 821". ويختلف متوسط جميع القياسات التجريبية بانحراف معياري مقداره 4.2 عن التنبؤ الذي جرى الإجماع عليه في عام 2020. ومن شأن وجود فَرْق بين القيم النظرية والتجريبية، يُقدر بانحراف معياري قيمته 5.0، أن يثبت وجود خواص فيزيائية لم يأخذها النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات في الحسبان.

الشكل 1 | تحديد العزم المغناطيسي لجسيم الميون. العزم المغناطيسي للميون يقارب العدد 2، لكنه لا يساويه. وتُقدَّر قيمة الفرق بمعادلة تُعرف باسم (g-2) / 2. وفي عام 2006، نُشر قياس4 لقيمة هذا الفرق، حُدد في تجربة "إي 821" في مختبر بروكهايفن الوطني في مدينة أبتون في ولاية نيويورك الأمريكية. كما نُشر5 تنبؤ نظري متفق عليه في عام 2020. وقد أورد بورسانيي وفريقه البحثي الآن حسابات تجعل التنبؤ النظري أقرب بكثير إلى قياس تجربة "إي 821". كما تم كذلك نشر قياس8 لقيمة الفرق (g-2) / 2 في مختبر مسرِّع فيرمي الوطني (فيرميلاب) بالقرب من مدينة شيكاجو، في ولاية إلينوي الأمريكية، في وقت سابق من هذا العام، وهو يتوافق مع قيمة تجربة "إي 821". ويختلف متوسط جميع القياسات التجريبية بانحراف معياري مقداره 4.2 عن التنبؤ الذي جرى الإجماع عليه في عام 2020. ومن شأن وجود فَرْق بين القيم النظرية والتجريبية، يُقدر بانحراف معياري قيمته 5.0، أن يثبت وجود خواص فيزيائية لم يأخذها النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات في الحسبان. 

كبر الصورة

ويُعَد تناوُل بورسانيي وفريقه البحثي بصورة شاملة للعديد من التأثيرات التي تؤثر في قيمة العزم المغناطيسي الشاذ، وبهذه الدقة التي أُفيد بها، إنجازًا مثيرًا للإعجاب. وكما هو معتاد في إطار الديناميكا اللونية الكمية الشبكية، يتم حساب الكمية محل الدراسة عن طريق تقسيم الزمان والمكان إلى شبكة من النقاط، ثم حساب مقدار عدة قيم في التباعد الشبكي، ثم الاستعانة بالاستقراء، لتحديد قيمة الكمية عندما يكون التباعد صفرًا (تُعرف هذه القيمة بحد الاستمرارية). وقد تَبين في نتائج واضعي الدراسة أن منهجية الوصول إلى حد الاستمرارية هي المصدر الرئيس لأوجه عدم اليقين. ومن المتوقع أن تخدم الحسابات المستمرة التي تجريها الفرق البحثية الأخرى باستخدام متغيرات مختلفة في الديناميكا اللونية الكمية الشبكية كوسيلة مهمة للتحقق من مدى اتساق النتائج الحالية.

ومنذ عام 2018، يجري تعاون "ميون جي-2" تجربة في مختبر مسرِّع فيرمي الوطني (فيرميلاب) بالقرب من شيكاجو، في ولاية إلينوي الأمريكية، للتحقق من نتائج تجربة "إي 821"، وتحسين دقة نتائجها. وقد أُعلِن عن النتيجة الأولى8 للتجربة في السابع من إبريل من عام 2021، حيث اتفقت قيمة العزم المغناطيسي الشاذ التي أُفيد بها مع القيمة المستقاة من تجربة "إي 821". وفضلًا عن ذلك، عند الجمع بين القياسات التجريبية كافة، يتزايد التضارب مع التنبؤات النظرية المذكورة في التقرير الرسمي5 إلى حد الوصول إلى انحراف معياري، قيمته 4.2. وقد مَثَّل هذا الإعلان لحظة مثيرة للاهتمام حقًّا لعلماء فيزياء الجسيمات، لأن وجود انحراف معياري بين نتائج التجربة والنظرية مقداره 5.0 يُعد بصفة عامة دليلًا قاطعًا على اكتشاف خواص فيزيائية لم تأخذها النظرية في الحسبان.

ولكنَّ قيمة العزم المغناطيسي الشاذ المستنبطة من حسابات بورسانيي وزملائه تتفق مع المتوسط التجريبي الجديد. لذلك، فإن الأولوية القصوى في المستقبل هي تفسير التضارب بين النتيجة التي حصل عليها بورسانيي وفريقه البحثي، ونتيجة نظرية التشتت الواردة في التقرير الرسمي. وفي غضون القليل من السنوات، من المتوقع9 أن تزداد دقة تجربة "ميون جي-2" إلى حوالي أربعة أضعاف دقة تجربة "إي 821"، وسيتم إجراء قياسات دقيقة مماثلة في مجمع أبحاث مسرّع البروتونات الياباني "جيه-بارك" J-PARC بالقرب من توكاي، باستخدام تقنية مختلفة تمامًا لتحديد قيمة العزم المغناطيسي الشاذ. ويلوح في الأفق الآن المزيد من الإثارة.

References

  1. Borsanyi, Sz. et al. Nature 593, 51–55 (2021).| article
  2. Dirac, P. A. M. Proc. R. Soc. Lond. A 117, 610–624 (1928). | article
  3. Schwinger, J. Phys. Rev. 73, 416–417 (1948). | article
  4. Bennett, G. W. et al. Phys. Rev. D 73, 072003 (2006). | article
  5. Aoyama, T. et al. Phys. Rep. 887, 1–166 (2020). | article
  6. Blum, T. Phys. Rev. Lett. 91, 052001 (2003). | article
  7. Meyer, H. B. & Wittig, H. Prog. Part. Nucl. Phys. 104, 46–96 (2019). | article
  8. Abi, B. et al. Phys. Rev. Lett. 126, 141801 (2021). | article
  9. Grange, J. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1501.06858 (2015).
  10. Abe, M. et al. Prog. Theor. Exp. Phys. 2019, 053C02 (2019). | article

هارفي بي. ماير

 يعمل في معهد الفيزياء النووية بجامعة يوهانس جوتنبرج في ماينتز، D-55099 ماينتز، ألمانيا.

البريد الإلكتروني: meyerh@uni-mainz.de